مطاع صفدي
الإنسان العربي حزين في هذه الأيام، لا يجد له مكاناً في أعياد العالَمَيْن من حوله، لا يعرف كيف يصطنع لنفسه الأمل، وكل ما جنته يداه ليس سوى نفايات البؤس واليأس. ليس كالإنسان العربي، ما بين أنداده، مغترباً عن ماضيه وحاضره ومستقبله، كأنه يحيا في لازمان، لامكان. حياته تلك أشبه بصدفة عابرة، لا يمتلك منها سوى خيباتها. لم يكن سيداً فيها أو عليها، بل كان من أشقى ضحاياها. لا يذكُر منها لحظة حرية، لحظة سعادة، إلا ويتبعها نكسات القهر والغدر والطعن في الظهر، في السرِّ والعلن.
أمست الكلمات الكبيرة ترن في فضائه كأجراس الرعيان المنادية على قطعان الأغنام الهاربة ما بين قطعان الذئاب القاتلة. الإنسان العربي مخيَّر بين أن يكون القاتل أو المقتول. فلا نصيب له بقسطٍ من سلام مع الكرامة، أو من إرادة مع الحرية. ما هو أظلم من كوارث أيامه وسنوات الرداءة والعطالة في شأنه العام والخاص، هو هذا العجز المتفاقم عن تنمية أي دور للعقلانية في قضاياه الوجودية. لم تتفق (الأمة) بعد حول أبسط الأسباب المزمنة في إبطال آمالها المشتركة من حقبة زمنية إلى أخرى، ومن حلقة نهضوية محطمة إلى نكسة جديدة أفظع من سابقاتها. بل ليست المسألة في تعذُّر فَهْم العلل المستديمة أو توقُّع النتائج المحتومة، ولكن في تحويل هذا القلم إلى طاقة منتجة للأفعال القيادية أو الشعبوية المانعة لتلك العلل القاهرة، والحائلة دون وقوع نتائجها المدمرة.
ذلك ان العصر الذي نحياه لم يعد قانعاً أو مقتنعاً بعفوية الحراك الاجتماعي، أو بتلقائيته الذاتية، فقد استجدت ثقافة تقنية تعتقد بإمكانية صناعة المجتمع، فالتربية قبل أن تصبح عِلْماً، كانت واستمرت فناً في صناعة الجيل الصاعد تحت إشراف الجيل السابق، وجعله ينشأ على مثاله، متمشياً بذات الأفكار والمعايير، ومنمَّطاً بحسب نماذجه في السلوك والعلاقات وردود الأفعال. لكن (علوم) صناعة المجتمعات تخطّت التربية التقليدية، بما هي حافظة لتراث الخصوصية الإنسانية لأمة دون أخرى.. هذا التراث المتداول الذي يبدو أنه كان خياراً للأجداد، لن يكون كذلك للأحفاد؛ فهم يتلقونه، مفعّلاً بالهيبة إلى درجة القداسة. ولن يصار إلى إعادة النظر في بعض بدهياته ومسلماته، إلا تحت وطأة التغيير الثقافوي، فردياً أو فئوياً، وحتى جماعياً، مع طرح بدائل مصحوبة ببراهين العقل أو المصلحة، أو إغراء العاطفة وإمتاع التجديد. هذا الفارق ما بين التربية المتوارثة وفن، بل فنون صناعة المجتمع لم تستطع أية تكوينات أهلوية قائمة أن تفرز النخب الواعية لمعانيه.
ما يقال عن مجتمعات الشرق عموماً أنها تكوينات نمطية، أكثر من كونها مجرد تقليدية فحسب. بمعنى أنها لا تفكر، بالأحرى لا تشعر بضرورة التفكير، لأن كل المعاني لديها أمست قواعد جاهزة للتعامل معها. وبالتالي فإن ظهور النخبة لا يعني دعوة للتخلي عن جملة قواعد للفكر والسلوك معينة، والأخذ بقواعد أخرى مقترحة، فالنخبوي لا يبرز في هذه المجتمعات إلا باعتباره مبشِّراً (جديداً) بذات الأنماط القديمة عينها، الراسخة في البنية اللاشعورية للجماعة، وإن صِيغت بألفاظ مستحدثة، وابتكرت مظاهر أفعالٍ ومسالك مغايرة. هناك إذن ثلاثة تحديات بنيوية تصطدم بها كل ثقافة نهضوية، خلال بحثها عن الصيغة المجتمعية الأجدر بحمل أعبائها التاريخية المنشودة. وتتوزع بين رموز التقليدي والنمطي والتنويري. فالرموز الأولى والثانية متداخلة، وقد تشكل معاً أرصدة الرأسمال الرمزي الذي تحدث عنه (بورديو) -ذلك أنها لا تستبدّ فقط بمخيال العقل الجمعي، لكنها تستمدّ كذلك دفاعاتها الغريزية، من كونها متجسدة وفاعلة في معظم مؤسسات النظام العام، فضلاً عن انصياع الأفراد لأوامرها الصامتة، بصورة تلقائية، وليست اختيارية. في حين أن ما تحمله رموز التنوير من التحدي النهضوي، لا يمتلك في أصله واقعاً مادياً أو مؤسسياً. إنه يراهن على واقع لم يوجد بعد. قوته الوحيدة هي في قدرته على التصدي للنمطيّ السائد، على كسر بعض مرتكزاته شبه العقلانية في النفوس، وفي علاقات الأفراد والجماعات البينية، المساندة للنُخَب الجاثمة على صدر شعوبها. كما لو أن التنويري يأتي من خارج الأهلويات، ليزعزع استقرارها على واقعها المتردي البائس. يصطدم بالبؤس العقلي الذي يصير محصّلة التخلف، فهو أقوى الأنماط المسيطرة. يعتاده ضحاياه لدرجة التطوع حراساً على أبواب فلسفته، المنيعة الشاهقة.
من المفترض أن البؤس العقلي لا يبوح باسمه الصريح خاصة عندما يصير نمط الأنماط كلها لحياة الجماعة. فما الذي يجعل أمماً كاملة تستسلم للبؤس، سوى أن البؤس أضحى نمط حياة أليف، ومأهول بالغالبية العظمى من -كل- الناس. هنا يتمفصل بؤس العيش مع بؤس المعرفة. تتضاعف بذلك عقبات السدود في وجه التنوير. فلا يدري من أين يبدأ. هل عليه أن يحارب الفقر أولاً، لكنه لا يمتلك معجزة الإصلاح السريع. هل يبدأ من مكافحة الجهل. بيد أن التنوير ليس تاجراً يبيع سلالاً من المعارف الجاهزة. إنه مجرد صوت في البرية يوقظ النيَّام المخدرين في أصقاعها الخرساء. فماذا يفعل التنوير حقاً في مملكة التنميط الشمولي. هل هو مجرد سائح طفيلي آت من بلاد بعيدة، من ما وراء المحيطات، ليعيد تحرير الناس والأشياء من أنماطها، ويعلمهم كيف يرفعون الأنقاض والنفايات عن مداخل بيوتهم ونوافذهم. ويلقنهم من جديد كيف تنطق ألسنتهم بأسماء الأشياء الحقيقية من حولهم.
هل تكون المسألة هي في غربة التنوير، في عجز النهضة المتكرر والمستديم عن إعادة توطين التنوير في أرض لم يولد فيها أصلاً. لكن ليس التنوير ماركة مسجّلة لحساب حضارة أو مدنية معينة، وإن كانت هي أمه وحاضنته وحارسته الأمينة على بذوره وجذوره في تربتها. وعلى شجرته المثمرة في حديقتها الغنّاء وحدها. ذلك أن فلسفة المدنية لا تعتبر أن التنوير حِكرٌ على أمة، أو نهضة أمة دون غيرها. هذا بالرغم من أن الحداثة لم تقرّ حتى اليوم بوطن آخر لها، غير مسقط رأسها، إلا على سبيل تصدير بعض أفكارها، كشعارات جوالة في فضاءات عالمية، لكن دون إنتاج أفعالها الانعطافية الحاسمة، في غير مجالاتها الأصلية. لعلّ العلّة في هذا هو خوف الحداثة من المواجهة مع تلك الأوطان (الأجنبية)، التي هي حكر على قلاع التنميط الهائلة، وممالكها المستحكمة في بَشَرِها وحَجَرها معاً. ما عدا هذا الخوف فإن فلسفة الحداثة تنكر في ذاتها أيةَ شُبْهة عنصرية سواء في منبتها الحضاري الأول أو عبر سيرورتها التاريخية. لكن المشكلة أن الحداثة ليست جوالة هائمة على غير هدى في أي فضاء كوني لا يعرف لأمته بعد أيَّ عنوان لشخصيتها المفهومية أو لعصرها. مجتمع الأنماط لن يكون سهلاً عليه أن يغدو مجتمعَ الأنوار. هذه حكمة عاميّة ساذجة، ولكنها صائبة. يبقى على أهل الفكر النهضوي أن يفككوا الأسوار الآسرة لكلا النموذجين، وأن يبتكروا جسور التواصل بينهما، فما بين الليل والنهار فارق كلّي، لكن الفجر هو زمن الوصال بينهما. فالتحدي زمني وليس دهرياً أبدياً، والمهم ألا تنسى النهضة لحظتها الفجرية الفارقة بين كونها آتية من ظلام الليل دائماً، ولكنها ماضية إلى ضياء النهار.. حتماً أو احتمالاً، مع الحذر المطلوب، ألا يختلط عليها الأمر، خلال مسيرتها الوعثاء الصحراوية، بين لمعان السراب الكاذب وضياء النهار الساطع. فالأصعب في تجارب الحداثة ليس في اكتشافها عند الآخرين، وحتى ليس في استنبات بعض بذورها في غير تربتها، وإنما بسقوطها في قوالب أنماط معدة لتسليع بضائعها؛ وترميزها تحت أرقام فلكية في بورصة التنمويات الزاحفة كيفما كان، وإلى أي مكان من معمورة البؤس والهوان. المايحدث العالمي هو ابتذال الحداثة تحت حجة إعادة صياغة المجتمعات المتخلفة.. والشرق العربي والإسلامي هو الحقل المميز لمشاريع التحديث الزائفة، لتصنيع عالم من الأنماط الحضارية الجاهزة، موازياً كأشباح هزيلة منعكسة عن أصولها في الغرب (المقدس)؛ هكذا يُراد لنهضة هذا الشرق أن تخسر مقدماً كل معركة تأصيل لنموذج حداثة منبثقة من نوعها الإنساني المختلف، قادرة على منازلة قلاع التنميط في محيطها، فيصار إلى أحباطها وهي في مهدها، وتحويلها إلى إحدى أخطر هذه القلاع وأمنعَها على كلّ تغيير جدّي؛ فيكون على النهضة، الملتبسة المفاهيم والأهداف عند معظم حامليها وأدعيائها أصلاً، أن تكافح نمطية مزدوجة لكل من التخلّف المتجذر والتنمية الزائفة المستوردة. فهذه الأخيرة سريعاً ما تطرح قوالبها الجاهزة، فتتحول إلى مزارع من الأشواك مغطاة بأوراق ورود صناعية. فلن يُتاح للنهضة المغدورة أن تكتشف خديعة التنمية إلا بعد فوات الأوان، بعد أن يتم لها ترسيخ أنماط من المفاهيم والقيم ونماذج السلوك والتعامل التي سوف تستمد استمراريتها من ديمومة أنماط التخلّف عينها التي تزعم إلغاءها. لذلك يأتي هذا الكشف باهتاً عليلاً. تظلّ النهضة إسماً بلا مسمَّى.
البؤس العقلي هو نمط الأنماط كلها، ليس رديفاً لرداءة العيش. لا يرسّخ اعتياد هذه الرداءة والتلاؤم مع ظواهرها الشاذة فحسب، بل هو الذي يجعل كشوف النهضة تمر لمعاتٍ عابرة في ظلام التعامي العام عن الفوارق الصارخة بين أفكار الحقائق البديهية وأوهام بدائلها المتداولة. ذلك أن المجتمعات عندما تكرر العجز إزاء كل جولة (ثورية) أو (نهضوية) ضد القمْع السياسي، فإنه لا يتبقى لها سوى التعامل مع نفايات أحلامها الكبرى المهدورة، كأنها لم تكن يوماً حاملةً لبشائر تاريخية محتومة. أخطر ما في البؤس العقلي أنه منشغل بنسيان بؤسه فقط.’ مفكر عربي مقيم في باريس