‘أنا مش كافر بس الجوع كافر’… بين المستقبل والجديد رمانة وقلوب ‘مليانة’

حجم الخط
0

زهرة مرعي

طلب المواطن الموقوف في مخفر قريته من الخفير أن يسمح له بإحضار كتاب الحقوق من منزله ليتمكن من معرفة حقوقه في السجن. أتى الرد سريعاً كالبرق: إنت بيحقلك تسد بوزك وتفوت تنام وبس. ولمن فاته معرفة ‘بوزك’ المعتمدة في بلاد الشام فهي تعني: الفم.

جاء ذلك في إحدى حلقات مسلسل ‘ضيعة ضايعة’ المنفصل المتصل الذي أخرجه الليث حجو. هو مسلسل سوري اجتماعي إنساني وسياسي يقارب في حلقاته قضايا البشر ومعاناتهم، وعلاقتهم بعضهم بالبعض الآخر، وعلاقتهم بالسلطة من أصغرها إلى أكبرها عبر صيغ غير مباشرة. مسلسل مكتوب بصيغة الكوميديا السوداء التي تسمح لنا بالاطلاع على حالنا وأحوالنا، حيث تظهر انفعالات المتفرج بالضحكة الممزوجة بالحسرة. باختصار ضيعة، أي قرية ‘أم الطنافس الفوقا’ تشكل نموذجاً لمجتمعاتنا العربية، وفي أي اتجاه صوبنا شرقاً أم غرباً أم خليجاً.

القصة وما فيها في الحلقة التي نحن بصددها أن نساء ‘أم الطنافس الفوقا’ تركن منازلهن ولجأن إلى منزل سليم المحامي طلباً لحقوقهن. إذاً قررت النساء إعلان العصيان المدني والاعتصام. أما سليم المحامي فهجر منزله إلى عرزال قريب حفاظاً على سمعة النسوة. قالت كل من بديعة وديبة لزوجيهما أسعد وجودي لما جاءا لدعوتهما العودة إلى منزليهما: ‘المرا لها حقوق مكتوبة بالكتاب عند سليم’. طلب الزوجان ‘الغشيمان’ من الزوجتين الثائرتين تفسيراً لهذه الحقوق؟ فكان الرد: حقي تحترمني. ورددت كل من بديعة وديبة لزوجها ومن نافذة المنزل المرتفعة: ‘بدي حقوقي. ما برجع إلا ما آخذ حقوقي.. حق ينطح حق’. يطلب الزوجان اللذان كاد يهدهما الجوع، السماح من الزوجتين الثائرتين بالقول: ‘الحقوق كلها محفوظة’. لكن الزوجتين لا تصدقان. جاء صالح ‘الدكنجي’ وزوجته زهرة في محاولة صلح. لكن المفارقة كانت في انضمام زهرة للثائرتين بعد أن أقنعتاها بأن للنساء حق الاحترام من الرجال. قال صالح لزهرة ‘إنقبري إمشي قدامي’. ردت عليه: بدي تحترمني ماني رايحة روح بلط البحر بلاطة بلاطة. كان رد صالح تصاعدياً: بتروحي بالسرماية ـ أي الحذاء ـ تهديد لم يأت بمفعول الطاعة.

