عمان-«القدس العربي»: لا يمكن قراءة «الخشونة» غير المعتادة أو التي يمكن تجاهلها ولو مؤقتا في التعاطي الأردني الرسمي والأمني مع فعاليات الشارع المتضامنة مع الشعب الفلسطيني إلا في سياقات إستراتيجية تذكر جميع الأطراف خصوصا في الداخل بان عمان «متموضعة» في الواقع داخل حسابات ضيقة لها علاقة بالموقع الجيوسياسي للمملكة التي تعاني من ضائقة إقتصادية وإسترخاء «أمني» رغم الأحداث العصيبة والمشتعلة في المنطقة.
حسابات الأردنيين مغرقة بالدقة والحساسية عندما يتعلق الأمر بالوضع الجيوسياسي فهو يتيح حسب عضو مخضرم في مجلس الأعيان للأردنيين مسافة من الأمن والأمان ليس من مصلحة أحد التفريط بها سواء تعلق الأمر بالعراق أو حتى بالسعودية .
الإسترخاء الأمني بمعنى عدم مواجهة تحديات كبيرة على الصعيد الأمني وبمعنى الحضور الدائم «لحاجة الأخرين» للأردن بكل المعاني والدلالات وهي الحاجة التي أشار لها رئيس مجلس الأعيان الأسبق طاهر المصري عندما حذر من الإستمرار بالتصرف على أساس أن «العالم دائما بحاجتنا».
يبدو ان غرفة القرار المغلقة تجري ترتيباتها على أساس تجاهل نصيحة المصري مهما كانت ثمينة لسبب واحد ويتيم ويتمثل في خبرة الدولة الأردنية في إجراء الحسابات والكفاءة الأمنية الذاتية التي يخشى كثيرون خصوصا في العراق وسوريا مواجهتها وهي كفاءة إعتبرها سياسي لبناني بارز من حجم وليد جنبلاط أساسا في إبتعاد الأردن عن مخاطر»دولة داعش» كما اسماها في مقابلة شهيرة مؤخرا مع «الجزيرة».
جنبلاط بمعلومات أو بدونها قرأ برودة أعصاب الأردنيين وهم يتعاملون مع تطورات الحدث العراقي بأقل قدر من القلق والتوتر خصوصا وان التيار الجهادي السلفي النشط وكثيف العدد في الأردن لم يسقط بعد قانون العمل الأساسي الذي أشار له الشيخ محمد الطحاوي مرة وهو يتحدث عن الأردن بإعتباره ساحة لوجستية لدعم المجاهدين وليس ساحة عمليات.
إنطلاقا من هذه النمطية في التفكير يمكن قراءة الرسالة الأبرز التي صدرت عن المؤسسة الأردنية فيما يتعلق بالعدوان الإسرائيلي الأخير والحالي والمستمر على قطاع غزة وهي رسالة قالت بخشونة لعدة أطراف في الداخل أهمها الأخوان المسلمين بأن «إستثمار وتوظيف الحدث ممنوع».
على هذا الأساس قمعت قوات الدرك بغلاظة المسيرة التي حاولت الإقتراب من مقر سفارة العدو الإسرائيلي في عمان العاصمة وإعتقلت 11 مشاركا فيها.
قبل ذلك كانت الرسالة لكل من يفكر بطبقات الحراكيين الشباب في العودة تحت إيقاع العدوان الإسرائيلي للعبة الشارع عندما وجهت إتهامات من وزن ثقيل لـ 13 طفلا وشابا أحيلوا لمحكمة أمن الدولة بعد تجمعهم وإغلاق شارع تضامنا مع الشهيد محمد أبو خضير.
حدود اللعبة تحددها الحكومة بوضوح في هذه الرسائل على أساس مباشر: التعبير السلمي والخطابة ضد إسرائيل مسموح بهما وأي محاولة للإستثمار والتوظيف السياسي خصوصا بعد الإحتفاء بإختفاء مظاهر الحراك الشعبي «ممنوعة».
حدود اللعبة هذه توضح مضامين وجوهر الإستراتيجية الأردنية الإستدراكية في التعامل مع المتطلبات المحلية عندما يتعلق بإنتفاضة ثالثة في فلسطين المجاورة خصوصا وان النسخة العراقية من «داعش» لا تشكل خطرا بسبب عدم وجود «نقاط تماس» مع الحدود الأردنية وبسبب إتفاق واضح وجوهري مع زعماء عشائر الأنبار الذين وضعوا مسلحيهم كعازل بين قوات وحدود دولة «داعش» ونقطة الحدود الأردنية.
وما دامت التطورات في العراق قد أديرت بأعصاب باردة لابد من «إدارة مماثلة» للملف الفلسطيني المفتوح حاليا على كل الإحتمالات خصوصا وان عمان عاصمة تؤسس حساباتها في العادة على «إطلاع ومعلومات» من تل أبيب وواشنطن وجميع عواصم القرار دون ان يعني ذلك في طبيعة الحال وجود دور في صناعة الأحداث للدبلوماسية الأردنية.
هنا تحديدا يمكن تفكيك غموض الصمت الرسمي الحكومي الأردني أو التعليق المتأخر على مسار الأحداث في قطاع غزة إضافة لفهم خلفيات الإدارة الأمنية لنشاطات الشارع إبتداء من إعتقال 13 مراهقا وتحويلهم لمحكمة أمن الدولة وإنتهاء بالتواجد الكثيف لقوات الدرك في محيط سفارة إسرائيل. اللغة هنا واضحة للداخل والخارج، فعمان لا تريد الإيحاء بتغيير إستراتيجتها الأمنية عندما يتعلق الأمر بإتفاقية وادي عربة وطرد السفير الإسرائيلي او السماح بالإقتراب من السفارة.
كان الأمر كذلك منذ عام 1994 ولا يوجد ما يبرر ان يتغير الآن ليس بسبب «إلتزامات» النظام الأردني الدولية والقانونية والسياسية فقط ولكن أيضا بسبب الفهم المسبق لقواعد الإشتباك الإقليمية والدولية التي تديم بقاء السلطة المحلية في دوائر الإسترخاء الإستراتيجي رغم إشتعال الأجندات والإقليم .
هذه الإقامة يعرف الخبراء أنها مستقرة وطويلة بسبب عدم وجود سياسات تصعيدية ضد إسرائيل بكل الحالات أولا، وبسبب التحالف العلني مع الإدارة الأمريكية ثانيا، وبسبب طبيعة الأدوار الأمنية التي يقوم بها الأردن في خدمة الأمن القومي لمنظومة النادي الخليجي ثالثا.
عمان تقول وفي كل الغرف المغلقة ووراء الكواليس وبكل اللغات أنها لا تملك أوراق قوة تسمح لها بتغيير مسار إسرائيل ولا تستطيع فعل شيء محدد يحقق فارقا بدون إلتزام النظام العربي الرسمي وخصوصا مصر والسعودية وتؤكد بان أوضاعها الإقتصادية الصعبة والمعقدة بسبب إستضافة ملايين اللاجئين لا تتيح لها في الوقت نفسه فرصة لأي مجازفات مع أي دولة قوية في المنطقة خصوصا في حال عدم المساس مباشرة بالمصالح العليا للدولة الأردنية.
عمان تقول ايضا وراء الستارة وتحت الطاولة بانها «غير معنية» بمجازفات حركة حماس وأنها ستبقى في الموقف والتعبير خلف مؤسسة الرئاسة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس وبان «العدو»كان ولا زال هو هو ولم يتغير وان العالم يدعم إسرائيل أو يهادنها وبان سقف تصرفها وسلوكها معروف للجميع وكذلك طبيعتها الجيوسياسية.
فوق ذلك وفي الكواليس مع الدبلوماسيين يسأل «علية القوم في الأردن»: إذا كنا سنطرد سفير تل أبيب الآن ماهي الخطوة التي نستطيع إتخاذها إذا إعتدت إسرائيل على الأردن عسكريا مثلا أو عبر ترانسفير؟..كما يسألون: من الذي سيتدخل ويضغط ويتحدث مع الإسرائيليين والعالم لتخفيف معاناة الجرحى مثلا في قطاع غزة او لعودة الماء والكهرباء والخدمات أو لوقف العدوان إذا كان الأردن سيصطف ضد إسرائيل؟
هذه الأسئلة تبدو «منطقية « في الجانب السياسي ومنسجمة مع واقع الأمور وطبيعة الإمكانات وإن كان يمكن لبعض السياسيين وصفها بـ»الإنتهازية» وتبقى بكل الأحوال أسئلة تصدر عن سلطة ولا يمكنها أن تتميز بالشعبية.
لذلك لا يمكن توقع قبول المؤسسة السياسية والأمنية الأردنية للنظريات التي تنصح بالسماح بحريات تعبير في الشارع ضد إسرائيل أو تتحدث عن ترك الإخوان المسلمين والسماح لهم بتوظيف الحدث الفلسطيني او توصي بأ»تكشيرة أو تحمير عيون» في وجه إسرائيل وهي تتسبب عمليا في إندلاع إنتفاضة ثالثة.
بسام البدارين