في الجنة الافتراضية

حجم الخط
0

في الجنة الافتراضية

عزت القمحاوي في الجنة الافتراضية أخيراً أستطيع أن أقول انني تحررت!حصلت علي حياتي الأخري مثلما حصل أندرسون هجّام الانترنت الذي أصبح نيو في فيلم ماتريكس علي حياته البديلة. اسمي الآن Mem Beck وعلي الرغم من أن الحياة في الفردوس الالكتروني تقوم أساساً علي الاختيار الا أنني واجهت أول مظاهر الجبر عند تسجيل اسمي، فاللقب هو أحد الاختيارات المطروحة في بوابة الموقع، والاسم الأول أردته Memo ولكن الرد جاءني من وراء حجاب: اختر اسماً آخر لأن هذا الاسم مستخدم فحذفت حرف الـo. كانت ميمو أول ما تبادر الي ذهني تدليلاً لاسم ابني ثم صارت ميم بلا معني، وكان بامكاني أن أغير الي اسم آخر له معني أو دلالة تخصني، لكنني لم أفعل. وانتبهت الي الحقيقة الغريبة: اننا أحياناً ما نطلب الحرية ثم ننصرف عن استعمالها كسلاً! مــــــنذ مدة أتابع أخبــــار موقــــع الحيــاة المتخـــــيلة علي الانترنت (Second Life) أو الحياة البديلة باعتباره أحد ألعاب الرأسمالية التي ـ من فرط شراهتها ـ لم تكتف بتحويل العالم الواقعي الي سوق كبيرة، وجعل صفة زبون الصفة الأبرز لانسان العصر، بل ابتكرت هذه السوق الخيالية، أو السوق داخل السوق لزيادة المبيعات. العديد من المؤسسات الاقتصادية الكبري ووكالات أنباء وبيوت الأزياء الشهيرة افتتحت لنفسها فروعاً في الموقع الالكتروني كما أعلنت السويد عن قرب فتح سفارتها هناك. أحد المعالجين النفسيين قال ان (Second Life) قدم عوناً جيداً للعديد من مرضاه الذين أقبلوا علي الحوار مع الآخرين وأقدموا علي الشراء والتنزه وعلي العديد من النشاطات التي يحجمون عن ممارستها في الحياة العادية. ولأن الجميع في عالم اليوم مرضي بصورة أو بأخري فان مستقبل هذا الموقع ومستقبل الطب النفسي هما الأبرز علي هذا الكوكب، فكلكم زبائن محتملون للماتريكس والعيادات النفسية. أقول هذا، أنا المواطن Mem الذي كف عن أن يكون من عالمكم، علي الرغم من أنني لم أشتر بعد جزيرتي الخاصة في السكند لايف.كنت المواطن رقم 187355 بعد المليون الرابع حسب أسبقية التسجيل في هذا الفردوس الافتراضي. وآمل أن هذا الرقم المتقدم سيساوي الملايين من الدولارات الحقيقية بعد سبع خطوات (سبعة أيام، أو سبعة أشهر، أو سبع سنين، أو سبعة قرون) عندما تهجر المليارات الستة من البشر الحياة الواقعية وتلتحق بنا في السكند لايف. وعلي الرغم من أنني لم أختر الاسم الذي تمنيت لنفسي، الا أنني تمتعت بالحلول في أكثر أجساد الفردوس رشاقة وأكثر الوجوه وسامة، أو الأكثر رشاقة ووسامة من بين المتاح في تلك اللحظة لدي رضوان اللطيف خازن السكند لايف الذي طلب مني تعبئة بطاقة التسجيل من دون أن يسألني عن أي من أعمالي الدنيوية باستثناء رقم بطاقة الضمان المصرفية (هذا الشرط اختياري ولكنه سيصبح فيما بعد ضرورة لأن المرء لايمكن أن يمضي عارياً مشرداً في جنة ثمن الجزيرة بها بضع عشرات من الدولارات). وهكذا فكل عمل ابن آدم في الحياة الدنيا له الا بطاقة الفيزا، فهي سجل حسناتنا الذي نحمله من الحياة الواقعية الي السكند لايف وهي وحدها التي تضمن لنا شراء الجزر الخاصة، وبناء القصور والفيلات وشراء السيارات الفارهة والماركات العالمية من الملابس، وأجود أنواع الخمور