وبمقلب من المختار ختمت النساء الثلاث ثورة حقوقهن من دون الحصول عليها. فقد جاء المختار ليغري زهرة بالعودة إلى صالح قائلاً لها ‘صالح يحبك والحب أقوى من الاحترام’. وكلمة من هنا وأخرى من هناك لعب المختار ـ رمز السلطة ـ بعقول النساء، فكت الثورة وبقيت ذكراها. وكان نصيب سليم السجن. فقد جاء المخفر ليقول للنساء ‘كش’ فهن سرب دجاج بنظره، ويقتاد سليم المحامي مخفوراً إلى السجن. ومن هناك بدأ سليم المطالبة بحقوقه كسجين رأي. فكان حقه المعلن من قبل الشرطي: تسد بوزك وتفوت تنام. أما الكاتب والمخرج فقد اكتفيا بوضع كادر على الشاشة يقول: ‘وهناك حقوق أخرى للمواطن العربي ليس من مجال لذكرها الآن’. المواطن العربي في وقتنا الحاضر في حالة غليان. يطالب بحقه بالعيش بكرامة، يطالب بحقه بالطعام، ويطالب بحقه بالعمل. أما حقه الدائم والأبدي فهو حرية التعبير من دون أن يلحق به المخفر ليستضيفه بالقرب من سليم المحامي. قال زياد الرحباني في إحدى أغنياته ‘أنا مش كافر بس الجوع كافر’. فهذا الجوع الكافر ربما يصبح الشرارة التي تحرك الناس من المحيط إلى المحيط. وهذا الحق الأبدي بحرية التعبير، والمغتصب تاريخياً من قبل الأنظمة سيأتي اليوم الذي تُنفض الغبار عن نظمه وقوانينه، ‘فلا بد للقيد أن ينكسر’ تماماً كما كسرت قيود الاستعمار من قبل. إشكالية الهوية والجمال الداكنطرحت قناة الجزيرة الوثائقية تحت عنوان ‘جمال داكن’ إشكالية يعانيها قليل من المجتمعات الأفريقية، وهي الجنوح نحو التأثر بالإعلانات التي تدعو لتبييض البشرة لدى النساء. في هذا الفيلم الذي وصلنا من غانا كنموذج وعلى مدى ساعة من الزمن دخلنا صلب التفكير الخاص بالمرأة والرجل معاً، واطلعنا على أنماط متعددة من الأفكار والقيم الإنسانية السائدة في المجتمعات الأفريقية. فقد وصلنا وثائقي ‘جمال داكن’ من ضمن الشروط المطلوبة من كل وثائقي، بحيث اطلعنا على آراء متعددة ومن دون تغليب رأي على آخر. أكثر من امرأة مرت على الشاشة لتعلن عن المواصفات التقليدية للجمال كما تراه القبائل في غانا. تلك المواصفات ترى في المرأة الجميلة هي التي لها فراغ بين أسنانها، صاحبة العينين الواسعتين، الحاملة للخطوط في العنق، الممتلئة والمستديرة من دون إفراط في السمنة، باختصار هذا ما يريده الرجل من المرأة المشتهاة بنظره.

أما ثقافة تفتيح البشرة فبدأت تشق طريقها في المجتمع الغاني مع بداية عقد السبعينيات، أي في المرحلة التالية للاستعمار، وهذا ما اعتبرته بعض ضيفات الوثائقي من النساء المثقفات، استمرارا للفكر الاستعماري. واللوحات الإعلانية لتبييض البشرة، ‘ما هي إلا استمرار لهذا الفكر الذي جعلنا نشعر بأن الغرب هو الأفضل. لماذا يسوع المسيح ومريم شقراون وعيونهما زرقاوان؟’ تتساءل تلك السيدة.

في تكرار السؤال على النساء والفتيات من فنانات وجامعيات، الجميع ردد بأن الرجال يفضلون المرأة البيضاء. وبعضهن أعطى مثلاً لمسلسل تمّ عرضه مؤخراً يتقاتل فيه ثلاثة رجال سود على امرأة بيضاء. هكذا صارت الدراما تعبث بثوابت وتقاليد النساء والرجال معاً. فثمة شريحة في كل مجتمع تعاني من اهتزاز في الهوية، في حين أن مجتمعات أخرى أو نساء أخريات يجدن أن عالم المال والأعمال الذي يديره الرجال هو العابث الأول بالقيم والتقاليد والمعتقدات، وهو المؤثر في اهتزاز الإيمان بالهوية القومية. تقول سيدة مثقفة ان رجال المال والأعمال يتهافتون لدعم مسابقات الجمال منذ سنوات طويلة في أفريقيا، في حين هم يتوانون عن مساندة أية برامج تعمل لدعم توجه الأطفال نحو المدرسة. وتحدد تلك السيدة نوعية النساء المقبلات على تبييض البشرة: إنهنّ النساء الأقل تعليماً. وتقول أخرى متسائلة: هل نجحت أوبرا وينفري بسبب بشرتها أم بسبب ما فعلته؟ وتتابع: هو أمر سخيف أن تعمل المرأة لتصبح بيضاء بهدف أن يُعجب بها الرجل.

