لندن – «القدس العربي»: ركز المحامي والقاضي اللبناني سابقًا جو خوري-حلو، في كتابه الصادر بالفرنسية في مطلع الشهر الماضي بعنوان: «شارل حلو، هاملت إتفاقية القاهرة»، على ان إتفاقية القاهرة التي وُقِّعت بين القيادة السياسية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية في عام 1969 وخلال رئاسة شارل حلو للجمهورية اللبنانية، فُرضت على حلو فرضا، بسبب ضغوط الدول العربية وحلفائها في السلطة اللبنانية بالإضافة الى تقاعس الدول الأجنبية وخصوصا أمريكا في دعم حلو وموقفه المتحفظ دعما فاعلا. وبالتالي، تم التوقيع على الإتفاقية في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 1969 رغم محاولات الرئيس اللبناني آنذاك والذي كان مدعوما سرا من «الحلف الثلاثي» الذي قاده رئيس الجمهورية السابق كميل شمعون وعميد الكتلة الوطنية الراحل ريمون ادة ورئيس حزب الكتائب ومؤسسه بيار الجميل. وهؤلاء كانوا يقودون جبهة ضد مجموعة «النهج» التي قادها الرئيس فؤاد شهاب ورئيس الوزراء في فترتي شهاب وحلو رشيد كرامي والوزير فؤاد بطرس والرئيس رينيه معوض. ومع ان جميع هؤلاء السياسيين قد رحلوا (بإستثناء بطرس) إلا ان قضية إتفاق القاهرة مع المقاومة الفلسطينية تُطرح مجددا في علاقة السلطة اللبنانية في هذه المرحلة مع المقاومة اللبنانية للإحتلال الاسرائيلي التي يقودها الآن حزب الله اللبناني بعدما قادتها في إنطلاقتها الحركة الوطنية اللبنانية.
علما بان المقاربة الأساسية في كتاب جو خوري-حلو (ابن شقيقة شارل حلو، والذي كان أقرب المقربين اليه فكريا وعائليا) هي أنه لا يمكن للدولة اللبنانية ان تحتضن مجموعة مسلحة ضخمة وقوية توازي الجيش اللبناني، وتتخذَّ قراراتها بمعزل عن القيادة اللبنانية السياسية والعسكرية، لأن مثل هذا الوضع سيؤدي لا محالة الى مواجهة بين الجانبين والى الحرب الأهلية.
ويؤكد خوري-حلو في مقاطع كثيرة من كتابه وإستنتاجاته ان توقعات خاله شارل حلو صحّت عندما نشبت الحرب الأهلية اللبنانية في عام 1975 على أثر المواجهات العسكرية بين المقاومة الفلسطينية وحلفائها من جهة، والسلطة اللبنانية والأحزاب اللبنانية المسيحية التي تسلحت وانشأت ما سمته المقاومة اللبنانية من جهة أخرى.
قد يختلف كثيرون مع هذه المقاربة وقد يعتبرون انه على العكس فمن الضروري وجود مقاومة عسكرية مستقلة الى حدّ ما عن الجيش اللبناني طالما أستمرت المواجهة مع اسرائيل وتصاعدت أطماعها لإحتلال الأراضي اللبنانية، فيما هي تملك جيشا قويا يعجز الجيش اللبناني عن مقاومته بمفرده، خصوصا وانه لا يملك قوة جوية فاعلة او معدات عسكرية متطورة لمواجهة الإختراقات الجوية الاسرائيلية، وقصفها المواقع اللبنانية. ولكن الرئيس حلو، حسب الكتاب لم ينجح في إفشال توقيع إتفاقية القاهرة لعام 1969، وبالتالي لُقِّب بالرئيس الضعيف، فيما كان هو (في رأي الكاتب) رئيسا قويا ولكنه عمل في السرّ والخفاء وعبر التفاوض الدبلوماسي المستمر مع السفير الامريكي آنذاك في لبنان دوايت بورتر. ويتضمن الجزء الأخير من الكتاب عددا من النصوص والوثائق عن مراسلات السفير بورتر مع حكومته ووزارة خارجيته التي تشير الى وقائع لم يكن يُسمح بنشرها سابقا.
ويشير الكاتب الى ان خاله أفضى اليه بمعلومات لم تنشر في اي مناسبة سابقة. وخصوصا فيما يتعلق بالصعوبات التي واجهها شارل حلو في علاقته مع عرّابه وحليفه السابق الجنرال فؤاد شهاب، الذي رفض التجديد لنفسه بعد إنتهاء ولايته الرئاسية عام 1964، وظن انه سيحتفظ بقدرته على ادارة الأمور من خارج موقع الرئاسة بمعاضدة رشيد كرامي وفؤاد بطرس ورينيه معوض وصبري حمادة وأركان مجموعة «النهج» المؤيدة له، وبفضل نفوذه في الجيش والمكتب الثاني المخابراتي والمؤسسات الأمنية اللبنانية. ولكن حلو، حسب مؤلف الكتاب، أراد ان يتصرف كرئيس للدولة.
وصار الرئيسان السابق والحالي (آنذاك) يتنافسان خفية ويظهران أنهما متحالفان في العلن، الى ان أفضت هذه الخلافات الى إنتخاب الرئيس سليمان فرنجية خلفا لشارل حلو في عام 1970، متفوقا على مرشح الجنرال شهاب آنذاك حاكم مصرف لبنان الياس سركيس بفارق صوت واحد فقط.
ويذكر المؤلف في المقدمة ان باحثا امريكيا أبلغه بوجود وثائق حول مراسلات سرية جدا في مكتبة الكونغرس كان السفير الامريكي دوايت بورتر يرسلها الى الخارجية. وهذه الوثائق الأخيرة أوردت معظم الأحاديث والمشاورات التي كانت تجري بين شارل حلو والسفير دوايت بورتر آنذاك. وبورتر، حسب ما ورد فيها، كان متعاطفا مع مواقف حلو، من دون ان يلقى تجاوبا كبيرا من أسياده في الخارجية الامريكية علما ان الخارجية لم تكن ترغب آنذاك في إغضاب القيادات العربية عموما التي كانت في معظمها مؤيدة للمقاومة الفلسطينية ولعملياتها العسكرية ضد اسرائيل من لبنان، ولوجود المقاومة وشرعنة تسلحها في لبنان. هذا بالإضافة الى ان هذه المقاومة كانت تحظى بدعم من القيادات المسلمة في لبنان ومن جزء كبير من مؤيديها على الصعيد الشعبي.
ويذكر خوري-حلو ان الجنرال شهاب الذي كان مقربا من الرئيس المصري جمال عبد الناصر ومن المواقف العربية عموما بدوره لم يدعم خلفه شارل حلو دعما كاملا في مواقفه من المقاومة الفلسطينية برغم حرصه على الجيش اللبناني والسيادة اللبنانية.
وبعدما وُقعت إتفاقية القاهرة، اتجه الرأي العام اللبناني، حسب المؤلف، الى إتخاذ مواقف تتهم شارل حلو بأنه ساهم وتخاذل لدى السماح بتسلح المقاومة الفلسطينية لتقود المعركة ضد اسرائيل وروج لتوقيع إتفاقية القاهرة التي جعلت هذا الأمر مشروعا، وبالتالي تقاعس في دوره كرئيس للسلطة اللبنانية وكممثل للجهات التي تؤمن بأولوية الدولة اللبنانية وأفضليتها على الآخرين، وخصوصا الطرف المسيحي منها. وبالتالي، صار شارل حلو (اعلاميا) مسؤولا عن إنهيار السلطة اللبنانية ووقوع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 فيما بذل حلو، حسب أبن اخته، كل ما في وسعه لمنع حدوث ذلك! واقترن اسم حلو، على أثر ذلك، بإتفاقية القاهرة، ولكن بشكل سلبي.
أكد جو خوري-حلو ان وسواس خاله الرئيس الراحل كان عدم إقحام لبنان في حرب مع اسرائيل، وخصوصا لعدم قدرة لبنان العسكرية على خوض مثل هذه الحرب. وكان حلو يسعى (في رأيه) دائما الى إقناع القادة العرب، بمن فيهم الرئيس المصري جمال عبد الناصر بالفصل بين إقحام لبنان بين دول المواجهة مع اسرائيل ومفهوم كون لبنان دولة داعمة فقط لهذا الأمر بسبب أوضاعه الخاصة.
كما ان خوري-حلو أشار في أحد فصول كتابه الى ان اسرائيل كانت سعيدة إلى حد ما بانطلاق مقاومة فلسطينية من الأراضي اللبنانية لكي تبرّر ردود فعلها العسكرية على عمليات هذه المقاومة، ولكي تؤدي العمليات العسكرية بين الجانبين الى تحرر اسرائيل من إتفاقية الهدنة مع لبنان التي وُقعت عام 1949. وكان شارل حلو يخشى ان تتنصّل الأمم المتحدة من إتفاقية الهدنة بحجة العمليات العسكرية في جنوب لبنان فيما سعى هو الى تمديد فترة عمل قوات الأمم المتحدة الدولية في الجنوب. وكان يرى ان ضحايا مثل هذه التطورات السلبية الرئيسيين سيكونون اللبنانيين عموما والمسيحيين اللبنانيين والشرقيين خصوصا.
وتحول قلق شارل حلو، حسب الكاتب، أزاء عمليات المقاومة الفلسطينية من الأرض اللبنانية الى هاجس. وحاول إنشاء تيار شعبي واسع يعارض مثل هذه العمليات، مما أغضب خصومه الداخليين، وفي طليعتهم الرئيس رشيد كرامي الذي صار يعرقل عمل حلو، بدعم من حليفه الرئيس الجنرال فؤاد شهاب.
وفيما كان الرئيس فؤاد شهاب يدرك بدوره خطورة الوضع فانه على عكس حلو كان يؤيد سياسة التوصل الى تفاهم مع القيادات الفلسطينية في لبنان.
والبعض يرى الآن، وبعد مرور عقود على هذه الأحداث حكمة شهاب فيما يرى البعض الآخر قصر نظر هذا الموقف مما أدى الى نشوب الحرب الأهلية عام 1975. والذين يعتنقون وجهة نظر شهاب هم عروبيو لبنان، وهم ما يزالون يعتنقونها في مجال تعامل الدولة اللبنانية مع المقاومة اللبنانية الحالية للإحتلال، فيما لا يزال مؤيدو وجهة النظر الثانية يطالبون بوضع سلاح المقاومة اللبنانية تحت سلطة الدولة اللبنانية ويعتبرون قوة لبنان في ضعفه.
وهذا يؤكد ان القضية اللبنانية هي في النهاية سياسية، وتتلخص في إختيار واحد من خيارين: إما مقاومة اسرائيل الساعية الى إحتلال الأراضي والهيمنة وبناء المستوطنات والإستيلاء على الثروات الطبيعية وعدم إعطاء الفلسطينيين حقوقهم، أو الهدنة مع اسرائيل تجنبا لجبروتها العسكري وجبروت حلفائها وسعيا الى إنشاء لبنان «قوته في ضعفه» كما كان يراه مؤسس حزب الكتائب اللبنانية الراحل بيار الجميل، والى حد ما، الرئيس الراحل شارل حلو، وعدد من الأحزاب والقيادات اللبنانية الحالية.
والتاريخ وحده سيقرر ما هو الخيار الأفضل بالنسبة لمستقبل لبنان ومستقبل العالم العربي والشعوب العربية وخصوصا مصير الأقليات فيها ومصير فلسطين والشعب الفلسطيني.
(*) Joe Khoury-Hélou: Charles Helou: Hamlet de L’Accord Du Caire
Presses de l’Université Saint-Joseph, Beyrouth
2014
400 pages
سمير ناصيف