وزيارة المتاحف والمباغي والمكتبات. تستند الـSecond Life علي فكرة فيلم ماتريكس أو بالأحري لطشت فكرته، وهو بدوره مستند علي نظرية الاحتمالات التي بناها العالم القعيد ستيفن هوبكنغ علي نظرية النسبية لأينشتين وعلي قدر لابأس به من الميثولوجيا، وتقضي بوجود احتمالات عديدة لحيوات أخري نشأت بسبب فارق السرعة في حركة الأفلاك بعد الانفجار الكبير. الحلم كان أحد البوابات الكبري لنظرية الاحتمالات، وينقل بورخيس عن الفيلسوف الصيني تشوانغ تزو أنه حلم بأنه فراشة، وعندما استيقظ لم يدر اذا ما كان بشراً حلم أنه فراشة أو أنه ـ الآن ـ فراشة تحلم أنها انسان. وعلينا أن نأخذ هذه الرواية البورخيسية بحذر، فبورخيس نفسه حلاّم ماكر. ولانستطيع أن نعرف اذا كان هناك حقاً فيلسوف صيني اسمه تشوانغ تزو أو أن بورخيس حلم بوجود ذلك الفيلسوف، أو حل فيه، ذلك أن افتتانه بالأحلام وصل حد التساؤل ما اذا كنا نحن، أقصد أنتم سكان العالم الواقعي، مجرد حلم في رأس الاله.لم تقترب الفيزيقا من الميتافيزيقا بالشكل الذي اقتربت به في العقود القليلة الماضية، ومن شاهدوا فيلم ماتريكس يلاحظون كيف أن صناع الفيلم الذين جعلوا الشبكة الافتراضية تلتقط خبير انترنت وتدفع به الي حياة أخري لم يستطيعوا التخلي عن وظيفة العرافة التي سيذهب اليها Neo ليعرف ان كان هو المنتظر (المصطفي) أم لا. علي أن كل ما توصل اليه الُكتّاب وصناع السينما والتجار وخبراء الفيزياء والاتصالات في الغرب بالاستعانة بمزيج من الحلم والخيال وبعض النكوص الي الميثولوجيا صنعته الدكتاتوريات المحسنة في العالم الثالث من دون فطنة خاصة!ربما الفرق الوحيد أن المصطفين في أرض الدكتاتورية المحسنة هم الواقعيون الذين يستمتعون بالحياة الحقيقية، وليس الشعب الواقعي الذي يعيش جحيمه الأرضي بأمراضه وفاقته من دون أن يكون مرئياً أو معترفاً بوجوده. في شبكة الماتريكس أو الـ(Second Life) الخاصة بالدكتاتورية المحسنة عدد من المصطفين يبلغ النصف بالمئة يستطيعون شراء المنتجعات الشاطئية بدولارات معدودة، والتلاعب بالبورصة لكسب مليار دولار في اليوم الواحد، ويستطيعون أن يفوزوا في أي انتخابات وأن يتصدروا أحزاباً لها كل مظاهر الأحزاب باستثناء الرغبة في التغيير.يستطيعون كما في السكند لايف اختيار أشكالهم وأسمائهم الجديدة، بل واختيار جيرانهم أيضاً. ناهيك عن القدرة علي شراء ما يحبون من الملابس والمآكل والمشارب، والمراكب.وهم أفضل حالاً من أبطال الماتريكس وسكان السكند لايف، فكل ما يتعاملون به حقيقي؛ يستمتعون بطعوم حقيقية، ويسيرون في الشوارع الواقعية الخالية، أو المخلية من أجل مواكبهم، بينما لايمتلك الدكتاتور الدعة التي لدي الفيلسوف الصيني أو مخترعه بورخيس؛ لايمتلك رفاهية الأسئلة والأحاجي؛ فهو لا يسأل ـ ولا يخطر علي باله أن يسأل ـ ان كان حاكماً لبلد غني سكانه في نضارة الحاشية ويري في بعض أحلامه شعباً فقيراً، أم أنه حاكم لشعب فقير يحلم بشعب غني علي شاكلة تلك الحاشية من رجال المال والأمن؟ينتقل الدكتاتور من حفلة الي حفلة ومن قص شريط مشروع متخيل الي آخر، بيقين لايتزعزع بأن المعدمين الذين يظهرون علي طريقه هنا أوهناك ليسوا شعبه الحقيقي، بل مجرد كابوس يؤرق نومه السعيد.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية