تونس – “القدس العربي”:حاول الإعلام الرياضي في تونس إظهار الترجي الرياضي التونسي بمظهر الموحد للتونسيين بمختلف إنتماءاتهم الرياضية في مباراته الأخيرة أمام الأهلي المصري في اياب الدور النهائي لدوري أبطال إفريقيا. وتم التركيز في هذا الإطار على إبراز صورة لأربعة أو خمسة من المحبين يرتدون أزياء أندية تونسية أخرى حضروا بملعب “رادس” لتشجيع الترجي للفوز بأمجد الكؤوس الإفريقية والتأهل لكأس العالم للأندية، وبدا وكأن الجميع يقف خلف الترجي إعلاء للراية الوطنية.
وساهم فوز الترجي بالكأس الإفريقية في التغطية على الحقيقة التي مفادها أن أغلب مشجعي الأندية التونسية المنافسة للترجي كانوا يتمنون هزيمة الترجيين وخسارتهم للكأس وحرمانهم من المشاركة في بطولة العالم للأندية. ويؤكد العارفون بشؤون الكرة في تونس أنه لو انهزم الترجي لخرج الكثير من جماهير النجم الساحلي والنادي الإفريقي للإحتفال مثلما جرت العادة منذ أن خسر الترجي سنة 1999 على أرضه بالملعب الأولمبي بالمنزه بطولة إفريقية كانت في المتناول أمام الرجاء البيضاوي.
وكان الترجي في تلك الأيام الخوالي غولا مهابا بكل ما للكلمة من معنى، رشحه الجميع للهيمنة على الكرة الإفريقية لسنوات بعد أن فاز بكل الألقاب الممكنة إفريقيا، وهي كأس الأندية الإفريقية أبطال الدوري، وكأس الكؤوس الإفريقية، وكأس الكاف، والكأس الإفريقية الممتازة أو السوبر الإفريقي، والكأس الأفرو-آسيوية التي كانت تجمع في السابق بطلي إفريقيا وآسيا. لكن الترجي خسر اللقب الإفريقي الأغلى بطريقة غريبة في ذلك النهائي، وفي شهر رمضان وقبيل الإفطار بلحظات، تفاجأ التونسيون بجماهير الأندية التونسية المنافسة تخرج بعد صلاة المغرب إلى الشوارع للإحتفال بهزيمة الترجي رغم برودة الطقس ورغم صيام شهر رمضان، وأرجع البعض، من هذه الجماهير الشامتة وعلى سبيل المزح، الهزيمة إلى الشهر الحرام الذي يصعب الإنتصار فيه على غير “الأخيار”. ومنذ ذلك التاريخ وعدد كبير من جماهير الترجي ترد الفعل وتسعد بدورها كلما انهزم النجم الساحلي في المسابقات الإفريقية والعربية، وتتمنى انتصار منافسيه أيا كانت جنسياتهم، وترد جماهير النجم الفعل وتسعد مع جماهير النادي الإفريقي كلما انهزم الترجي وهكذا دواليك. حتى أن أحد الترجيين و من باب التندر والسخرية اعتبر أن أكثر الجماهير تغييرا لولاءاتها في تونس هذا الموسم هي جماهير النادي الإفريقي التي تحدد انتماءها بحسب منافس الترجي، فهي تارة أنغولية وتارة مصرية، وإذا تطلب الأمر أن تكون كونغولية فستكون فقط يكفي ان ينافس الترجي ناديا كونغوليا.
ولعل تهشيم أحدهم مؤخرا، بمنطقة القنطاوي من ولاية سوسة معقل النجم الساحلي، لإحدى المعلقات الإعلانية التابعة لشركة اتصالات تونسية كتب عليها أن “الترجي يسعدنا”، باعتبار أن الشركة لديها عقد إشهاري مع الترجي، يقيم الدليل على مدى الحقد الذي بات يملأ قلوب أحباء الرياضة في تونس. إذ يبدو أن هؤلاء الذين أزالوا المعلقة الإعلانية غير سعداء بفوز الترجي بالبطولة الإفريقية، مثلما لم يسعد أحباء الترجي بفوز النجم بهذه البطولة سنة 2008 في القاهرة وضد نفس المنافس أي الأهلي المصري.
وللإشارة فإن حادثة أليمة حصلت منذ سنوات تسببت فيها جماهير الناديين، زادت الطين بلة في سوء العلاقة بين ترجي العاصمة ونجم جوهرة الساحل، مدينة سوسة. فقد التقت جماهير الترجي العائدة من مدينة المنستير إلى العاصمة بجماهير النجم العائدة من العاصمة إلى مدينة سوسة في نقطة استخلاص على الطريق (الأوتوستراد)، وحصل بينهما ما يندى له الجبين، إذ تحولت نقطة الإستخلاص المخصصة لدفع ثمن الإنتفاع بخدمات “الأوتوستراد”، و قبل وصول عناصر الأمن، إلى ساحة وغي، بكل ما للكلمة من معنى تصارع فيها أحباء الناديين بكل “الأسلحة” المتاحة من هراوات وحجارة وقضبان حديدية وغيرها، واشتبكت الأيادي والأرجل و تم ترويع المواطنين المارين في الإتجاهين و الذين أصيبوا بالذعر والهلع. ولعل السؤال الذي يطرح هو ذلك المتعلق بأسباب انتشار ونمو هذه الظاهرة التي تجعل مواطنين حاملين لجنسية بلد يتمنون الهزيمة لمن يمثل بلدهم ويسعى لرفع رايته عاليا، وهي ظاهرة يبدو أنها منتشرة في بلدان أخرى، وليس فقط في تونس. هل هي الأحقاد والأجواء المتعفنة في علاقة الأندية وجماهيرها ببعضها البعض على غرار العلاقة السيئة بين الترجي والنجم من جهة، وبين الترجي والإفريقي من جهة أخرى؟ أم هي المنافسة الشرسة على الزعامة و الهيمنة على الألقاب و سعي كل ناد من هذه الأندية ليكون الأكثر تتويجا و يحتل الصدارة؟ أم أن الأمر يتعلق بانعدام الوطنية وغياب الشعور بالإنتساب إلى الوطن وتغليب الإنتماء إلى النادي على ما سواه؟
فعلا إنها ظاهرة غريبة تسترعي الإنتباه والتدبر والبحث وسبر الأغوار من أهل الإختصاص، فالأمر عصي على فهم وإدراك من نشأ ونما وترعرع على حب الوطن والإنتصار له في شتى المحافل، خاصة وأن الأمر لم يعد يقتصر على الجماهير حيث انتقلت العدوى إلى قدماء اللاعبين الذين عبر اثنين من كبارهم لعبا لصالح المنتخب التونسي لسنوات واحترفا اللعب في أوروبا عن عدم فرحتهما بفوز الترجي بالبطولة الإفريقية باعتبار وأن الاول هو ابن النادي الرياضي الصفاقسي والثاني نشأ وترعرع في النجم الرياضي الساحلي.