■ الحرب الصهيونية الان على غزة كشفت عدة متغيرات في أسلوب التعاطي مع القضية الفسلطينة من قبل العرب، فالقضية التي طالما نشأت عليها أجيال عدة بأنها قضية الشرق الأوسط والمسلمين، ويجب العمل على حلها لم تعد كذلك. الخريطة السياسية العربية منذ ثورات الربيع تغيرت كثيرا، ولم تعد تلك التي استقرت عدة عقود ولم تحدث فيها إلا تغيرات طفيفة. ومع هذه التغيرات كان يجب أن يتم تغير التعامل مع القضية الفلسطينية وإعادة بناء الأولويات بالنسبة للأنظمة والشعوب أيضا.
الحرب الدائرة الآن بلا هوادة وبلا رحمة على قطاع غزة المسالم، كشفت عن تغير فاضح وللأسوأ من قبل الأنظمة العربية، التي لم تكتف بالسكوت وانما أصبحت شريكة في العدوان، وداعمة له حتى لو لم يكن ذلك بصورة علنية، وتباين هذا الدعم من نظام لأخر ومن دولة لأخرى.
في مصر، التي اتخذ رئيسها محمد مرسي موقفا قويا في عدوان 2012، وتمكن من إجبار الكيان الصهيوني على التهدئة، لم تعجب اسرائيل ولا الولايات المتحدة ومعها الأنظمة العربية التابعة، وعلى رأسها السعودية والامارات وهو ما كان سببا للانقلاب على الرئيس مرسي. وحتى ان كانت هناك أسباب أخرى لدى هذه الأنظمة لازاحة حكم الاخوان المسلمين، فان الموقف المصري تجاه اسرائيل كان سببا رئيسيا لحث هذه الدول على دعم الانقلاب العسكري على السلطة الثورية المنتخبة .
الانقلاب العسكري في مصر الذي جاء بدعم اسرائيلي ورعاية أمريكية، عبر عنه الكثير من قادة اسرائيل في تصريحات عدة بشأن دعم عبدالفتاح السيسي في حكمه، وعدم السماح مرة أخرى بعودة الاخوان المسلمين للحكم. اتخذ موقفا مخزيا من القضية الفلسطينية، لم يجرؤ حسني مبارك علي اتخاذه. الانقلاب الذي جاء على جثث الآلاف من المصريين وعشرات الالاف من المعتقلين، خاصة المنتمين للاخوان المسلمين، انحاز منذ مجيئه لاسرائيل ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، وعمل على شيطنة حركة حماس واتهامها اتهامات غير منطقية والتحريض الاعلامي عليها، وجعل قطاعا واسعا من أنصار 30 يونيو/حزيران يتغيرون تجاه القضية، ويفضلون تأييد اسرائيل للقيام بعمليات عسكرية ضد القطاع، اعتقادا منهم ووفق ما يتم بثه اليهم، أن حركة حماس ارهابية وضد مصر، بينما اسرائيل صديقة، وتساعد نظام 30 يونيو الجديد. تلا هذه الحملة الاعلامية الضخمة والمحرضة على القضية الفلسطينية، تدمير الانفاق كاملة التي سمحت بتسهيل حياة المواطنين في القطاع، وتشديد الحصار بشكل غير مسبوق عليه، بالاضافة لتهديد عدد من الأبواق الاعلامية بالقيام بعملية عسكرية مصرية ضد حركة حماس.
موقف مصر لم يكن وحيدا وانما صاحبته أيضا مواقف خليجية داعمة لسحق المقاومة الاسلامية الفلسطينية، لأنها تنتمي للاخوان المسلمين. على رأس هذه المواقف الداعمة السعودية والامارات، لكن يجب الوقوف أمام عدة نقاط تمثل تغيرا جوهريا في تعامل العرب مع القضية الفلسطينية وهي:
أولا: تأييد الأنظمة العربية بصورة مباشرة، خاصة مصر والسعودية واسرائيل والامارات لشن الحرب ودعم اسرائيل في ذلك، بدون خجل وللمرة الأولى منذ تاريخ الصراع العربي ـ الاسرائيلي، حتى لو لم يكن ذلك بصورة مباشرة أو علنية، لكنه يفهم من بين السطور والتعاطي الاعلامي مع الحدث.
ثانيا: غياب أي صوت أو دور عربي تماما أو عرض أي وساطات لوقف الحرب، وعدم وجود أي دعم اعلامي أو معنوي باستثناء قطر التي عرضت مع تركيا الوساطة وتدعم قناتها الجزيرة الفلسطينيين ضد الحرب.
ثالثا: تغير خطاب وسائل الاعلام العربية الحكومية او الخاصة، لمساندة اسرائيل ودعمها وتصوير قطاع غزة بانهم مجموعة من الارهابيين الذين يهاجمون المواطنين الاسرائيليين الأبرياء، ويظهر ذلك جليا في خطاب قنوات عربية ووسائل اعلام مصرية، يدعم مسؤولون فيها صراحة اسرائيل في حربها على غزة بدون محاسبة لا من ادارة الصحف ولا من نقابة الصحافيين، وهي وسائل دعم مباشر وقوي لاسرائيل وأسهمت في تحويل مزاج جزء كبير من أنصار 30 يونيو لدعم اسرائيل في مواجهة الفلسطينيين وتقبل فكرة أن فلسطين دولة اراهابية واسرائيل دولة صديقة يجب الدفاع عنها.
رابعا: قوة الاعلام الشيعي المدعوم من ايران في مواجهة الحرب وفشل الاعلام السني الذي تسيطر عليه الأنظمة ورجال أعمال مقربون منها.
هذا التغيير للأسوأ يوجب صمود الثوار، خاصة في مصر والمقاومة في غزة، لأن الكثير ملقى عليهم بشأن القضية الفلسطينية والحفاظ عليها.
٭ كاتب وصحافي مصري
أحمد القاعود