هي مدينة النواعير، وعروسٌ على ضفاف العاصي، مدينة أبي الفداء التي كانت حاضرةً مع التاريخ، ولم تنضب حكاياتها إلى اليوم، وإن كانت تحمل في جعبتها جراحاً لم تلتئم بعد. هي مدينة حماة، رابع المدن السورية أهميةً وسكاناً، ولها غنى السوريون في ثورتهم “يا حماة سامحينا”.
تقع المدينة على نهر العاصي، بارتفاع 270 متراً عن سطح البحر، وتفصلها عن العاصمة دمشق جنوباً 210 كم، وعن مدينة حلب شمالاً 135 كم، ويسكنها على الأقل 900 ألف نسمة حسب إحصائيات عام 2010، ومن المتوقع أن تعداد سكانها وصل الآن حسب تقديراتٍ مختلفة إلى مليون ونصف تقريباً بعد نزوح العديد من السوريين إليها أثناء الحرب. وتعتبر مدينة حماة مركز المحافظة، والتي تتضمن مدناً عديدة منها السلمية وصوران ومحردة ومصياف وطيبة الإمام، والسقيلبية وغيرها.
تعد سمة المدينة الرئيسية هي النواعير، والتي عاصرت كالعديد من حجارة المدينة تغيرات وتحولاتٍ في السلاطين والحكام، وأحداث دامية، من أشهرها مجزرة حماة عام 1982.
ويصفها الرحالة ابن جبير الأندلسي: “هي مدينة شهيرة في البلدان، قديمة الصحبة للزمان حتى إذا جست خلالها ونفرت ظلالها أبصرت بشرقيها نهرا كبيرا تتسع في تدفقه أساليبه وتتناظر في شطه دواليبه وقد انتظمت طرفيه بساتين تتهدل أغصانها عليه”.
وعنها يقول ياقوت الحموي في معجم البلدان: “مدينة كبيرة عظيمة، كثيرة الخيرات، رخيصة الأسعار، واسعة الرقعة، حفلة الأسواق، يحيط بها سور محكم، وبظاهر السور حاضر كبير جداً، فيه أسواق كثيرة، وجامع مفرد مشرف على نهرها المعروف بالعاصي، عليه عدة نواعير تستقي الماء من العاصي، فتسقي بساتينها وتصب إلى بركة جامعها، ويقال لهذا الحاضر السوق الأسفل لأنه منحط عن المدينة. ويسمون المسور السوق الأعلى، في طرف المدينة قلعة عظيمة عجيبة في حصنها، وإتقان عمارتها، وحفر خندقها نحو مائة ذراع وأكثر للملك المنصور محمد بن تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، وهي مدينة قديمة جاهلية”.
ذكرها امرؤ القيس في شعره فقال:
تَقطعَ أسبابُ اللبانة والهوى عشية جاوزنا حماة وشيزرا
بسير يضج العودُ منه يمنًهُ أخو الجهد، لا يلوي على من تعذرا.
تسميتها
عُرِفت حماة في القدم باسم إيماتا، أما اسمها المعروف اليوم حماة، فقد أتى من كلمة حّمّث في الكنعانية والآرامية ومعناها الحصن، وهو الاسم الذي ورد في التوراة، وذلك نسبةً للحصن الموجود فيها، وثم سميت أبيفانيا في العصر الهلنستي نسبة إلى الملك السلوقي أنطيوخوس أبيفانيوس وعرفت بهذا الاسم حتى العصر الروماني حين عاد اسمها القديم ولُقِّبَت بمدينة أبي الفداء.
تاريخياً
سكن الإنسان القديم موقع مدينة حماة منذ العصر الحجري الأول، بدلالة عدد من الاكتشافات الأركيولوجية في منطقة وادي العاصي الأوسط، وبعضها يعود إلى ما قبل 200 ألف سنة.
ويعتقد أن أوائل الحضارات كانت بالهجرة الكبيرة من الجزيرة العربية إثر الجفاف في العصر الحديث، حيث قصد الناس مناطق الأنهار الكبرى، ومن بينها نهر العاصي. ومن أقدم الهجرات التي تتحدث عنها النصوص المكتوبة، هجرة الأكاديين إلى بلاد الرافدين في الألف الرابعة ق.م، علماً أن بداية حضارة شمال سوريا قد سبقت عهد سرجون الأكادي وتلاشت بدمار حماة وإيبلا، وهجرة الأموريين إلى سوريا وبلاد الرافدين خلال منتصف الألف الثالثة ق.م حيث استوطن من هاجر منهم إلى سوريا في ضفاف العاصي.
“صارت حماة مدينة مسورة في بداية الألف الثالثة ق.م وتدل الآثار المكتشفة للفترة الواقعة بين 3000- 2400 ق.م على المهارة الصناعية. كما تظهر الآثار التي كانت مستخدمة في الزراعة أنهم مارسوا أعمال الري لسقاية المزروعات وأظهرت مكتشفات قلعة حماة وبقايا أثرية أظهرت وجود مخطط لمدينة حماة مكتظة نسبياً وكتلاً تعود لمنازل منتشرة على جانبي الأزقة والشوارع” حسب ما ذكر لطفي فؤاد لطفي في كتابه دراسة تاريخية لتطور مدينة حماة المعماري والعمراني.
تعاقبت ممالك عدة على حماة في العصور القديمة، حيث كانت من المدن الكنعانية، وسيطر عليها الحيثيون فترة من الزمن وفي عام 1700 قبل الميلاد نشب صراع بين الفراعنة المصريين والممالك السورية الحيثية استمر 15 عاماً، استطاع الفراعنة حينها بسط ذراعهم على حماة، وإن انتهت المعارك بصلحٍ بين الحيثين والمصريين بزواج الملك رعمسيس من ابنة أحد الملوك الحيثيين. كما أصبحت حماة في إحدى الفترات مملكة آرامية وصلت حدودها إلى سراقب (في إدلب اليوم) شمالاً، وإلى منابع العاصي جنوباً (في لبنان حالياً). وتنقلت ما بين الآشوريين والآراميين بين عامي 1094 و661 ق.م.
حوالي عام 330 ق.م بدأت الدولة السلوقية، باستيلاء الاسكندر المقدوني على سوريا ومنها حماة، حيث بنى ملك البلاد السورية سلوقس عدداً من المدن الكبرى من بينها أفاميا التي أسماها نسبةً إلى زوجته الفارسية.
وفي هذا العصر أمر الملك ببناء قلعة حماة على شكل قلعة حلب، حيث بني باب القلعة بحجارة عظيمة على خمسة جسور مرتفعة فوق خندق، وفي الداخل دار الحكومة، ومحل للذخائر، وأبنية عظمية وبيوت للسكن، يحيط بها سور عظيم مرتفع، وفي الجبهة القبلية حمام واسع كبير، وفي طرفها الشرقي المطل على طريق باب الجسر بئر واسع فيه ماء عذب جداً، ولها طريق تحت الأرض يصل إلى العاصي من جهة الشمال، مارأ تحت بستان الوالك، وكانت مرصوفة بالحجر الأملس من أسفل الخندق إلى حيطان السوري.
ولها خندق دائر حولها عميق جداً لا يكاد الواقف على السور يرى أسفله، ولهذا الخندق طريق إلى الماء من المكان المسمى الأن جسر الهوى في مدخل محلة باب الجسر. وتنقلت حماة بين أيدي السلوقيين والبطالمة حتى عام 146 ق.م.
انتقلت حماة بعدها إلى سيطرة الرومان الذين مدوا نفوذهم على سوريا عام 67 قبل الميلاد، إلى مطلع القرن السابع الميلادي، وشهدت المدينة حينها ازدهاراً معمارياً وزراعياً وصناعياً، واشتهرت بمعاصر الزيتون، والجسور، والأهم معلمها الرئيسي النواعير.
الحكم العباسي
انتهت فترة الحكم الروماني- البيزنطي بالفتح الإسلامي، على يد أبو عبيدة عامر بن الجراح الذي فتح حمص ثم الرستن ومن بعدها حماة، وولى على حماة الصحابي عبادة بن الصامت، وصالح أهلها على الجزية، واتخذ من كنيستها العظمى جامعاً، وبقيت أوضاع المدينة مستقرة، وفي حالةٍ من الرخاء، حتى أتى الحكم العباسي، والذي أهمل بلاد الشام بعد انتقال الخلافة من دمشق، فانحسرت العمارة وأشكال الاهتمام عن مدن كثيرة من بينها حماة، التي وصفها أحمد بن الطيب حين كان الخليفة العباسي المعتضد في البلاد الشامية عام 271 هجرية فقال (حماة قرية عليها سور حجاة وفيها بناء الحجارة واسع، والعاصي يجري أمامها ويسقي بساتينها ويدير نواعيرها”، وقال ياقوت الحموي عنها في معجم البلدان :مدينة قديمة جاهلية، في طرف المدينة قلعة عظيمة عجيبة في حصنها، وإتقان عمارتها، وحفر خندقاه وماؤه ذراع وأكثر”. بحسب كتاب تاريخ حماة لأحمد الصابوني.
بقيت حماة تتنقل باختلاف حكام سوريا، ما بين قرامطة ومماليك وصليبيين وأيوبيين ومغول وهم من قاموا بهدم القلعة، إلى أن أتت الدولة العثمانية، حيث تم إلحاقها بحمص بعد أن عانت من الدمار، ثم بدأ العثمانيون بإعادة إعمارها، وعادت المدينة إلى الازدهار لتصبح مركز الولاية وتصبح حمص ملحقةً بها، وبقيت تحت سيطرتهم حتى انهيار الإمبراطورية.
وبعد سنواتٍ قليلة انتقلت حماة إلى يد الاستعمار الفرنسي الذي كان ممتداً على طول سوريا ولبنان، وقاوم أهلها الاحتلال وشاركوا في الثورة السورية حينها.
نواعير حماة
لا يمكن ذكر مدينة حماة دون استحضار صورة النواعير الشهيرة التي بناها الرومان أثناء حكمهم للمدينة، وإن كانت بعض الدراسات التاريخية تتحدث عن وجود نواعير من زمنٍ أسبق، ومن أشهر الآثار التي أثبتت قِدم النواعير لوحة فيسفاء اكتشفت في شارع الأعمدة في مدينة أفاميا الأثرية ويعود تاريخها إلى عام 420 م، وماتزال اللوحة موجودة اليوم في متحف دمشق الوطني.
ويصفها الرحالة ابن بطوطة بقوله: “ثم سافرت إلى مدينة حماه إحدى أمهات الشام الرفيعة ومدائنها البديعة، ذات الحسن الرائق والجمال الفائق، تحفها البساتين والجنات، عليها النواعير كالأفلاك الدائرات، يشقها النهر العظيم المسمى العاصي”.
في بداية القرن العشرين كان عدد النواعير في مدينة حماة والأراضي التابعة لها 105 نواعير منها 25 داخل مدينة حماة نفسها ولم يعد يوجد اليوم من كل هذه النواعير إلا حوالي 40 ناعورة في حالة العمل منها داخل المدينة 19 ناعورة تنتظم في خمس مجموعات.
مجزرة حماة
شهدت حماة في الثاني من شباط/فبراير 1982 واحدةً من أكبر المجازر في العصر الحديث، وذلك على يد القوات العسكرية التي يقودها كل من حافظ الأسد الرئيس السوري حينها، وشقيقه رفعت الأسد والتي تضمنت سرايا الدفاع، اللواء 47/دبابات، اللواء 21/ ميكانيك، والفوج 21/ إنزال جوي (قوات خاصة)، فضلاً عن مجموعات مختلفة من المخابرات والفصائل البعثية المسلحة، الأمر الذي اعتبرته السلطات السورية حملةً عسكريةً في وجه تمرد جماعة الإخوان المسلمين، إلا أن المجزرة ضلت طي الكتمان، ولم يجرؤ الكثير من السوريون الحديث عنها إلى أن عادت أحداثها على السطح مع بداية الثورة السورية في عام 2011 بالرغم من استمرار الدولة السورية بنكرانها.
أودت هذه المجزرة بحياة عشرات الآلاف، فلم تسلم عائلة في حماة من فجيعة فقدانِ أحد أبنائها لتشكل الوعي الجمعي لأهل المدينة، ولكن أعداد الضحايا والمختفين الرسمية ما زالت غير معروفة إلى اللحظة، في حين تشير اللجنة السورية لحقوق الإنسان إلى سقوط حوالي 40 ألف قتيل، و15 ألف مفقود، وهجرة 100 ألف آخرين واستمرت المجزرة 27 يوماً، طوق خلالها النظام السوري المدينة وقصفها بالمدفعيات الثقيلة، بالإضافة إلى العديد من الشهادات التي تتحدث عن دخول القوات البرية إليها، وارتكاب المجازر بشكلٍ مباشر، من ذبح واغتصابٍ وتنكيل بالأهالي، إلى جانب هدم المدينة بشكلٍ شبه كامل، بالأخص قلب المدينة الأثري.
الثورة السورية 2011
شاركت مدينة حماة في أحداث الثورة السورية عام 2011، وخرج مئات آلاف المتظاهرين في أكبر مظاهراتٍ عرفتها البلاد، محتشدةً في ساحة العاصي، وذلك لمدة أسابيع قليلة خرجت فيها المدينة سلمياً عن سيطرة النظام السوري، حيث تشير بعض الإحصائيات إلى وصول عدد المتظاهرين إلى نصف مليون في إحدى الجمع.
لكن هذه الحالة لم تدم طويلاً، حيث عادت القوات العسكرية إلى المدينة في الأول من آب/أغسطس عام 2011 وأعادت تاريخ المجزرة للمدينة من جديد، وأحكم النظام السوري سيطرته على المدينة بعد أن استطاع قمع الاحتجاجات بالقتل والاعتقالات والترهيب.
صمتت حماة من جديد، وهي تنتظر عدالةً مات من أجلها الآباء في عهد الأسد الأب، ومات من أجلها الأبناء في عهد الأسد الابن، هي بداية الحكاية السورية المعاصرة، وبداية النزيف في مواجهة الديكتاتور منذ أربع عقود وإلى اليوم، عدالةٌ لو تحققت حينها لما دفع السوريون هذا الثمن الباهظ في سبيل الحرية!