صراع حضارات أم صراع عميانٍٍ !

حجم الخط
0

صراع حضارات أم صراع عميانٍٍ !

خميس الخياطي صراع حضارات أم صراع عميانٍٍ ! عند التعرض منذ ثلاثة أسابيع وفي هذه المساحة بالذات لبعض جوانب قضية الرسوم الكاريكاتورية الدنماركية، كانت محاور التناول الاساسية أن كل صورة مهما كان جنسها ومهما اختلفت في مصدرها ليست بريئة في رسالتها وبالتالي وراء كل صورة نجد طابورا خامسا من الصور والآراء والمفاهيم والأحاسيس. والرسوم الكاريكاتورية ـ وخاصة الكاريكاتورية بالذاتـ تحمل في جوانيتها، إضافة لدلالات الجمال/القبح وهي جد ذاتية رغم ما قد يضفي عليها من موضوعية في تغيير الملامح، مفاهيم وتصورات مستقاة في الغالبية منها من الموروث الجماعي لمصدر الرسالة… والرسوم الدنماركية لا تختلف في هذا إن في جانبها السياسي اليميني الموجه لعموم الدنماركيين أو في تصوراتها الثقافية للآخر كلأقلية المسلمة المقيمة علي أرض هذا البلد والتي قد ينظر إليها علي ما ليست هي تماما كما حدث للوزير الأول أولف بالم الذي اغتيل منذ عشرين سنة خطأ لأن القاتل ظنه بائع مخدرات بحسب ما بثته التلفزة السويدية منذ أسبوع… من هذه الزاوية قواعد اللعبة معروفة ولا يجب أن تؤخذ الأمور علي غير حقيقتها إن وجب التريث وإعمال العقل والرأي حتي وإن تعلق الأمر بالمقدس.إبتسامة نانسي ومحاكمة صدام فلو وجهنا نظرنا إلي غير الرسوم الكاريكاتورية التي غلب علي إشكالية تعاطيها طابع التعدي علي القدسي ـ وليس في ذلك أدني شك ـ طابع قدسي بث في الموضوع الشعور بالإهانة وهو شعور معاد للرصانة والتروي ومغذ للتطاحن والتباغض مهما يكون مصدر الابتزاز الذي ابتز معني المحاورة ونظرنا إلي مثال مبتذل في أحد الكليبات المعروفة في العالم العربي وهو للمغنية نانسي عجرم ومن إخراج اللبنانية نادين لبكي وعنوانه قلت آني كده . بهذه الومضة الغنائية بنت البلد الحبوبة تطل من الشباك و… و… إلي غير ذلك من المشاهد التي نعرفها والتي تبعث بنا إلي الأحياء الشعبية المصرية وخاصة في القري والأرياف كما صورتها في تقليديتها السينما المصرية منذ حمام المخرج محمد كريم. إحدي اللقطات نري فيها نانسي وهي أمام طشت الغسيل وتدلك اللباس بيديها. وهي كذلك إذ ترمي عليها ثلاث دجاجات بيضاء من الجانب الأيسر للصورة. الأمر كله في ثلاث لقطات. اثتنان بهما نانسي والطيور وأخري اعتراضية وكبيرة لنانسي وهي تضحك. وفي هذه اللقطة يكمن الفارق. فحينما نضع اليوم في البال مخاطر الدجاج والفراخ وغير ذلك لسبب أنفلونزا فايروس H5N1 وننظر إلي اللقطات الثلاث وعوض أن نفرح ونبتهج لفرحة وابتهاج نانسي، نخاف عليها ومنها لولا وجود اللقطة الإعتراضية التي نري فيها الفرحة والبهجة بصفة معاينة. الصور أو الرسومات تقول عادة أشياء لا علاقة لها بالقراءة الأولي والأولية لأنها بحسب عديد الدراسات السيكولوجية واللسانية هي اللغة الأولي للإنسان حينما أراد الخروج من مرحلة الشفوية وانتقل من قل/اسمع إلي ارسم/اقرأ . من هنا يأتي الثراء في القراءات لأنها فعل إرادي. مؤخرا بثت كل من الجزيرة والعربية والعالم وبصفة مسجلة مرافعة المدعي العام العراقي في قضية محاكة الرئيس المخلوع صدام حسين. في القنوات الثلاث، الصورة والصوت لم يتغيرا (حتي وإن اختارت العربية اسلوبا في فصل النقل المباشر عن التلقي المباشر بفضاء به صحفية ومعلق). إلا أن كل قناة اختارت لها زاوية في القراءة لنفس الصور ونفس الصوت. واحدة كتبت تحت الصور الإدعاء يعرض مستندات يقول انها تدين المتهمين في قضية الدجيل . الثانية كتبت محاكمة صدام.( عودة إلي السطر) وثائق: 36شخصا تمت تصفيتهم اثناء التحقيقات ودون عرضهم علي المحكمة . الثالثة كتبت بدورها الإدعاء يعرض مستندا يثبت أن 36 (بالأرقام الهندية) شخصا من الضحايا ماتوا تحت التعذيب . الإختلافات طفيفة وإن كانت جوهرية بين القول بالإدانة والتصفية وإثبات الموت. لنذهب إلي أبعد من ذلك. حينما يقرأ المدعي العام العراقي بعض المستندات فهو لا يقرأ في بعض الأحيان ما نقرأه نحن. هو يقرأ مجلس قيادة الثورة المنحل ونحن لا نجد المنحل في المستند. هو يقرأ حزب الدعوة ونحن نقرأ حزب الدعوة العميل وبالتالي مستويات الخطاب في الصورة (خاصة إن أضفنا إليها الصوت) متعددة. وكل خطاب يغني علي ليلاه…صور من اليمن السعيد فيما كانت الجزيرة وفي برنامج ضيف المنتصف تبث حديثا مع الداعية الإسلامي اليمني عبد المجيد الزنداني الذي طلب مجلس الأمن من الحكومة اليمنية منعه من السفر خارج البلاد وهو يقول، مما قاله، أن الرسوم الكاريكاتورية هي من باب الجهل وأن المسألة ليست الرسم بل لأنه لا يقدم رأيا وإنما إستهزاء أو أن الحكومة الأمريكية الحالية أتت ومعها إرث من العداء للإسلام ، كانت القناة الفضائية اليمنية (هوتبورد، تردد 12380) تبث مسجلة مداولات مجلس الشعب. ما شاهدناه ليس نقلا تلفزيا يحترم تعبير مجلس الشعب وكلنا يعرف أن هبة السلطة وعظمتها ووقارها تأتي كذلك من النواميس التي تستعملها في عرض نفسها. كان النقل كما تقوم به تلفزة الجماهيرية وذكرناه هنا أكثر من مرة ويتمثل في أسلوب كاميرات المراقبة التي تسجل كل شيء دون أي تدخل مكتفية بالقراءة الأولي وبأبجدية فقيرة. الحجم الغالب في نقل اليمنية هو الحجم القريب المتوسط بمعني أن المشاهد يشعر بالاختناق لكثرة استعمال هذه اللقطة خاصة وأنها تطل علي جدار خشبي ذي لون بني، الأمر الذي يزيد الرؤية انسدادا… بالمقابل مزايا هذه اللقطة عديدة أولها وأهمها أنك تري جيدا وبدقة ما يحدث بالصورة. أحد النواب يقرأ من ورقة خطابا طويلا عريضا حول أنفلونزا الطيور باليمن. ما يقوله قد يكون مهما وقد لا يكون. وتقييم المداخلة لا يأتي فقط من قيمتها الذاتية بل ـ ونحن في عالم المرئي ـ يأتي مما نري قبل أن تستخلص ذهنيا ما نسمع. النائب يتكلم ويأتينا القطع علي زملائه ومنهم من يتحادثون وكأنهم في مقهي علي ناصية الشارع، آخرون يدخلون ميدان الصورة ويسدون عمقها. نائب يضحك ثم ينظر إلي أسفل ثم يتلاعب بربطة عنقه. ينهي النائب مداخلته ويأتي آخر يظهر بعد ذلك من طول مداخلته (تضمنت عشرين نقطة تضاف إليها عشرة أخري) أنه من المسؤولين في البرلمان. النقطة 18 تقول بأن الفضائية اليمنية بثت لقطات غير أخلاقية (!!!) في حين النقطة 23 تؤكد علي التضامن مع سورية. وما أن قال بأنه انتهي حتي تدخلت يد في كادر الصورة ومدت له أوراقا أخري. فاعتذر واستمر في القراءة في حين ما نراه في الصورة يبين عدم الإهتمام التام بما يجري إذ نري نائبا يلوح بجريدة خارج ميدان الصورة، نواب سبعة في لقطة جماعية وعلي مساحات مختلفة يتندرون. الوحيد الذي نراه وفي لقطات نادرة يستمع إلي المداخلات ويسجل النقاط هو رئيس المجلس محمد الشرفي (علي ما أعتقد). وأنت تشاهد هذه اللخبطة التلفزية التي تأتيك من اليمن السعيد، تقطع عليك الصورة والصوت دفعة واحدة ويطلع رمز القناة مع موسيقاه وبعده مباشرة الإعلان عن الإعلانات… فتستعيد أنت حريتك وتبحث لك عن آفاق أرحم…صراع العميان؟ القناة الثقافية الألمانية/الفرنسية ARTE مازالت تدغدغنا بما تراه صالحا لنا وشكرا لها علي هذا الاهتمام المجاني . وإن بثت الأول من أمس حلقة من برنامج محور حول نشوء الإرهاب بثت فيه فيلمين الأول عنوانه أجانب في الجنة والثاني الإرهاب: لماذا يقتلون؟ ، فإنها بثت منذ أسبوع برنامجا مماثلا تحت عنوان هل يتلاءم الإسلام مع الديمقراطية؟ أدار نقاشه النشط البيئي والنائب في البرلمان الأوروبي وأحد قادة انتفاضة 68 الطلابية الفرنسي/الألماني دانيال كوهين بنديت ومعه القس البروتسطنطي يوهانس فريديريخ ورئيس تحرير مجلة شارلي هبدو الفرنسية السيد فيليب فال ، الصحفية الألمانية من أصل إيراني كاتاجون أميربور والسينمائية الجزائرية سامية شالة والمفتي السابق لمسجد مارسيليا (جنوب فرنسا) الشيخ صهيب بن الشيخ. ولم يتعرض النقاش لا إلي الإسلام ولا إلي الديمقراطية ولكن بقي في نطاق الفعل والفعل المضاد في ما يخص الرسوم الدنماركية. ومن كل المداخلات استوقفتني مداخلة المفتي المودرن في هيئته وآرائه الذي قال ما معناه ان الرسام الدنماركي له الحق في ما فعل لسبب بسيط هو أن الرسول الكريم بعث للعالم وليس للمسلمين فقط. وبالتالي من حق أي كان أن يقول رأيه فيه وأن يبين تصوره له. وأضاف أن ليس علي المسلمين أن يمنعوا الآخرين من إبداء نظرتهم. هذا الموقف الشجاع والجريء لم يجد أمامه إلا ترهات فيليب فال في الدفاع عن حرية الرأي ولم يغفل مرة واحدة الحديث عن الإرهاب وعن إسرائيل في ما بقي القس خارج اللعبة ينظر ويؤكد علي أن فصل الدين عن الدولة هو في صالح الدين أساسا لأنه يحمي الأقليات. الصحفية من أصل إيراني (كما بهمن نيرومند مخرج الفيلم الوثائقي) مالت لجهة كوهين بنديت في ما بقيت السينمائية الوثائقية سامية شالة وحيدة تعكس نبض الشارع العربي/الإسلامي في أحقيته وأخطائه. كان انفعالها وكانت خيبتها (من اليسار الأوروبي) محل رأفة أكثر من التعقل. ولو ألقينا نظرة علي المراسلات الإلكترونية التي تلت البرنامج لوجدنا أن من بين أكثر من 300 متدخل/متدخلة، كان الثلث من أصل عربي/إسلامي وكان اللون الغالب هو أن إشعال النار في الغابة لا يمكن أن يطفأ بسطل من الماء في ما ذكر آخر أنه حينما يذهب إلي القطب الشمالي فإنه يأخذ معه لباسا مناسبا في ما يكون موقف المتطرف الإسلامي المطالبة بذوبان الجليد… موقفان متباينان متوازيان لن يلتقيا… أهذا صراع حضارات أم صراع عميان كما نري ذلك في إحدي لوحات جيروم بوش 1450/1516 وقد كنا حينها نتنفس النسمات الأخيرة للأوج العربي الإسلامي؟ہہہ جملة مفيدة: أن يدخل الطيبون جهنم، فذلك لأنهم لم يسامحوا أنفسهم . روبين ويليام في فيلم ما وراء الأحلام .ہ ناقد وإعلامي من تونس[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية