دخان أبيض فوق شيرتون الدوحة

حجم الخط
0

أمجد ناصر

أخيرا تصاعد الدخان الأبيض من فندق الشيراتون في الدوحة، الدخان نفسه الذي كان اللبنانيون يترقبون تصاعده من فندق الفينيسيا في بيروت، لكن ذلك لم يكن ممكنا، على ما يبدو، في ظل تصاعد الدخان الأسود في سماء العاصمة اللبنانية. ليس مهما أين تصاعد الدخان المنتظر، المهم أنه تصاعد فعلا، فانفرجت أسارير الساعين، حقا، إلى حل يحفظ لبنان من حرب أهلية كانت تقرع الأبواب بقوة.

كان عباس ناصر مراسل الجزيرة في فندق الشيراتون محقا عندما قال إن المشاهدين العرب لن يفهموا ما يقول. كان يتحدث عن دوائر وأرقام وأسماء ومناطق وطوائف واثنيات لن يفهم معناها ودلالاتها سوي اللبنانيين. كانت إعادة توزيع مقاعد بيروت النيابية هي العقدة الأخيرة في طريق الحل العربي.

الصراع بين الأطراف كان على العاصمة، بعد أن قبلوا بالعودة إلى قانون عام 1960 الانتخابي الذي يعتمد القضاء وحدة انتخابية صغرى. وجد مراسل الجزيرة نفسه يتحدث عن أحاج وألغاز. إنه ليس في بيروت. في بيروت يمكن له أن يقول كلام بيروت فيُفهم ولكن كلام بيروت الملغز لن يفهم خارجها.

فمن سيفهم من مشاهديه في نواكشوط أو المفرق الثلث الضامن و الثلث المعطل وإعادة تدوير الأثلاث الوزارية، بل كيف لمشاهد في غير لبنان أن يفهم ان يكون للمعارضة وزراء وللموالاة وزراء وللرئيس وزراء؟ ماذا تعني صيغة 10 + 5 + 4 في مقابل صيغة 9 + 6 + 4؟ ثم ماذا تعني الرميل و الصيفي و الباشورة و المصيطبة و زقاق البلاط؟

هذا عدا عن أسماء الطوائف والاثنيات: سنة، شيعة، دروز، موارنة، كاثوليك، ارثوذكس، بروتستانت، أرمن، والأدهى هو الكلام عن مقعد لـ الأقليات في العاصمة؟ فأي أقليات أخرى بقيت؟

على مدار ثمانية عشر شهرا من عمر الأزمة اللبنانية الراهنة لم يتوقف الاعلام اللبناني والعربي عن الخوض في غمار تلك الألغاز التي هي ليست، للأسف، ألغازا ولا تلاعبا بالألفاظ والأرقام، بل حقائق لبنانية. تابعت، بحكم عملي واهتمامي الخاص بلبنان، انعكاس الأزمة في وسائل الاعلام اللبنانية المتعددة، تعدد الموزاييك الديني والطائفي في بلاد الأرز.

ظل الحديث يدور في متاهة الأسماء والأرقام والمعطيات آنفة الذكر رغم تقنّعه بقناع ارساء دعائم الدولة حينا (الموالاة) والحفاظ على المقاومة حينا آخر (المعارضة).

كأن أحدا من النخبة الثقافية والسياسية اللبنانية لم ينتبه إلي المتاهة التي يدور الجميع داخل طرقها المتشعبة وانفاقها المفتوحة علي بعضها البعض. كأن أحدا من اولئك لم ينتبه الي أن المتاهة هي المشكلة وليست الطرق والأنفاق المتشعبة داخلها. المتاهة هي الأصل.

والمتاهة معروفة للجميع: إنها المحاصصة الطائفية. هنا المشكلة بالضبط، وليست الأرقام والدوائر والمثلثات. منذ أمد طويل تلك هي مشكلة لبنان. منذ صيغة الاستقلال الملغومة التي ركَّبت البلاد علي أساس محاصصة السلطة والخير العام بين طوائف البلد وليس علي مواطنيه الأفراد.

ففي وقت كانت شعوب العالم الثالث تعمل علي جعل المواطنة هي القاعدة التي تقوم عليها دولة ما بعد الاستعمار، كان أمراء الطوائف في لبنان يحولون اللبناني، رسميا، إلي رعية، إلي تابع للملة والطائفة.

كل الحروب الأهلية التي شهدها لبنان منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر وصولا الي اقتحام قوات المعارضة لبيروت قبل اسبوعين كان العصب الطائفي محركا لها، وكان التوق للتخلص من الأسر الطائفي يعمل في داخلها.

كثير من المثقفين اللبنانيين استنكروا أدوارهم في الحرب الأهلية التي قامت في منتصف سبعينات القرن الماضي، كثيرون استسخفوا شعاراتها، واحتقروا قواها السياسية، وهم محقون في رفض الحرب الأهلية طريقا للتغيير، لكنهم، بالمقابل، تجاهلوا أن تلك الحرب قد تكون اللحظة السياسية اللبنانية الوحيدة التي طرحت فيها قضية النظام الطائفي علي المحك.

رغم بشاعات تلك الحرب (بل بشاعات كل الحروب) إلا انها حاولت، علي نحو لم يحصل من قبل ولا من بعد، أن تتخلص من الإرث المر الذي تركه المستعمر الفرنسي وراءه. كان شعار انهاء النظام الطائفي هو الذي اصطفت خلفه قوي لبنانية متعددة الافكار والمنابت الايديولوجية، بل والطائفية ايضا.

كان هناك شيعة ودروز وسنة ومسيحيون وارمن منخرطون في اطار الحركة الوطنية اللبنانية التي لم يتساءل احد عن هوية قائدها الشهيد كمال جنبلاط الطائفية. لم يكن احد ينظر الي كمال جنبلاط كزعيم درزي، ولا الي محسن ابراهيم كشخصية شيعية، ولا الي مصطفي معروف سعد كسني، ولا الي جورج حاوي كمسيحي.

حتي الطرف (الانعزالي) لم يجرؤ علي القول ان الحرب طائفية، بل صورها حرباً تقوم بها قوي لبنانية (وفلسطينية) منساقة الي مؤامرة شيوعية هدفها تهديد الصيغة اللبنانية الفريدة وتوطين الفلسطينيين!

معضلة لبنان هي الطائفية. وليست الطوائف. بالامكان أن تبقي الطوائف، كمذاهب تمارس طقوسها الدينية بحرية مكفولة، إلى الأبد. ليس هناك مشكلة، على ما أظن، في أن يكون المرء سنيا او شيعيا او مسيحيا او درزيا أو بلا دين، ذلك حقه في الاعتقاد. لكن أن تُشكل الدولة على أساس هذا الموزاييك الطائفي المعقد فتلك هي المشكلة.

هناك دول عديدة في العالم راعت التنوع المذهبي أو الاثني لشعوبها لكنها لم توزع السلطة على أساس ذلك التنوع. ففي الهند مئات اللغات والاثنيات والطوائف الكبيرة والصغيرة ولكن الدولة الهندية اقيمت فوق كل تلك الاعتبارات.

الاتحاد السوفييتي السابق لم تكن الغلبة فيه للروس، بل ان ستالين، أشهر حكامه وأشدهم قسوة، كان جورجيا (وبيريا وزير أمنه المخيف جورجي أيضا) مع ان جورجيا لم تكن تشكل خمسة بالمئة من مساحة وسكان الاتحاد السوفييتي.

لنأخذ بريطانيا الخبيرة في تقسيم الشعوب إلى طوائف واثنيات، فتوني بلير وغوردن براون، رئيسا الوزراء اللذان تعاقبا على الحكم، اسكتلنديان وليسا انكليزيين رغم ان انكلترا تشكل، أرضا وسكانا، ثلاثة أرباع المملكة المتحدة. لم يطرح أحد من ألد خصوم بلير او غوردن براون موضوع أصلهما القومي، بل سياساتهما.

لا أظن أنني أخترع البارود. فهذه حقائق عادية يعرفها الجميع. ولكنها، للأسف، ليست عادية في العالم العربي، وخصوصا، في لبنان.

لقاءات الدوحة أثمرت اتفاقا راهنا بين أطراف النزاع في لبنان ولكنها لم تنتج حلا جذريا للمشكلة اللبنانية. فتلك مشكلة لا تحل في لقاءات في فندق او فندقين، ولا برعاية دولة عربية، أو أجنبية، مهما كانت حريصة على لبنان. انها مشكلة لبنانية ولن تحل الا بأيدي اللبنانيين.

لا أحد يتصور، طبعا، حل معضلة الكيان اللبناني الطائفي بين عشية وضحاها. فالأمر يحتاج إلى وقت طويل، ولكنه يحتاج قبل ذلك إلى الوعي بأصل الأزمة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية