شخصان معروفان من القدس، ولدا وترعرعا ويعيشان اليوم أيضاً في المدينة، هما المسؤولان المباشران عن هبوط المدينة في المقياس الاجتماعي ـ الاقتصادي. في السنوات العشر الأخيرة، تولى نير بركات رئاسة بلدية القدس. وإذا بحثنا عن المسؤول عن وضع المدينة فإنه هو الذي يشكل العنوان الأول. في السنوات التسع الأخيرة تولى بنيامين نتنياهو رئاسة الحكومة. وإذا بحثنا عن العنوان الثاني المسؤول عن وضع المدينة فهو موجود في شارع بلفور في المدينة. ولو بسبب عدد المرات التي طرح فيها نتنياهو القدس على رأس الأولويات في خطاباته السياسية.
حظيت القدس في ولاية الحكومة الحالية بنقل السفارة الأمريكية اليها، كما حظيت بأن سباق الدراجات الرياضي سيمر في المدينة. ميري ريغف ناضلت من أجل استضافة منتخب الأرجنتين على ستاد تيدي لكرة القدم وحاولت جعل الاوروفزيون يقام أيضاً على أرضها. ولكن خلافاً لكل هذه الرموز فإن الحكومة الحالية لم تنجح في جعل مستوى حياة سكان المدينة يقترب من المتوسط القطري. المقدسيون يمكنهم اليوم الحصول على تأشيرة للولايات المتحدة بسهولة، ولكن تصنيف مكتب الإحصاء المركزي يدل على أنه لا يوجد معنى لهذا الخيار لغالبيتهم الساحقة.
في شهر كانون الأول الماضي اضطر موظفو وزارة المالية الذين جاءوا إلى وزارتهم إلى مواجهة واقع إشكالي. شاحنات قمامة البلدية ألقت القمامة التي جمعتها إلى الساحة التي فيها وزارة المالية، والعمال اضطروا إلى البحث عن طرق بديلة من أجل الوصول إلى مكان عملهم. هذا كان ذروة صراع طويل بين رئيس البلدية نير بركات ووزير المالية موشيه كحلون حول حجم المنحة التي ستحصل عليها العاصمة إضافة إلى ميزانيتها.
هذه المنحة تعبر أكثر من أي شيء آخر عن مقاربة البلدية التي يعد وضع مدينة القدس بحسبها قدراً ديمغرافياً. هذه المقاربة تفيد بأنه طالما أن نسبة الأصوليين والعرب في أوساط سكان المدينة في ازدياد، فإن كل ما بقي لنا هو أن نصب في كل سنة الأموال على المدينة. على المستوى الوطني وضع المدينة يعبر عن عجز الحكومة في مواجهة ضعف هذين القطاعين وتأثير ذلك على كل الدولة. في فحص النتائج تبن أن البلدية فشلت في تحسين الوضع الاقتصادي لسكان شرق القدس والسكان الأصوليين في المدينة.
القدس تتدهور
«هذا فشل لكل حكومات إسرائيل»، كما وصف مصدر سياسي، «معسكر اليسار لم يرغب في الاستثمار في شرق القدس، لأنه في الأصل بعد قليل سيقوم بإعادتها. ومعسكر اليمين لم يرغب في ذلك لأنه: لماذا ينشغل بالعرب؟».
الملاعب لن تنقذ الوضع
الطريق نحو التغيير غير معقدة، فهي تمر في استثمارات كبيرة في التجارة والتعليم والتشغيل في الأجزاء الضعيفة للمدينة ـ في الأحياء الأصولية والعربية. في فحص النتيجة البلدية في فترة ولاية بركات لم تكرس لهذا الأمر ما يكفي من الاهتمام. صحيح أن البلدية حتى الآن تجد صعوبة في عرض معطيات تدل على أي جزء من الميزانية موجه للأحياء الفقيرة في المدينة. وإن ضع أحياء مثل رحافيا وعين كارم ممتاز، وهكذا أيضاً الخدمات الحكومية التي تحصل عليها. الاستثمارات الرمزية في الملاعب وفي المجمعات التجارية الجذابة في ثلث المدينة العلماني ليست هي التي ستنقذها من هذا الوضع.
الحكومة قررت قبل ستة أشهر استثمار 2 مليار شيكل خلال خمس سنوات في شرق المدينة
إن غياب هذه الاستثمارات ينبع من دوافع سياسية. العرب في شرق المدينة يواصلون مقاطعة الانتخابات البلدية، وبناء على ذلك هم لا يحصلون على معاملة جيدة من المنتخبين الذين لا يجدون فيهم أمراً انتخابياً. الأصوليون يصوتون فعلياً، ولكنهم يفعلون ذلك بشكل حزبي حسب تعليمات الحاخامات. وهؤلاء من ناحيتهم يعطون الأوامر على قاعدة صفقات سياسية، ووفقاً للميزانيات التي تضخ للمراكز الدينية وتعليم التوراة. لا يوجد أي سياسي يمكنه الاعتماد على الحصول على الأصوات من هذا القطاع إذا نجح في رفع نسبة التشغيل وجعل النساء يخرجن للعمل. ورغم ذلك، في شهر أيار الماضي صوتت الحكومة الإسرائيلية لصالح اقتراح قانون «متخذي القرارات» لوزير القدس والتراث زئيف الكين بنقل نحو 2 مليار شيكل لشرق القدس بين الأعوام 2018 ـ 2023. نصف هذا المبلغ مخصص للبنى التحتية والنصف الآخر للنشاطات الجارية في مجال التعليم والرفاه والتشغيل. نتيجة هذه الاستثمارات سنشاهدها في معطيات مكتب الإحصاء المركزي التي ستنشر بعد خمس سنوات فقط في أفضل الحالات. المعطيات الحالية تعبر عن الإهمال الذي وجد حتى الآن.
التغيير يجب أن يبدأ في القدس
الكين الذي تنافس على رئاسة البلدية في الحملة الانتخابية، طرح في حملته برنامج تطوير اقتصادي مسرع للأقسام الأصولية والعربية في المدينة. «في نهاية المطاف فإن الحديث لا يدور عن سوق حرة، بل عن مسألة تخطيطية يجب أن تقوم بها البلدية. الحكومة مررت قبل بضعة أشهر قراراً حكومياً كبيراً، وهو الأول بهذا الحجم الذي اتخذ في الخمسين سنة الأخيرة. وفي المجتمع الأصولي أيضاً هناك نشاط مكثف اليوم في محاولة لتشجيع التعليم والتشغيل. النتيجة سنراها بعد خمس سنوات. الآن نرى نتائج غياب قرارات كهذه في السنوات السابقة. إذا أردنا تغيير وضع المدينة يجب تشجيع المدينة الأصولية والمدينة العربية التي تقع في داخلها»، قال الكين في محادثة مع «هآرتس/ ذي ماركر» أمس. إذا أخذنا في الحسبان عمق الفجوات فلا يكفي مخطط كهذا. سيكون لزاماً على حكومة إسرائيل أن تتخلص من الخوف من الاستثمار الكثيف في الأحياء العربية والأصولية وأن تجد وسيلة لتطويرها اقتصادية. الاستثمار يجب أن يكون داخل الأحياء نظراً لطابع السكان الذين يعيشون فيها. وطالما أن المناطق الصناعية والتجارية لن تكون داخل أو قرب هذه الأحياء فإن النساء اللواتي يعشن فيها لن يخرجن إلى العمل، بسبب العقبات الثقافية التي تمنعهن من ذلك. نسبة النساء العاملات في أوساط السكان العرب في شرق القدس منخفضة أيضاً مقارنة مع النسبة في المجتمعات العربية الأخرى.
على مستوى الميزانيات فإن الحديث يدور عن بيضة ودجاجة. وفي اللحظة التي سيكون فيها استثمار في مناطق التشغيل والتجارة في هذه الأحياء فإن مبلغ الأرنونا التجارية التي تدرها سيزداد. الدائرة السحرية التي سجن فيها المجتمع العربي والمجتمع الحريدي يجب أن تكسر في العاصمة.
حجاي عميت
هآرتس/ ذي ماركر 29/11/2018