■ الظاهرة اللافتة في تونس هذه الأيام هي الإقبال الضعيف للمواطنين على التسجيل في الانتخابات التي ستجرى نهاية هذا العام، بداية من شهر أكتوبر/تشرين الاول (دورة للانتخابات التشريعية ودورتان للانتخابات الرئاسية). فبخلاف انتخابات 23 أكتوبر 2011، التي تم اعتبارها أول انتخابات حرة ونزيهة وشفافة في تاريخ البلاد التونسية، والتي تلت انهيار نظام بن علي، وشهدت إقبالا كثيفا من الناخبين على صناديق الاقتراع، يبدو أن هذا الاستحقاق السياسي المنتظر لا يحظى بالمتابعة اللازمة من المواطن التونسي، الذي أصبح في شبه قطيعة مع الشأن العام. ويعود أحد أهم أسباب هذا العزوف إلى فقدان الثقة في الطبقة السياسية موالاة ومعارضة، وحتى في حكومة التكنوقراط المحايدة التي «تصرف الأعمال» في الوقت الراهن. فبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على الإطاحة بنظام بن علي، لم يتحقق شيء من أهداف هذا التغيير الذي هز تونس والعالم. فنسبة البطالة زادت وأعداد الفقراء في ارتفاع، وتصنيف البلاد الإئتماني تراجع وبرامج التنمية والمشاريع الاستثمارية غائبة، والبلاد شبه مقفرة من السائحين والزائرين والمستثمرين الأجانب، والإنتاج كما التصدير في تراجع، والإرهاب استشرى وأصاب البلاد في مقتل وبات معه تأبين الجنود التونسيين ضحايا هذا الإرهاب من قبل رئيس البلاد المفدى حدثا اعتياديا لا يحرك المشاعر كما كان في السابق.
وحتى ما تم إنجازه في إطار توافقات الحوار الوطني، أي الدستور «التقدمي» والمواعيد الانتخابية، فإنه لا يكاد يعني شيئا لبسطاء القوم من عموم المواطنين. فاستطلاعات الرأي المجراة من قبل أكثر من جهة، تؤكد على أن الهم الرئيسي لهؤلاء هو التشغيل وتحسين الوضع المعيشي، سواء حصل هذا مع نظام ديمقراطي يحترم الحريات ويضمن التداول السلمي على السلطة، أو في ظل مستبد عادل يحتكر الحياة السياسية ويؤبد حكمه. فالأمر سيان بالنسبة للتونسيين الذين بدأ بعضهم يحن إلى عهود الاستبداد، ولا يخجل من المجاهرة بذلك في بعض المنابر، خصوصا في مواقع التواصل الاجتماعي.
وحتى مكسب حرية التعبير الذي بات واقعا معيشا في تونس، وأصبح بموجبه لا أحد فوق النقد، بما في ذلك رئيس الجمهورية، فقد استفادت منه النخبة بالدرجة الأولى، خصوصا الساسة والإعلاميين ومنظمات المجتمع المدني التي تكاثر عددها بعد صدور المرسوم عدد 88 لسنة 2011 المؤرخ في 24 سبتمبر/ايلول 2011 خلال رئاسة الباجي قائد السبسي للحكومة. فقد ألغى هذا المرسوم رخصة وزير الداخلية عند الرغبة في تأسيس جمعية، واقتصر الأمر على إعلام الكاتب العام للحكومة بوجودها مع القيام بالإشهار بالجريدة الرسمية.
ولعل الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها حكومة التكنوقراط الحاكمة في تونس برئاسة المهدي جمعة زادت الطين بلة. ففي إطار قانون المالية التكميلي تم استحداث أداءات جديدة والترفيع في أخرى كانت قائمة، زادت من التضييق على معيشة التونسي واستهدفت الطبقة الوسطى بالأساس. فقد استُحدث على سبيل المثال طابع جبائي قيمته ثلاثون دينارا بعنوان ضريبة على الزواج، كما أن المغادرين للتراب التونسي من غير المقيمين، أصبح لزاما عليهم اقتناء طابع جبائي يضمن بجواز السفر شأنهم شأن التونسيين المقيمين، كما تم الترفيع في سعر البنزين، ومن المتوقع أن تشن الدولة حملة قريبة لمجابهة ظاهرة التهرب الضريبي من قبل أصحاب المهن الحرة، الأطباء، المحامين….
وبالتالي فإن حكومة التكنوقراط التي أتت بها طاولة الحوار الوطني، ومن خلال جملة هذه الإجراءات، أظهرت عجزا على تجاوز الأزمة الاقتصادية من دون التضييق على معيشة التونسي، وهو ما زاد على ما يبدو من نفور المواطن من طبقته السياسية، خاصة أن هذه الزيادات تزامنت مع الحديث عن عزم نواب المجلس الوطني التأسيسي أن يصرفوا لأنفسهم منحة بمناسبة نهاية مهامهم تقدر باثنين وعشرين ألف دينار لكل نائب. المواطن البسيط في تونس يشعر بالضيم وبأنه من يدفع ثمن أخطاء السياسيين الذين قادوا البلاد إلى «شفا جرف هار»، بما أن الوزراء والنواب وكتاب الدولة ورئيس البلاد يتمتعون بأجورهم كاملة، ولم ينخرطوا في سياسية تقشفية لإنقاذ البلاد يبادرون فيها إلى تخفيض رواتبهم. كما أن هذه الزيادات تزامنت مع جولة افريقية للرئيس بمعية طاقم كبير العدد قيل الكثير عن المبالغ المالية التي صرفت فيها بالعملة الصعبة من مدخرات البنك المركزي التونسي.
ولعل ما يبعث أيضا على هذا اليأس لدى شرائح واسعة من عموم الشعب التونسي أن النخبة السياسية الحاكمة الجديدة توسم فيها أغلب التونسيين الخير في ما سبق، باعتبارها قارعت النظام المطاح به، وبشرت بعالم جديد يعم فيه العدل والرخاء ويقطع مع السيئ في المنظومة السابق. لكن شيئا من ذلك لم يحصل، وفقد كثير من هؤلاء العذرية التي اكتسبوها خلال «سنوات الجمر» وتساوى عدد منهم مع جلاديهم السابقين في أذهان الكثيرين الذين لم يلحظوا فروقا بين ما كان سائدا وبين الوضع الحالي، بل ان مكاسب عديدة لدولة الاستقلال ظن التونسيون أنها من المسلمات كانت قاب قوسين أو أدنى من الاندثار.
كما أن هناك شعورا لدى الكثيرين بأن نتائج الانتخابات ستكون محسومة سلفا، وأن هناك لاعبين أساسيين سيكون لهما نصيب الأسد في كعكعة الحكم القادمة، وهما حركتا النهضة ونداء تونس، فيما البقية مجرد ديكورات سترجح كفة هذا الطرف أو ذاك. وإذا اتفقت الأطراف جميعا على تقاسم الحكم وتشكيل حكومة وحدة وطنية، مثلما يتحدث البعض في الكواليس، فإن خطرعودة الاستبداد سيكون قائما باعتبار غياب الطرف المعارض الذي سيراقب حيف الجهة الحاكمة وينتقد هناتها ويحثها على الإصلاح.
وإذا أضفنا إلى هذه الأسباب جميعا غياب الديمقراطية داخل الأحزاب السياسية التونسية، حيث لم تعرف أغلبها ومنذ تأسيسها غير رئيس «واحد أحد»، بما في ذلك حديثة العهد منها، التي يخشى قادتها إجراء مؤتمر خوفا على مواقعهم، فإن السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان، كيف ستتمكن أحزاب غير ديمقراطية من بناء نظام ديمقراطي يحترم التداول السلمي على السلطة؟ ألم يكن من الأجدى بهذه الأحزاب إصلاح البيت الداخلي قبل التفكير في خوض غمار الانتخابات الوطنية؟ وهل يلام التونسيون على عزوفهم على التسجيل في الانتخابات في ظل هذه المعطيات؟
٭ مدير المعهد العربي للديمقراطية ـ تونس
ماجد البرهومي