قراءة تفاعلية في رواية «فتنة السنونو» لعبدالله لغزار

حجم الخط
0

«فتنة السنونو» عنوان اختاره رفيقَا درب الدراسة «أحمد» و»المهدي» عنوانا لمعرضهما الذي عزما على إقامته عندما تبخر أملهما في الحصول على وظيفة. فبعد تخرجهما من مدرسة الفنون الجميلة، بدأت الرواية أو بالأحرى بدأت الفتنة..
لماذا هذا العنوان؟ وما هي الخلفيات التي جعلت الكاتب يختاره عنوانا لروايته؟
في خضم هذه الأسئلة، المثيرة، التي لا تلبث تتفجر للوهلة الأولى من وحي وهلامية العنوان؛ تُطرح كذلك أسئلة أخرى، حول النص، وذلك بالنظر إليه في بنائه الدرامي ونسقه السردي. ووقوفا دائما عند العنوان، باعتباره المدخل الأول للنص، وأيضا باعتباره حيلة لاستمالة مخيلة القارئ واستدراجها إلى طرح الأسئلة حوله، لا نمنع أنفسنا من أن ننساق وراء جذْبَتِه ونتساءل عما إذا كان «السنونو» بصدره الأبيض وجسمه الحالك السواد، تجسيداً لوقائع وأحداث النص الذي أخذ منه ميسمه.
فالأبيض والأسود هما لونان على طرفي نقيض. لونان يناقض أحدهما الآخر. وربما من ثم كان التدليل بهما على الثنائيات والتناقضات التي يعرض لها النص، في إيقاعاته السردية، وفي دينامية شخوصه التي تشبه السنونو في رشاقته وطيرانه البهلواني الموسوم بالانسيابية والخفة والمجازفة.
هكذا نرى بأن النص، في كثير من أطرافه، يستجمع نسيجه من ضفائر حيواتٍ أضناها شظف العيش والحلم، وظلت تعيش البؤس والشقاء، إذ وُعورة منعرجات السبل التي اختارتها جعلتها تتيه في سراديب حياة سفلى، ثم عبثية النزوعات الأخلاقية التي نسجتها عبقرية البشر، وعمقت معناها أطروحات علماء الأديان وقدستها أوهام القدريين.
إننا أمام محنة/ محن، يحملها النص في تجاويفه، في حمولة مفرداته، وفي بلاغة حوارات شخصياته، وكذا سلاسة أسلوبه… إذ ليس من السهل تفكيك بنيته واستنطاق مكنونه؛ نظرا لاكتناز شكله وانحباس وقائعه في تفاصيل موغلة في الرمزية.
«فتنة السنونو» عمل إبداعي يستحضر في ثناياه، تجارب/ وقائع، من حياة فئات مجتمعية تسرّب إلى أعماقها اليأس وفتَّتَتْ أفئدتها أحاسيس الغبن والمهانة والهوان، فأخذت المقاومة عندها طابع الانزواء والانحباس في الذات.. ذوات محاصرة بالوساوس، وتحول عندها الفعل إلى رد للفعل، تنتقم به لأنفسها من أنفسها..
وسعيد هو واحدٌ من هؤلاء الحالمين المهزومين..
فانتماء سعيد لفضاء تادلة المؤثث بالزمن العميق الساكن لبدايات تاريخ أسطوري، غاص ببطولات وأمجاد غامضة، بعيدة- قريبة كتادلة، ومترامية على جغرافيا ينبعث من تضاريسها لهيب العشق والحنين الأزلي إلى لفحات صيف «تادلة» المضني، ولسعات عقاربها، وسياط بردها القارس.
على هذا الإيقاع النمطي ظلت تعيش تادلة..
تادلة انتجت سعيد القضية. والقضية هي بمفهوم غسان كنفاني: القضية هي الإنسان. إذ سعيد نمودج لجحافل من الشباب الذين سكنوا إلى أنفسهم، بمتناقضاتها، وظلوا يرسمون على لوحات أرواحهم أيقونة الصمود. وبرغم العبث الذكي، والعقول المشحوذة، والأحلام الموشاة بنقوش بارزة ومغرية… في نهاية المطاف، ينتصر البؤس واليأس، ويحفر على الجباه الحالمة تجاعيد الانكسار.
لقد سافر بنا الكاتب عبر زمنه السردي في دنيا عالم التشكيل، واستحضر بشكل إيحائي محطات عمره؛ وهو طالب بمدرسة الفنون الجميلة. المدرسة التي بعد مبارحتها فقد الأمل، إذ لم يمكِّنْه «ديبلومها» من إيجاد موطئ قدم على خارطة الشغل، لكن، تبقى تجربته بكل أبعادها الإنسانية نبراساً اهتدى به إلى خلق عوالم تشكيلية، بعد مُراكمته طبعا، لخبرة وهمٍّ معرفيين، بوآه مكانة المثقف المنزوي في كهف الحلم والتجديد.
تتناثر بين دفتي الرواية أعمال إبداعية في التشكيل. لوحات فنية، لرسامين كبار، لوحات يباعد الزمن بين تواريخ خلقها، وتفارق بينها هويات الانتماء الجغرافي والثقافي، لكن يوحد بين مبدعيها اهتمامهم بالجمال وبالرمز. لوحات هي عبارة عن أنساق إبداعية لحقب زمنية متباعدة في التاريخ وفي الجغرافيا، لكن تجتمع حول سؤال الإنسان.
ومن هنا ينبثق سؤال: أي رؤية يريد كاتب النص أن يبلورها عبر إشراكه القارئ في لَمْلَمَة عناصرها (الرؤية) لا سيما وهو ينتهج في ذلك، وبمكر، تقديم لوحات فارقة في تاريخ فن التصوير؛ لوحات تختلف من حيث الأسلوب والمعالجة والموضوع؟ بتعبير آخر: أي جهة من الوعي الجمعي ينوي خلخلته وهو يتوسل القارئ مساعدته في لَمْلمة أطراف النص/ أو الحكايات؟
أطراف الرواية تحمل عناوين متناقضة: الغرفة والليل، مسمار في عين صورة، فتنة الصور، صرخة مكتومة، أرض محروقة، ظلال مشتعلة، هذا التداخل المكثف في معاني العناوين ببنائها المثير وبرمزية رهيبة، يخلق عند القارئ مخاوف تحبس فيه رغبة التناول بغرض أخذ مسافة لمساءلتها، واستنطاقها، لاستكناه حمولتها الرمزية، حسب نهج «جاك دريدا».
شخصيات الرواية من طبقات غير متجانسة في همها الفكري وفي وضعها الاجتماعي، وكذلك في طريقة النظر والتحليل.. شخصيات مناورة ومخاتلة… تنهج سخرية المتواطئ؛ الذي يسخر من نفسه ومن الغير. وفي الحوار/ المقابلة، مع رب الشركة، نلاحظ كيف تحوّل النقاش بطريقة ساخرة من الحديث عن إمكانية الشغل إلى الحديث في مجال التشكيل، مما دفع بالسارد: أحمد، إلى مقت تجربته ومعرفته بعالم الشكل واللون. هو لا يريد أن يتشبّه بأي اسم/ أسلوب، من مجموعة فنانين كبار، يحفظ أسماءهم عن ظهر قلب؛ كفريد بلكاهية وحميدي والقاسمي… فالسارد، في مونولوج داخلي، تبرأ من التشبه بهم، متحدثا إلى نفسه كالآتي: «أنا لست كالشعيبية أو ك…» ليثير انتباهنا من جديد إلى ضرورة طرح السؤال، والسؤال هو: لماذا بدأ بـ»الشعيبية»، وقدمها على فنانين كونيين من حجم بيكاسو، ماتيس…؟
في حوار «فايسبوكي» أجريته مع فنان تشكيلي مغربي، مرموق، أعاب عليّ وصفي «الشعيبية» بأسطورة التشكيل المغربي، وعلّل نقده لي، بأن العصامية في الفن تمتلكها حتى الشعوب التي مازالت تعيش في عهدها البدائي وسط أدغال أفريقيا. ربما لمّح إليّ بأن الشعيبية لا تستحق ذلك التوصيف، في حين نجد السارد، في هذا النص الذي يحاول إعادة الاعتبار لمحترِفي فن التشكيل، يبدأ بالشعيبية، وهذا يجعلنا لا نفتأ نطرح سؤال: لماذا؟ لماذا أدمنّا التلذذ بجلد ذواتنا؟ لماذا لم نستطع إلى حدّ الآن أن ننصف هذه الذات ونخلصها من هذا الوعي الشقي؟ لماذا؟..
هكذا تتوالد الأسئلة. ولا أظنها ستنتهي بعد قراءة ثانية وثالثة لهذا النص المُغري، والذي لا بد من فتح نقاش مع كاتبه، حتى نُعيد للأفْهَامِ صواب النّظر..
*كاتبين من المغرب

محمد باهي/ابراهيم الحيرش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية