■ ألمٌ بلغ مداه فاستجمع من آخر الأنفاس صرخة الوجع، ليس رثاء ولا بكاء ولكنه لهاث الروح على جرائم تتواصل، فجريمة قتل محمد أبو خضير عند الفجر يحاول المحتل أن يمحوها بجريمة غزة اليوم، ولكن لكل جريمة حكاية، سواء ارتكبها مستوطن مفتون بالموت، أو جندي استهواه تفوق السلاح وسهولة القتل، ولكل روح حكاية تطير على جناح فراشة وحلم نسجته بقلب عصفور، وجريمة قتل محمد أبو خضير روح الحكاية، وتعيدنا الى نقطة البداية، محتل وشعب تحت الاحتلال.. قاتل وضحيةْ.
كان محمد أبو خضير هناك يعيش على حافة السماء وعلى عتبة الوطن، كان يحمل الفجر بين كفيه، وعلى زغب الحياة في وجنتيه نثر حلم الصباح والأغنيات.. ذاك اليوم ربما كان يريد الرجوع للبيت بعد الصلاة ليغفـــو على أريكة يحرسه صوت أبيـــه، يناديه عبث أخته، وربما أراد أن يقبّل الفجر بيدي أمه.. ربــمـــا أراد أن يرسم الصبح بريشة من حرير.. أو ربما كان يريـــد الصلاة ثم يعرج على حقل قريب، فيغفو تحت ظل زيتـــونة، وهو يراقب الحمام فوق الأقصى حين يطير.. فتح باب الفجر كي يسقي نسائم الصباح، رفع ستارة الليل حاملاً كلمـــات من دعاء بين يديه الصغيرتين، ألقى التحية على الحــمام، وزع البسمة على غيمة شاردة، لوح بيديه نحو البعيد كي يخبر الله كم هو منه قريب. بعينيه الواسعتين رشف الصبح فجراً كي يشهد قدوم الضوء فوق مآذن القدس، أراد الصلاة وهو يعرف أن الصلاة عشق من الروح تقرب.
على بعد همسة ورمشة من عين أمه خطفه المستوطنون… تتبعوا آثار خطواته نحو الفجر فهالهم أن محمداً قريب من الله، جسمه النحيل أغراهم بقتل الصباح على محياه، تركوا الحب في نشيد الإنشاد ولملموا كل شذرات الحقد من سفر التكوين حتى آخر المزامير لينفثوا في وجهه البريء نار الكراهية، حملوا من كل أصقاع الأرض نفايات الموت وبقايا الضغينة وفجروها في جسمه النحيل، سمموا الهواء بأنفاسهم، حجبوا الشمس عن الحقيقة فاسودت قلوبهم، اشمأز الموت من قيح حقدهم وهو يسيل على حافة التاريخ ويلوث الجغرافيا، دلتهم الجريمة إلى الجريمة القديمة، تتبعوا رائحة الدماء على أيديهم وعلى السكين، فدلتهم إلى دير ياسين، سألوا القاتل الأول عن قتلاه فأخذهم إلى بئر طافح بالموت، وهناك حول البئر، قرب الشجر، تحت عين السماء، رموا محمد.. لم يعلموا أن محمداً رآهم حين رموه ورأى خط الدماء يمشي إلى أساطير الأولين.. كان واقفاً هناك في السماء يراقب الموت حين يمضي إلى الحياة.. لم يعلم القتلة أن ثلاثمئة شاهد من شهداء دير ياسين رأوهم وهم يرمون موته بعد ستين عاماً في حفرة أو في بئر أو حتى على جدار أو تحت الشجر.. لم يعلم القتلة أنهم حين يعلنون النصر على جسد غض بعمر الورد سيظلون في ظلام الليل قابعين، أما محمد فهو إلى فجره مضى، انعتقت روحه من خوفها، انعتقت من سماع ضجيج ترانيم الموت الهمجية، انعتقت من آخر صورة لعيون تصب نار الحقد في الجسد، انعتقت روحه من خوف كان يخيم أمام باب الدار وفي الأحجار والأسوار.. احترق الصوت من النداء، ذاب الوجع في الجسد، وذهبت الروح إلى ربها بعد أن أنهكها الظلم والحقد، حامت في سماء القدس حرة، ودّعت حجارتها حجراً حجراً، حطت كحمامة فوق جدار، دخلت إلى الأقصى حيث لا حواجز تحد الروح ولا جنود ولا تصريح ولا أسوار، تبتلت روحه إلى الله مشتاقة، صلت الفجر هناك، مضت إلى غيمة فوق زيتونة، وهناك أغمضت عينيها ونامت.
سال دمه، تشبث بحبات التراب، وصار لكل قطرة من دمه صوت وصدى، صرخ التراب: هنا ولُد محمد، وعلى مذبح حقدهم قُتل، أرادوا موته ليموت صوته في القدس، قتلوه كي يغيروا الجغرافيا ويزوروا التاريخ، كي يعيدوا ترتيب أساطيرهم الصفراء على دم من سكر، أرادوا أن يحرقوا الهواء الذي تنفسه كي لا يشهد على عذاباته وحقدهم، أرادوا أن يقتلوا حلماً ينغص جولاتهم في المسجد الأقصى بحثاً عن هياكلهم، أرادوا أن يحيوا أسطورة الموت حين أحرقوا محمد، ولكنهم بدون أن يعلموا أيقظوا أسطورة الفينيق في شعبه.
دم الشهداء لا يموت ولا يذبل، دمه في شعفاط ينادي ويرتد الصدى من أوسلو الى رام الله صارخاً: لماذا تركتم القدس وحيدة، والقدس قريبة وعلى مرمى حجر!؟ لماذا سورتم أحلامنا بزبد الطاولات المستديرة؟ لماذا هربتم من الجغرافيا وتنصلتم من التاريخ واختبأتم وراء الأوراق الصفراء؟ لماذا قدستم حبر المعاهدات عندما تمادوا على دمنا واحرقوا هواءنا؟
لم يجنحوا للسلم فلماذا أعطيتموهم غصن الزيتون حتى استعملوه عصاً في وجهنا، وسوطاً على أجسادنا، وفأساً لقطع اشجارنا؟ لم يحفظوا العهد ولا المواثيق، تلاعبوا بالكلمات كي يسرقوا النهار من سمائنا ولووا عنق الحروف كي يرسموا سلامهم بدمنا، فإلى متى ستلوكون الكلمات كي تبرروا عجزكم أمام ما يجعل الروح تذوب ألما؟ إلى متى سيبقى صمتكم ملاذاً للمستعربين والمتطرفين كي يحرقوا أرواحنا على نار هادئة؟ لماذا لم تحاولوا أن تجرجروا القتلة مسربلين بعارهم إلى محاكم جرائم الحرب وجرائمهم تسيل من نخلة على شواطئ غزة الى كرمة في جبال الجليل؟
قتل محمد قبل أن يعرف دمه الجواب.. مات محمد وترك الأسئلة معلقة في رقابنا.. محمد شهقة حياة سالت كدمعة بين وجعين.
٭ كاتبة فلسطينية
سعاد قطناني