عمان-“القدس العربي”: وضع وزير العمل الأردني سمير مراد إصبعه على الجرح الإداري تماما عندما أدلى بتصريح استدراكي أوضح فيه إن مفهوم خدمة وطن، وهو أحد أبرز مشاريع الحكومة الجديدة لن يفرض قسرا على الأردنيين، بل سيتم انتساب الشباب لهذه الخدمة على أساس اختياري.
قبل أيام فقط كان وزراء الحكومة يتحدثون عن عودة خدمة العلم العسكرية الإجبارية ضمن مفهوم مشروع لخدمة الوطن ولكن بإطار مدني جديد ولتعزيز الموارد البشرية وبناء القدرات وفقا لتصريح شهير لرئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز .
آنذاك لم يقل الرزاز أو أي مسؤول شيئا عن الإلزامية أو الاختيار، وبقي الرأي العام تحت انطباع يفيد بأن المقصود هو عودة الخدمة العسكرية الإجبارية .
وعاد الوزير مراد ليتحدث عن الخدمة الطوعية مشيرا إلى ان مشروع خدمة وطن على أربع مراحل وسيشمل عشرين ألف شاب وسينطلق من تفكير جديد بتفعيل الموارد البشرية وتشكيل قوة من العمالة الماهرة تصلح لمشاريع في عدة قطاعات منها السياحية والانشائية بالتنسيق بين المراكز المهنية والقوات المسلحة. ويوحي التفصيل الجديد بأن الحكومة عدلت وبدلت في رأيها .ويوحي بملامح تلك الارتباكات البيروقراطية التي تظهر هنا وهناك بين الحين والآخر بحيث تظهر الحكومة نفسها غير حاسمة في تحديد ما الذي تريده بصورة محددة من مشاريع جديدة تحت عنوان سياسي عريض يشكك به الحراكيون وفي سياق الإلهاء.
عندما تحدث الرزاز عن خطته في الأولويات الوطنية وعد باسم الحكومة بأن يشمل غطاء التأمين الصحي على الأقل وفي غضون عامين 80 في المئة من الأردنيين .وزير سابق أبلغ “القدس العربي” أن نسبة المشمولين من الأردنيين في التأمين الصحي أصلا وقبل حكومة الرزاز كانت في حدود 78 في المئة بمعنى فارق لا يزيد عن 2 في المئة.
المطلوب من الرزاز وفريقه ليس استخدام الأرقام على هذا النحو بقدر ما هو تطوير خدمات التأمين الصحي الموجودة حيث تحديات كبيرة مالية وليست فنية تواجه القطاع الصحي بشقيه العسكري والمدني منذ أكثر من عامين بالتوازي مع زيادة نسبة النمو السكاني.
تحدثت الحكومة عن مشاريع بالجملة من الوزن الثقيل ودون تفاصيل وطالما تحدث الرزاز عن مشاريع مهمة دون ان يعود إليها. ومن أبرز هذه المشاريع في السياق السياسي الداخلي تلك التي تحدثت عن الانتقال إلى حكومة أغلبية برلمانية قبل مرور عامين، الأمر الذي يشكك الجميع في الوصول الفعلي إليه خلال الفترة المقصودة بسبب طبيعة التحديات التي تواجه البلاد إقليميا وأمنيا وعلى مستوى ترقب ما ستنتهي إليه موجة ما يدعى بصفقة القرن.
وتحدثت الحكومة نفسها سابقا عن مشروع النهضة الوطني لكن بقي الشرح والتفصيل في تلك المساحة المرنة بعدما خلط المفهوم بخطة ترتيب الأولويات الوطنية وقبل ما تشتبك الملفات بصيغة جديدة وعصرية تحدث عنها الرزاز لإنجاز الموازنة المالية الجديدة للعام المقبل.
تظهر هذه المعطيات مرة تلو أخرى أن الفرصة متاحة أمام إطلاق العديد من الوعود والالتزامات مع التريث البيروقراطي والانتظار بين الحين والآخر للتعديل والتصويب أو الإلغاء والتأجيل حسبما يقتضي الظرف.
معنى ذلك ان حكومة الرزاز لا تستطيع لعدة أسباب التقدم بخطة أو رؤية شاملة للنهوض بكل القطاعات دفعة واحدة.
ومعناه وهذا الأهم ان التعامل بالقطعة وليس بالجملة هو الخيار الاستراتيجي المتاح اليوم حيث لا إمكانات مالية أصلا لحسم أي مشروع أو اتجاه استراتيجي وحيث أيضا لا توجد في الأفق امكانات للنهوض الإداري، فقد تحدثت الحكومة عن دولة الإنتاجية وأشارت عدة مرات للتوقف عن المنطق الريعي.
لا أحد يعرف حتى في النخبة والطبقة الحاكمة طريقا يوصل فعلا حتى اللحظة لتدشين خطوط إنتاج لها علاقة بدولة إنتاجية .إلى ان تعرف الحكومة مثل المواطنين يمكن توقع المزيد من الإثارة .
والعناوين العريضة القابلة للتعديل والتصويت والتأخير وبصورة تحسم النقاش والجدل بعنوان صعوبة حسم أي ملف في الحالة الأردنية .والسبب ان مجمل ما يتحدث عنه المسؤولون هي أفكار وطموحات تنطلق من التفكير الرغائبي ومن الإحساس بضرورة إبلاغ المواطن بأن عملا ما يتم تنفيذه في الوقت الذي تتوافر فيه بدائل المصارحة والشفافية بعد سلسلة من الاقرارات بارتكاب أخطاء في الماضي يبدو أنها هي التي تؤدي إلى مشكلات الحاضر والتعثر الإداري والعمل بنظام القطعة والتقسيط البيروقراطي .