هي إذاً معركة هوية بنظر العديد من النساء، ومعركة جمال بالنسبة لأخريات تنازلن عند رغبة الرجل. ولأن التبييض يتسبب بسرطان الجلد بعد إزالة طبقة منه بواسطة مادة الهيدروكربون الضارة، التي تترك العروق ظاهرة والندوب منتشرة، ففي غانا حملات توعية للحد من هذه الظاهرة، وللحد من عدد النساء اللواتي يتلاعب الإعلان بعقولهن ويعرض صحتهن للخطر. وفي غانا مجلس وطني ضد التبييض إذ تقول سيدة: هذه هي معركتي ضد التبييض وسوف أستمر في خوضها. كما وتدعو امرأة أخرى لتعزيز الثقة بالذات وبالهوية وتقول: يجب أن ترى نفسك جميلاً حتى يراك الناس كذلك.

في هذا الوثائقي كنا مع أفكار متناقضة، لكن السؤال عن الهوية يبقى الأساس، وكذلك معرفة أهداف عالم المال والأعمال الذي يديره رجال، والذي يرغب بالتلاعب بعقول النساء اللواتي يصح فيهن المثل ‘لا تهزو واقف ع شوار’. رابعة الزيات وزاهي وهبي: الجديد والمستقبل أقاويل كثيرة أحاطت بالإعلامية رابعة الزيات منذ استقالتها من قناة (أن بي أن) وقبولها عرضاً فاجأها من تلفزيون (الجديد) دعاها للانضمام الى أسرة الأخبار. قبلت العرض. انتقلت. تدربت. ظهرت على الشاشة ومن إستوديو الأخبار ست مرات ونالت علامة جيدة. بقدرة قادر عادت واختفت عن الشاشة لتظهر مكانها الشائعات. فرابعة الزيات هي زوجة صاحب (خليك بالبيت) زاهي وهبي الذي يطل على شاشة المستقبل منذ لحظة انطلاقه. وبين المستقبل كتيار سياسي والجديد كشاشة معارضة حكاية مشوقة تظهر فيها الرمانة والقلوب ‘المليانة’ معاً. ومن على الجديد الذي صار البيت الثاني لرابعة الزيات، وتحديداً من خلال برنامج للنشر مع طوني خليفة كان التوضيح ووضع النقاط على الحروف.

أحرج طوني خليفة زميلته التي أجابته بود. وكرر محاولات الإحراج بأن ضغوطاً مورست على زاهي وهبي كي تستقيل رابعة من قسم الأخبار في الجديد، الذي لا يترك تيار المستقبل ينام براحة من شدة اهتمامه به وبالرئيس سعد الحريري، والذي تغدق عليه مقدمات الأخبار التسميات والأوصاف. فتارة هو الرئيس الساكن للطائرة، والرئيس الذي يغط ترانزيت في بيروت، والرئيس الذي يأتينا لتبديل ملابسه، أو سعد الحريري السعودي المعار للبنان برتبة رئيس حكومة. نفت رابعة وجود ضغوط وأكدت أنها وزوجها لا يهتمان بسياسة ‘الزواريب اللبنانية’ ولديهما ثوابتهما المتمثلة بالعداء لإسرائيل ودعم المقاومة، وهي القضايا الوطنية الكبرى التي لا تتبدل لديهما. بكل بساطة أعلنت رابعة أن تركيبتها النفسية تساعدها لتكون طموحة في غير قسم الأخبار، الذي لم تجد ذاتها فيه. لهذا هي تعد لبرنامج توك شو، مغازين من الحياة ونبضه سريع.

وفي آخر احراج سأل طوني خليفة زميلته أين ترغبين في تقديم ديو مع زاهي في الجديد أم في المستقبل؟ وبقيت الإجابة معلقة على ابتسامة رابعة الجميلة.

صحافية من لبنان [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية