«داعش والغبراء» وغزة والإنترنت

حجم الخط
0

■ لو قدر للإنترنت وولدت في عهد الجاهلية لما كانت هناك جاهلية بالطبع، ولكانت حرب داحس (بالحاء) والغبراء الشهيرة التي وقعت في ذلك العصر، الحرب الأكثر والأوسع والأكبر والأقسى ضراوة في التاريخ، التي استمرت أربعين عاماً ومات فيها آلاف الرجال إثر خلاف دبّ بين أقارب الدم عبس وذبيان ليصبح الفرسان داحس والغبراء الأشهر في التاريخ والمسببان الرئيسيان لهذه الحرب.
اليوم نعيش لنرى «داعش» في زمنٍ فقدنا فيه حق الاختيار، بين تفكيك طلاسم السياسة وتحالفاتها ومفاجآتها. واليوم تولد داعش نتيجة حروب مستميتة لا يمتلك الناس خلالها سوى مراقبتها وبذل الجهد في محاولة الفهم والتبسيط. فغزة تقصف والضفة تستباح والعواصم العربية تحترق بألمٍ يوازي في حرقته حجم الرعب الذي عمّ ذات يوم عندما اعتدي على الغبراء.
داعش والغبراء عناوين إذاً لمرحلة جنون نعيش مكوناتها في لحظة فاصلة ما بين الضارب والمضروب والقاتل والمقتول. وتماماً كما عاش العرب أربعين عاماً تحت وطأة حرب داحس والغبراء سنعيش نحن أيضاً تحت وطأة داعش والغبراء ولعقود سيحتاجها العالم العربي ليحسم حروبه ويلملم أمره ويكفكف دموعه وينهض من ركامٍ مازال ينهال عليه اليوم وفي كل اللحظة.
وفي أوج هذا الحال تستمر لغة الرصاص والتفريق والطائفية والعنف، في حقبة تعود معها الجاهلية واقتصـــاص الأثر والنحيب على الأطلال بعالمٍ أكثر سوداوية. زمنٌ نكون فيه قد انتقلنا من حيز الفاعل إلى حيز المفعول به لا المفعول لأجــــله وبـــين هذا وذاك تتطور البشرية من حولنا في العالم بينما نتراجع نحن إلى الوراء ونعيش حنيناً متجدداً لماضٍ تليد.
إذاً جيل النكبة الذي حلم بالثورة فجعته النكسة فعاد لتصطدم أحلامه بنار الفتنة والوحشية، وحتى «الوكسة» بينما «شعب الله المختار» من أبناء العم يقابل انهياراً كاملاً «لخير أمة أخرجت للناس». وعليه ينتكس جيل الإنترنت الحالم المحلّق ليرى نفسه وقد ارتطم بالدرك الأسفل من الحياة والآدمية، فيعيش صعقة أكبر وأقوى وقعاً من صعقة النكبة وعنتريات النكسة وحروب العرب الخاسرة، التي يحاول البعض وصمها بالانتصارات.
جيل الإنترنت الواعد الذي استنشق رياح الخلاص من كل المكابح والجوامح والضوابط، سيعيش عزلةً متجددة وهو يرى معاقل العالم العربي تتهاوى واحدة تلو الأخرى. فتضرب غزة ولا من مكبرٍ للصوت يتيم يعمل في عاصمة عربية فيستنكر قتل الأهل والأطفال والنساء.
هكذا هو المشهد ببساطته: عالم يقتل وعالم صامت وجيل لن يرى نفسه إلا مراوحاً ما بين الحاقد والناقد والقاعد.
رحم الله الأمة العربية يوم كانت خيولها سوية وعقولها نقية وفيها خير الحمًيّة.. وتاريخٌ لا تكفيه حتى التحية.

٭كاتب فلسطيني

د. صبري صيدم

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية