دارفور والعدالة الدولية

حجم الخط
0

دارفور والعدالة الدولية

د. عبدالوهاب الافنديدارفور والعدالة الدولية(1)في مطلع هذا الأسبوع أصدرت محكمة العدل الدولية قراراً برأت فيه جمهورية صربيا من المسؤولية عن جرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبت في البوسنة خلال الحرب هناك بين عامي 1991 ـ 1995. وقد احتفلت العاصمة الصربية بلغراد بهذا القرار، بينما شهدت سراييفو تظاهرات غاضبة ضد القرار. واستغربت امرأة مسلمة من ضحايا المذابح ما وصفته بقرار كارثي قائلة: لقد اغتصبت من قبل ضابط جيش صربي، وابنتي اغتصبت من قبل رجال شرطة صرب .(2)المحكمة لم تنكر وقوع المذابح، وأقرت أن أكبر هذه المجازر، وهي مجزرة سربرينتسا، تعتبر جريمة إبادة جماعية، ولكنها قالت إن الحكومة الصربية لم تكن لديها السيطرة الكاملة علي المقاتلين الصرب في البوسنة. هذا مع العلم بأن قادة الصرب المسؤولين شخصياً عن هذه المجازر ما زالوا يقيمون في داخل صربيا التي ترفض تسليمهم متعللة بأنها لا تعرف بمكان وجودهم.(3)من الواضح أن اعتبارات سياسية قد دخلت في اتخاذ هذا القرار. ذلك أن تجريم صربيا كبلد كانت ستكون له عواقب خطيرة علي الأوضاع السياسية في أوروبا، وعلي مستقبل العلاقات مع صربيا، كما أنه كان سيكون سابقة قانونية لها تبعاتها.(4)في اليوم التالي لقرار محكمة العدل أصدرت المحكمة الجنائية الدولية إعلانها الذي طال انتظاره بتسمية المطلوبين في ملف جرائم الحرب في دارفور، وقد تلبس القرار أيضاً باعتبارات سياسية. فقد اكتفت المحكمة بتسمية شخصين فقط من بين عشرات المتهمين، كلاهما من دارفور (مما قد يعمق الشعور لدي أهل دارفور بأنهم الهدف الأسهل حتي للعدالة الدولية). ومن الصعب هنا تصديق أن هذين الشخصين (أحمد محمد هارون، وزير الدولة للشؤون الإنسانية، ومحمد علي عبدالرحمن قشيب ، أحد قادة الميليشيات) هما الوحيدان اللذان توفرت لدي المحكمة قرائن إدانة بحقهما، مما يعني أن السكوت عن الباقين له دوافعه السياسية.(5)هناك جدال يدور منذ أيام سقراط حول ما إذا كان القانون هو أداة الأقوياء لفرض إرادتهم علي الضعفاء، أم العكس. وفي حقيقة الأمر فإن الأقوياء لا حاجة لهم إلي القانون، لأنهم قادرون علي نيل ما يريدون بدونه. ولكن الإشكال ظل هو أن الأقوياء ظلوا هم الأنجح في التهرب من طائلة القانون كما جاء في الحديث الذي يحذر من اتباع سنة الأمم الفاسدة في تطبيق القانون علي الضعفاء فقط. (6)ما يسمي بالقانون الدولي ليس له صفة القانون إلا مجازاً لعدم وجود سلطة معترف بها تقوم علي فرضه بحيث يتساوي أمامه الجميع. المحاكم الدولية ليس لديها شرطة تقبض علي المتهمين ولا سجون تضعهم فيها، وهي تعتمد في ذلك علي الدول المضيفة والمؤيدة. وهذه الدول لا تتصرف حيادياً. فيما يتعلق بمحكمة يوغسلافيا تم الاعتماد علي قوات حلف الأطلسي لمطاردة المطلوبين أو علي الضغوط الغربية علي الدول المعنية لتسليمهم. ونفس الأمر سيتبع فيما يتعلق بمطلوبي دارفور، حيث ستمارس الضغوط والعقوبات لإجبار الحكومة علي تسليمهم أو لإسقاطها حتي تأتي حكومة أخري تقوم بذلك. وهذا بدوره سيعتمد علي حسابات الدول التي تمارس هذه الضغوط.(7)بغض النظر عن شكليات المحكمة فإن القضية الحقيقية فيما يتعلق بدارفور هي هل هناك جرائم ارتكبت أم لا؟ ومن وجهة الشريعة الإسلامية لا يوجد هناك ما يسمي جريمة إبادة جماعية لأن كل جريمة قتل هي جريمة إبادة جماعية تساوي قتل الناس جميعاً. ولا أحد يجادل بأن عدداً من الأبرياء (قل أم كثر) قد قتل في المحنة التي تعرضت لها دارفور، وأن طرفي النزاع مذنبان بالتساوي في هذا، وأن علي المسؤولين عن ذلك أن يتوبوا إلي الله ويستغفروه ويعترفوا بذنوبهم قبل الدخول في جدال حول من هو مذنب أكثر، لأن هناك محكمة لا استئناف لحكمها تنتظر الجميع. وقد جاء في الإنجيل أن من أذنبت يده فليقطعها، ومن أذنبت عينه فليقتلعها، لأنه من الأفضل أن يدخل الإنسان الجنة بلا يد أو عين من أن يدخل النار وهو كامل الجسم. وهذا ينطبق أيضاً علي الدولة: فمن أذنب واليه أو رئيس جهاز أمنه أو ضباطه، فخير له أن يتخلص منه من أن يصاحبه في سقر.(8)توبة المذنبين من كبار المسؤولين وقادة التمرد (وكلهم مذنبون بالمقياس الشرعي الذي أسلفنا) لا تكون بتسليم أنفسهم إلي محكمة لاهاي، حيث ستهيأ لهم غرف مريحة فيها أجهزة التلفزيون والصحف وربما أيضاً الانترنيت وغير ذلك من وسائل الراحة والترفيه، وربما تتم تبرئتهم لعدم كفاية الأدلة أو إطلاق سراحهم بعد فترة سجن قصيرة كما رأينا في حال مجرمي يوغسلافيا. إنما تكون توبتهم بأن يذهبوا جميعاً، البريء منهم والمذنب للإقامة في معسكرات النازحين في دارفور وتشاد والمكوث هناك حتي يتوصلوا إلي حل للأزمة وإعادة كل النازحين إلي مواطنهم الأصلية في أمن وسلام.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية