اسماعيل القاسمي الحسنيخلاف المثل المعروف (رب أخ لم تلده أمك)، لم أجد توصيفا أقرب لواقع لبنان، من عنوان مقال اليوم، وان كان لا يصح في هذا المقام القول: الخطب اذا عم هان، ذلك أن حال لبنان لا يختلف في شيء عن سائر الأوطان العربية، ولكن هذه هي الحقيقة المرة، لقد ولد في زماننا ومن أرحام أوطاننا أعداء للأمة عموما، وللدولة العربية خصوصا، والمصيبة أنهم يتربعون بدعم من العدو الأصلي على سدة الحكم، يتكلمون ويمضون باسم الأمة، ضد مصالحها وضد موروثها الحضاري ومكونات شخصيتها المتميزة، من دين ولغة وقيم، وباتوا سدا قويا يحول بيننا وبين مجابهة العدو ومقارعته، فلا سمحت لنا أخلاق الأمة وقيمها بقتالهم، ولا أمكننا تحمل استباحة العدو لمحارمنا وحرماتنا؛ هذا الوضع الدقيق والمحرج ساهم بشكل لافت في استبقائه زمرة علماء هذا الزمان، التي آلت على نفسها عدم الخروج من فتوى الغسل ورضاعة الكبير وهل يجوز للمرأة السياقة، اختاروا دس رؤوسهم في الرمال بحجة الخوف على حياتهم أو زعمهم (أسمعت لو ناديت حيا)، غافلين كما أشرت مرارا، أن ذكر موسى في القرآن ليس عبثا، وحين كلف بدعوة فرعون، ففي علم الله الأزلي لن يؤمن فرعون، ولو فرضنا أن الأمة أو قادتها قد نزلا الى درك فرعون، فالعلماء ملزمون بتبليغ رسالات الله، والقول بأن الكل يعلم الحق ولا حاجة لنا بالدعوة اليه، فمن المعلوم عقلا ومنطقا أن فرعون يعلم في قرارة نفسه أنه ليس إلها، وأي أبله يتوهم غير هذه الحقيقة. لكن ذلك لم يكن حجة لعدم ارسال موسى، كل هذا مع وجود الفارق طبعا الذي يمنع القياس، وانما للتوكيد على تقصير العلماء في حق الأمة بحجج واهية.
وبالعودة الى لبنان، فان يختلف معك الآخر في الرأي، على قاعدة السعي الصادق من أجل المصلحة العامة، فذلك أمر طبيعي بل ضروري، وذلك ما أشير اليه في الدين الحنيف بأن الاختلاف رحمة، ذلك أن اختلاف الآراء يدل على تنوع الزوايا، ما من شأنه عند تلاقحها أن ينتج رؤية أعمق وأشمل وأقرب الى الصواب، كل ذلك شريطة أن يكون تحت مظلة قيم الأمة وداخل حدود مكونات شخصيتها المستقلة بثوابتها المتفق عليها، بيد أن الخروج عن هذه القاعدة لا يطرح أسئلة وانما يوجه اتهاما صريحا للفاعل، مهما تحجج أو تذرع؛ وعلى تواضع مداركي وقلة معلوماتي، يمكنني الجزم أن من بين المسلمات في مجتمعاتنا، عقيدة وان شئتم عرفا، أن المسلم مؤتمن (كان شيعيا أم سنيا أو لأي طائفة أو مذهب ينتمي)، وليس مسموحا اتهامه من دون أن يكون هناك دليل قطعي غير قابل للنقض، تقابله كذلك عقيدة حسب النصوص القرآنية، وان شئتم كذلك عرفا وتراكم خبرة، أن أشد الناس عداوة لهذه الأمة (بكل طوائفها) اليهود، فضلا عن الصهاينة منهم، من يخرج عن هذين الحدين هو المتهم وليس من بقي داخلهما، ومن يحتاج للاستدلال على صحة هذه القاعدة، فعليه حقا أولا مراجعة انتمائه لهذه الأمة وانتسابه لهذا الدين، فهو أحوج ما يكون ليعرف من يكون وأين يقف تحديدا.
الخلاف في لبنان حول مقتل رفيق الحريري، والمحكمة الدولية، خرج أحد أطرافه عن هذه القاعدة، لم يعد البحث بشأنه يستند حقا للصالح العام، ولن أناقش هنا تلكم الكائنات التي نبتت كالفطر بجوار ساق شجرة الحريري الوافرة المال، فهي شخصيات مع احترامي نكرة تبحث عن مكان لها في الفضائيات والساحة السياسية، لتعيش حلم لعب دور في المعادلة الوطنية والاقليمية، وبما أنها لا تزيد شيئا ذا قيمة بالنسبة لجانب المقاومة، اختارت أن تكون من جند الامبراطورية المعاصرة للولايات المتحدة، يستثنى وليد جنبلاط صاحب التاريخ السياسي والشخصية المتميزة، اختلفنا معه أم اتفقنا، وكذلك سعد الحريري لا لشخصه، وانما لما كان يمثله والده رحمه الله، كما يستثنى سمير جعجع لكونه استطاع بتاريخه الناصع الاحمرار أن يبدع لنفسه كاريزما خاصة، مع ان هذين الطرفين لا يوضعان أبدا في ميزان واحد بالنسبة، ليس للبنانيين فقط وانما لكل المعنيين، مع نبيه بري أو اميل لحود أو وليد جنبلاط أو الجنرال عون وغيرهم، فضلا عن السيد حسن نصر الله، ثقلا وتاريخا وعملا وامتدادا على الساحة الوطنية والاقليمية؛ المقاومة ومن اصطف الى جانبها تقدم باختصار شديد طرحا لم يخرج على الحدين السابقي الذكر، وكان بامكانها افتعال ذلك، فلا هي اتهمت أحد الأطراف اللبنانية باغتيال الحريري، مع وجود أطراف الى جانب تيار المستقبل، سجل عليها التاريخ مثل هذه العمليات الاجرامية، بل منها من صدرت في حقه أحكام قضائية ثم عفو مشبوه ومبتور، وقدمت قرائن عالية القيمة تفتح بحكم العقل امكانية اتهام العدو الاسرائيلي في هذه القضية، مع أن الأخير معروف منذ نشأته المشؤومة، بسجل حافل بالجرائم عبر العالم، يعترف ويفاخر بها دون أدنى حرج ولا متابعة من المجتمع الدولي؛ في المقابل أدهشني رد أحد العلماء اللبنانيين في قناة العربية الخميس قبل الماضي، استضافه استديو بيروت، حين سئل لثلاث مرات: هل يمكنك اتهام اسرائيل باغتيال الحريري؟ لم يجب الرجل وتملص بشكل قبيح من الرد، وكأنما دعي لاتهام نبي أو رسول، مع أنه في سابق حواره لم ير حرجا في امكانية ضلوع حزب الله في الجريمة؛ ولم أفهم كيف لرجل دين يفترض أنه قدوة، ويعمل بما يعلم من الله، كيف يصعب عليه اتهام اسرائيل، مع شهرتها في هذا الشأن، وكيف طوعت له نفسه، ومن دون دليل قاطع سوى اعتماده على ردود فعل حزب الله العنيفة بحد زعمه، التي استند اليها لتفسير ضلوعه في الأمر، هكذا بكل بساطة.
مع أن الشريعة الاسلامية تحرم عليه اتهام اخوة في الدين رجما بالغيب، وتدعوه ذات الوقت للأخذ بعداوة الصهاينة مأخذ الجد، الا أنه كعالم دين خرج عن هذين الحدين، وجعل من الأخ عدوا يمكن ببساطة اتهامه، ويعتمد في ذلك على العدو الذي نهي أن يولـــــيه شأنه، ثم يزعمون أنهم حماة الأمة وورثة العلم النبوي الشـــريف؛ لا يسع المرء في مثل هذا المقام الا القـــول وقد انقــــلبت القواعد والأمثال في هذا الزمان: رب عدو ولدته أمك.’ فلاح جزائري