حاجبا أحمد منصور.. لماذا توقفا عن الرقص؟ تداعيات حلقة اسانج والقصف البصري على الأردن

حجم الخط
0

بسام بدارين

المذيع المصري الشهير أحمد منصور متهم في الأردن بتهمة غريبة اسمها إخفاء الجح مع سبق الإصرار والترصد، فالرجل (جحيح) حسب اللفظ الشعبي الدارج.

ومنصور لا يحبه المسؤولون في عمان، رغم ان بين كل جحيح وجحيح في شوارع عاصمتنا الجميلة يمكنك مصادفة جحيح أصلي أو تايواني من اهل البلد. وجح يجح تعبير يمكن صرفه لأي نظرة ثاقبة او متطفلة او موغلة في التعمق او لتلك النظرة التي يرافقها بالعادة شرار متطاير مع متطلبات الاستنكار والتحذير بالبصر، وهي ظاهرة معروفة في عيني منصور لكنه حجبها قصدا مؤخرا.

ويبدو ان رجال الأمن في العالم العربي هم الأكثر تدربا على ملكة (الجح) فقد جحني بقسوة موظف كاونتر العبور في مطار الملكة علياء الدولي عندما ابتسمت له وقلت: يعطيكم العافية.. صاحبنا ارتاب بالتحية والابتسامة فأطلق سهام نظرته الحادة باتجاهي وزجرني آمرا بأن أعود للخط الأصفر على بعد خطوات من الكاونتر.

طبعا عدت بهدوء رغم اني اكتشفت عندما نظرت للأسفل بأن قدمي كانتا أصلا بعد الخط الأصفر.. قلت بنعومة: يا أستاذ انا أقف فعلا خلف الخط الأصفر فرد بعصبية: أولا انا مش أستاذ.. ثانيا لن تعبر وارجع خلف الصف تماما.

بطبيعة الحال تأخرت لمدة ساعة بسبب التحية السمجة التي أرسلتها لرجل الأمن، لكن لي تجربة أكثر حلاوة مع نظرات (الجح) إياها فقد استدعيت بأمر سريع لمقر الجهاز الأمني ووجدت نفسي خلال دقائق أمام رجل عملاق طويل القامة تتراقص عيناه حولي ويقصفني بتلك النظرات الحادة الجاحة.

سرعان ما اكتشفت بأني أقف دفعة واحدة امام المدير الأمني شخصيا الجنرال سعد خير – رحمه الله – وقفت كالتلميذ المؤدب على الباب.. استمر قصف العيون وقياسي من الأعلى للأسفل.. سألت هل أجلس يا باشا؟ بقي الرجل صامتا.. تقدمت عدة خطوات وبقيت تلك النظرات متواصلة فبادرت حتى أكسر عنف اللحظة قائلا: لدي رجاء يا باشا قبل كل شيء فأنا لا أستحق إطلاقا أن تهتم شخصيا باستدعائي لإشغال وقتك الثمين مهما كان الأمر، فأي رسالة كان يمكن إيصالها عبر الشباب.. استمر الرجل بالصمت فأضفت: أرجوك باشا هل يمكنك إيقاف هذه النظرة المرعبة التي تدربتم عليها لسنوات ثم قلت: بلاش جح باشا الله يطول عمرك.

ظهرت ابتسامه خفيفة على وجه الرجل حاول إخفاءها بسرعة قائلا: ألا يكفي البلاوي التي تكتبها عن البلد.. كمان بتخفف دمك.

طبعا لا أريد الخوض بتفاصيل هذا الاستدعاء فإدارة ‘القدس العربي’ تعرف القصة وكذلك عشرات المسؤولين، لكن لابد من العودة لصاحبنا أحمد منصور، فالمتربصون بكل ما يبثه فضاء الجزيرة يسقطون من الحساب الإمكانات المهنية عند زميلنا المصري ويركزون فقط على (جحته) المتميزة بالضيوف، حيث يتراقص حاجباه قليلا ويتمايل جفناه ويقصف ضيفه بنظرات استنكارية تتطلبها أحيانا الضرورة المهنية.

وسر الحديث عن جحيح أحمد منصور هو ما يلي: لاحظ أحد جهابذة السياسة والإعلام في الأردن ان منصور وفي حلقته الأخيرة تجنب (الجح) خلافا للعادة أمام ضيفه مؤسس عاصفة ويكيليكس اسانج.

ثمة استنتاج عبقري من وراء هذا الفاصل الإعلاني وهو أن اسانج ومنصور شريكان إذا في مؤامرة واحدة اسمها ويكيليكس، بدليل ان الحلقة كانت خالية تماما من الجح، مما يعني تباعا ان ويكيليكس مؤامرة إسرائيلية خالصة ونقية على أساس ان حديث اسانج عبر الجزيرة عن 6000 وثيقة لم ينشرها بعد وتخص إسرائيل، شكل من أشكال التضليل والتورية.

وزير بارز وطازج في الحكومة طرح سؤالا على أحد زملائه باللغة العامية: يعني معقول صاحبنا أسانج قرأ الوثائق وعرف إنها ضد إسرائيل وصنفها وحفظ عددها.. والله تخنوها الجماعة في الجزيرة؟ الأسبوع الماضي في عمان سهرت صالونات النخبة على سيرة المذيع أحمد منصور وحلقة اسانج.. بعض الآراء وعبر فضائية محلية تستهدفها السلطات بالمراقبة قالت بان ويكيليكس له هدف حصري وواحد وهو إلهاء الناس عن وفاة مشروع الدولتين، والاستعداد الكوني لحلقة الضغط على الأردن لكي يقبل بحل القضية الفلسطينية على حسابه.

هذا الكلام له عمليا معنى واحد فقط وهو ان ويكيليكس صنع خصيصا لإستهداف الأردن في المحصلة وليس أكثر من ذلك.. الدليل الوحيد المتداول لإثبات هذه النظرية المثيرة للشفقة هو امتناع أحمد منصور عن عاداته البصرية المألوفة في برنامج (بلا حدود) والمتمثلة بترقيص الحاجبين واللعب ببؤبؤي العينين وتحريك الرموش.

بمعنى آخر توقف ملكة (الجح) عند أحمد منصور.. من حقنا كشعوب عربية تواجه أمتنا تحديا مصيريا ان نعرف وبصورة واضحة لماذا امتنع منصور عن الجح عندما استضاف الجاسوس أسانج، حيث ترافق ذلك من مساعدة مهمة قدمها الأول للثاني عندما طرح عليه أسئلة محددة تبرئ ساحته من العمالة للموساد.

ولان الساحة الأردنية ومن بعدها العربية انشغلت في تفكيك أسرار استضافة منصور لأسانج، شعر أحد الزملاء الصحافيين في الأردن ببعض القهر فكتب ما يلي:

الأردن مستهدف.. لا شكوك.. ثمة مؤامرة إسرائيلية أمريكية.. لا ريب.. مباريات كرة القدم كشفت ‘هشاشة’ وضعنا الداخلي.. قد يكون ذلك صحيحا.. واشنطن تخطط لإبقائنا على الحافة اقتصاديا.. طبعا.. الأخوة الأشقاء يخذلوننا أحيانا ويشاركون في التآمر علينا ولا يقدمون الحد الأدنى بدل الحفاظ على أمنهم.. لا مجال لإنكار ذلك.

الجزيرة تتسلى أحيانا بكشف بعض عوراتنا.. بوضوح.. النظام المصري خرب لبنان وفكك السودان ودمر العراق ويمكنه في أي لحظة التآمر علينا.. واقع لا يمكن نكرانه.

وأكمل زميلنا المقهور: اتفاقية وادي عربة كانت إنجازا وتحولت إلى مجرد رهان سياسي قد يفشل أو حتى يفشل عمليا الان.. كلام فيه الكثير من الدقة، ويكيليكس مبرمج وأسانج فتى الظلام جاسوس للموساد والهدف النهائي لعاصفة التسريبات الكونية (إخضاع) بلدنا.. لم لا فذلك احتمال؟.. كل ذلك صحيح او نصف صحيح أو أكثر من صحيح لكن سؤالي البريء جدا ـ يشهد الله- ماذا نحن فاعلون؟.. وهل نتصدى لغابة المؤامرات هذه بالفريق النخبوي (التنفيذي) والسياسي والبيروقراطي والإعلامي والدبلوماسي الذي يقودنا حاليا؟… إسمحوا لي أن أقول ببساطة وصراحة إذا كانت الإجابة بنعم أو بـ(لم لا): هذه مزحة!

مراسل ‘القدس العربي’ في الاردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية