جالِساً بيْنَ البحرِ والبناياتِ
اِسْتمتعَ برسْم بورتريه البحرِ
ولكنْ، تماما مِثلما يتخيّلُ الأطفالُ أنّ الصلاةَ
مُجرّدَ صمْتٍ، توقّعَ أن يُسْرِعَ موضوعُهُ
نحْوَ الرملِ ويُلْصِقَ، مُسْتولياً على فرشاةٍ،
بورتريهَهُ على قُماشِ اللوْحة.
لمْ يكنْ إذنْ ثمّة أيُّ ألوانٍ على لوْحتهِ أبداً
حتّى طَلبَ منهُ الناسُ الذين يسكنونَ في البناياتِ
أنْ يبدأ في العملِ: «حاوِلْ أنْ تستعملَ الفرشاةَ
كوسيلةٍ لتحقيقِ الغايةِ. اِخترْ، للبورتريه،
شيئاً أقلًّ غضباً واتِّساعاً وأكثرَ ملاءمةً
لمزاجِ ِ أوْ رُبَّما لِصَلاة.»
كيْفَ يستطيعُ أنْ يفسِّرَ لهمْ صلاتَهُ
لأَجْلِ أنْ تَسْتَوليَ الطبيعةُ رُبَّما، وليْسَ الفنّ، على اللوْحة؟
اختارَ زوجتَه لموضوعٍ جديد
وجعلَها ضخْمةً مثل بناياتٍ مخرّبة
وكأنَّ البورتريه، غيْر منتبهٍ لِما حوْلهُ،
قدْ عبّرَ عنْ نفسه دونَ فرشاةٍ.
شاعراً بتشجيع خفيفٍ غَمَسَ فرشاتَهُ
في البحْرِ، مُتمْتما بصلاةٍ خاشعة:
«روحي، عندما أرْسم البورتريه القادمَ هذا
فَلْتَكوني أنتِ مَنْ يُحطِّم اللوْحةَ»
انتشرتِ الأخبارُ مثل نارٍ في الهشيمِ في البنايات:
لقدْ عادَ إلى اتِّخاذِ البَحر كَمَوْضُوعٍ لِرَسْمِهِ.
تَخيَّلوا رسَّاما صَلبَهُ الموْضوعُ الذي يَرْسُمُهُ!
مُنْهكا إلى درجةِ أنّهُ لا يستطيعُ حتّى أنْ يرفعَ فرشاتَهُ.
أثارَ في بعْضِ الرسامينَ المتكئينَ على شرفاتِ البناياتِ
نَشْوةً شامِتةً»: لا أملَ لنا
الآنَ حتَّى نكونَ في اللوحةِ
أوْ لنجعلَ البحرَ يَجلسُ أمامَهُ ليرْسُمَهُ!»
اِعتبرَهُ الآخرونَ بورتريها ذاتيًّا.
في الأخيرِ، بدأتْ كلُّ مؤشراتِ إمْكانيةِ العثورِ على مَوْضوعٍ
تتلاشى، تاركةً اللوحةَ
بيضاءَ بشكلٍ كاملٍ. وَضَعَ الفرشاةَ على الأرْضِ.
وفوراً اِرتفعَ من البناياتِ المكتظّةِ عواءٌ،
عُواءٌ كانَ أيضا صلاة.
لقدْ رَموْهُ، البورتريهَ، مِنْ أعْلى بنايةٍ
وَالْتهمَ البحرُ اللوحةَ والفرشاةَ
وَكأنَّ موضوعَهُ قدْ قرَّرَ أنْ يظلَّ صَلاة.
(John Ashbery) (1927) واحد من أهم الشعراء الأمريكيين المعاصرين.
ترجمها عن الإنكليزية: ميلاد فايزة : شاعر ومترجم تونسي / أمريكا.
جون آشْبِري