قبل أن تنهار سلطة البعث العراقي، في أبريل/نيسان 2003، أحكم مشعلو التناحر الطائفي ومستثمرو الفتن في مدن وأرياف العراق قبضتهم على آلية عملهم الجهنمية، وأفلحوا في بث بذور كراهية الآخر بين أتباع الأديان والمذاهب والأحزاب، بل والعشائر، الأقل معرفة بدهاء وخبث القائمين على ترتيب المطبخ السياسي العراقي، العرقي والمذهبي، وغير القادرين على النفاذ إلى حقيقته ومعاينته. وما أن حل زمن لعلعة الرصاص ودوي تفجيرات الترويع والابتزاز، الممولة آنذاك من أجهزة الاحتلال الأمريكي – البريطاني وكيانات مرتهنة قابعة في ظلام التزمت والانعزال، حتى شرع موجهو حروب الطوائف في إطلاق عنان زعامات خانعة وتوابع دهماء، جرى دسها في مكونات المجتمع العراقي الكليل، المُثقل بالعوز والمُثخن بجراحات الحروب والحصار وأمراض البطالة. الأمر الذي عجـــل في ظهور شلل عرقية- مذهبية، دُفعت إلى صدام عبثي، أُقحمت فيه وبفاعلية أفكار ووقائع وفواجع، نُزعت من ماضي البلاد، توائم سياسة الشقاق والاستبداد، سوقت لعامة الناس الشاكية من قصور في فهم ماهية وآليات التركيبة السياسية – الطائفية في عراق اليوم، وحنكة موجهيها وإدمانهم على فرية التمايز المذهبي والخداع السياسي. ولم يفتهم؛
ـ توظيف وتسويق الإرث القمعي الطويل لنظام صدام حسين وأتباعه، المُجسد في سياسة القهر الدموي للحركات الشيعية والأحزاب اليسارية والعصيان الكردي وتضييق الخناق على العسكر ورجال المال والثقافة والعلم ورؤساء العشائر وتشريد وتصفية رموزها.
– مسخ مغزى الجهاد الشرعي ومآثره الباسلة.
– عرقلة استرجاع حقوق الضحايا والمهجرين وأملاكهم، وتحويلها إلى ملهاة حجبت العراقيين عن رؤية ومقاومة عمليات نهب ومصادرة ثروات البلاد وكنوزها الحضارية وتاريخ الدولة العراقية الحديثة، التي تحتل اليوم مكانة مميزة في جامعات ومكتبات أمريكا وبريطانيا والكيان الصهيوني وعشرات الدول العربية والأجنبية، تلك العمليات أدارها وبانتظام منذ الأيام الأولى من غزو العراق، الاحتلال الأمريكي وشركاؤه وعملاؤه.
وما هو محير أكثر، عدم توفر إحصائيات رسمية دقيقة عما نُهبَ من تلك الكنوز والمقتنيات العريقة. وكل ما هو متاح من معلومات وبيانات منشورة هش لا يمنح المعنيين إمكانية تقصي وحصر أعداد تلك الآثار النفيسة، ووصل الأمر بدوائر عراقية أن عدتها بمئات الآلاف وأُخرى ببضعة ملايين! تغطي جل تاريخ بلاد الرافدين من العصر السومري حتى مطلع القرن الحالي. وتضم تماثيل ومسكوكات ومسوغات ومخطوطات وملفوفات إسلامية ورسومات وكتباً نادرة ومجموعات كبيرة أصيلة من سجلات وفرمانات سلطانية، ومراسيم وخرائط وكشوف وسجلات مدنية تعود ملكيتها إلى أرشيف جمهورية العراق، إضافة إلى ما تم الاستيلاء عليه في عمليات نبش وتنقيب غير شرعية في مواقع أثرية شهيرة نفذتها فرق أجنبية برعاية قوات الاحتلال الأمريكي والبريطاني.
ومن غير الممكن تَبرئة بعض حكومات دول الجوار ومنابرها الدينية الانعزالية، التي رفعت الباطل إلى منزلة الحق، من التورط في صياغة سياسة التصادم الطائفي وتشجيع تطبيقاتها على أرض العراق وسوريا ولبنان وليبيا ومصر والبحرين والقائمة تطول. إذ رأت فيها منظومة لاهية، بل ومُنذرة، قادرة على النأي بكتل ثقيلة من مكوناتها العرقية والطائفية – المذهبية، التي ليس لها ما يميزها كثيراً عن بوتقة وأطياف المجتمع العراقي، عن مخاطر التمرد والعصيان لنيل حقوقها العرقية والمذهبية. ولهذا أصرت تلك الأطراف العربية والإسلامية، الضالعة في إيذاء العراقيين والوطنيين العرب، على دعم حالة عدم الاستقرار الأمني والاقتصادي في عراق ما بعد صدام، الذي افلت من براثن حكم القبضة الحديدية التي آلمت الشعب العراقي. وركزت تلك الأطراف السياسية والدينية، الخانعة والمربوطة مصيرياً بملفات أمريكية- إسرائيلية،على خيار العمليات الإرهابية الموجهة ضد أطياف المجتمع العراقي الدينية والقومية، وأحكمت اللجام عن دعم حركة المقاومة الوطنية لتطهير العراق من جور الاحتلال ومظالمه! بل رامت إلى التلويح بنموذج بشع شاخص أمام الساعين لانتزاع حقوقهم المشروعة المطمورة في صحارى وسهول وجبال الجوار، والتمسك بعراق غارق في نزاع دموي مروع كخيار لا بديل عنه لحالة الاستقرار والضمان الأمني التي تتمتع بها اليوم بعض شعوب الجوار ولو على مضضٍ.
هذا النهج – الفخ الترويعي المُزين بالتقوى ونصرة المظلوم، المصاغ ببلاغة ولياقة، نال مقصده السياسي في دول الجوار، وأفلحت أجهزتها الأمنية والمذهبية القمعية، ولو لحين، في محاصرة وخنق قلاقل ومظاهرات الأوساط الناقمة على سياسة التمييز والتهميش والإهمال المقصود التي تمارسها حكوماتها، الغارقة في أعراف القرون الوسطى، ضد مكونات أساسية من شعوبها، كادت أن تقترن بعصيان مدنيـ سياسي يفضي إلى انتفاضة مُسلحة. لاسيما أن ممهدات ومُبررات العصيان والثورة متاحة وملامحهما الدينية والدنيوية واضحة للعيان.
التاريخ العربي المعاصر يتوفر على تجارب تعلم، أن الحرب الطائفية قلما تفرز طرفاً مُنتصراً، والخاسر الأكبر فيها دائماً هو الشعب، المُتحارب- المخدوع وإرثه الحضاري وثرواته وأملاكه. أَوَليس ما يجري في العراق وسوريا وليبيا واليمن بل لبنان آيات بينات، وكذا تعاظم التدخلات الخارجية، وحصراً في البلدان المتعددة القوميات والأديان بذرائع الحماية والرعاية.
سياسة الاحتيال هذه طبقت مع تشريع نظام الامتيازات الأجنبية، الذي أصدره السلطان العثماني بايزيد الأول (1389-1402)، ومَنْ تبعه مِن سلاطين بني عثمان، إلى رعايا الدول الأوروبية، وبطيب خاطر لينقلب من نعمة عثمانية مُنحت لرعايا تلك الدول في ولايات السلطنة إلى نقمة عليها، استغلتها الحكومات الأوروبية ذريعة للتدخل في شؤون رعايا السلطان وسياساته المحلية والدولية، الأمر الذي أدى إلى زيادة أمراض السلطنة وتآكلها والقضاء كلياً على كيانها السياسي والديني. ولعل تجربة لُبنان المريرة، التي كنا شهود عيان على مآسيها (منتصف سبعينات- نهاية ثمانينات القرن الماضي)، مازالت نموذجاً يُسوق إلى سوريا والعراق واليمن وليبيا ومصر.
وما هو بغريب أن تُنشط (فيروسات) النزاع الطائفي في لبنان من جديد، بعدما بلغ الصدام الجهنمي بين أطراف الأزمة السورية قمة الدمار العجيب، والمذهل أن أطراف هذا النزاع مستأنسة بانتصاراتها الباهرة. وليتهم نظروا اليوم إلى حال بلادهم وما كانت عليه قبل (الثورة)، التي مولها من لا يريدون لبلدانهم ما آلت إليه أحوال سوريا الغناء وحضارتها وعبادها المرنين.
وليس من شك أن أصحاب مختبرات تفريخ فيروسات حرب الطوائف قادرين على توسيع دائرة انتشارها في بقاع أوسع من تلك التي تنشط فيها اليوم، وما من حرمة لهم فيها إن استمرت مشتعلة في بلاد المسجد الأقصى، أو في النجف وكربلاء أو حتى في بلاد الحرمين! أو فيما هي أبعد منها جميعاَ.
إلى جانب سياسة النهب والاستحواذ، التي يسلكها مسوقو (فيروس) حرب الطوائف، تبدو سياسة إشعال وإلهاء العدو بمعارك جانبية (وهذا ما عُرفَ به الكيان الصهيوني ورعاته مُنْذُ حرب السويس عام 1956، كلما تعمقت أزمته السياسية – الاقتصادية وزادت عليه الضغوط الإقليمية والدولية) غير معزولة عنها إن لم تكن عماد بنيانها. إذ أنَّ بلداناً مثل العراق وسوريا وليبيا واليمن ولبنان و…غير، عاجزة عن تمويل حرب أهلية طويلة الأمد. فالأموال والثروات متوفرة وكثافة السكان وكثرة السلاح وشيوع الجهل بأحقية هذا المذهب أو ذاك، أو هذه القومية أو تلك في إدارة أحوال البلاد.، وتعارض سياسات دول الجوار وتداخل مصالحها الدنيوية والدينية على أراضي تلك البلدان، يخلق تربة خصبة لمد الحروب إلى سنوات أطول، حتى تتمكن تلك الجهات المتحاربة بدماء وثروات ومصير العرب والمسلمين من التوصل إلى خطاب يرضي الشلل السياسية – المذهبية المتطرفة الحاكمة في دول الجوار.
ولربّما شكل الإرث التاريخي- الديني والموقع الجغرافي- السياسي لعراق اليوم فضاءً عازلاً بين تلك الدول النفطية التي يجمعها الإسلام وتفرقها المذاهب، والضالعون في حز رقاب المسلمين! وجعله (العراق) الحلبة الأهم في صراع السيطرة على حاضره ومستقبله، والإفادة من موارده وثرواته المباحة، ما يدفع الأطراف المُتخاصمة إلى استنفار قواها للتوصل إلى وصفة – صفقة، وربما مُعادلة، لابد أن تكون في نهاية المطاف وسطية. فالتركيبة العراقية، العرقية- الدينية والقبلية، لا تقبل هيمنة طرف دون سواه على أحوال وأموال البلاد، وإن اُستندت إلى شرائع وتفسيرات تبدو محقة وعقلانية، خصوصاً أن التدخلات الخارجية في الشأن العراقي غدت عظيمة وضاربة في كيان الأعراق والطوائف، وبات الحديث عن استقلالية الأطراف العراقية في تقرير مصير البلاد بمعزل على جهات نافذة في دول الجوار، وفي ظل تأرجح موازين القوى المحلية والإقليمية المحيطة، ترفاً سياسيا وفخراً مطعوناً بمصداقيته. ربما لأن سياسة الابتعاد عن العروة الوثقى، الوطنية العراقية، كعقيدة سياسية – اجتماعية جامعة أطياف الشعب العراقي عززت التقوقع العرقي والتشرنق المذهبي، وخلقت أجواءً مواتيةً لحالة من اللامبالاة تجاه مصير الوطن والمخاطر التي تعصف بأهله ووحدته. الأمر الذي تجسد في تكريس ثقافة التزمت والانعزال، التي أفرزت بدورها أخلاقيات الغلو العرقي والطائفي حتى غدت عقيدة يمارسها جمع غفير من شرائح المجتمع، من ذوي المعارف الضئيلة المُسير من أطراف سياسية وطائفية نشيطة وقديرة بفضل تلك الأجواء،غير الصحية في عراق اليوم، الموائمة لمشاريعها المتزمتة وتوجهاتها الضّارة، التي تسوق سياسة وسلوك الشقاق والانطواء كجدار واق لإنقاذ وصيانة حياة هذه الجماعة- الطائفة أو تلك، التي لم تعد تشعر بأدنى عناء أو نكوص أو حتى حياء! عند اللجوء إلى كيانات في دول الجوار أو سواها لتصبح تابعاً أو مداً طائفياً وأمنياً لها، بل لا تتوانى جهراً في الترويج لنهج تقسيم العراق مستندة في هذا إلى دعم الكيان الصهيوني وأطراف عربية لا تدرك بأيِّ نارٍ تلعب ومع من!.
هذا التشكيل الطائفي- السياسي المُعقد وغير العادل، وتلك السياسات الضّالة المغضوب عليها من غالبية العراقيين، أرغم شرائح واسعة من المجتمع العراقي على التعايش في إطاره، وألحق ضرراً فادحاً بكيان ومميزات الشخصية العراقية ومشروعها الحضاري، وهز بعنف بنيان التآخي القومي والديني، أساس وحدة الشعب العراقي، وأطلق العنان للتطرف والإرهاب والتقوقع في جيوب إثنية ومذهبية غير مبالية بحقوق المواطنة العراقية وواجباتها.
ولربما نحتاج إلى وقت طويل لإعادة بناء ما هَدّهُ إرهاب الاحتلال الأمريكي- البريطاني البشع وأتباعه المحليون والعرب الضالعون، بدون رأفة، في سفك دماء العراقيين والعرب الأبرياء، والموغلون في كره قل نظيره لكل ما يعزز روح التآخي والتكافل الوطني بين أبناء الشعب العراقي الواحد من الفاو إلى زاخو. وليس لديَّ أدنى شك أن محنة البلاد اليوم ستزول قريباً، وسيخرج العراق وشعبه أقوى مما كان عليه قبل شهر مضى، بل وأعوام طوال، وعندها سيكون أي ويل لأولئك الذين عاثوا عبثاً بحال العراقيين ونهبوا ثرواتهم وأملاكهم واغتصبوا حرمات من يدعون أنهم من أتباع طائفتهم ومذاهبهم ونُفروا إلى نصرتهم.
٭ باحث وأُستاذ جامعي عراقي ـ روسيا
ناظم مجيد حمود