حوار: تهاني فجر: يمتلك الأديب ناصر الظفيري تجربة ثرية تربو على نصف قرن وتتوزع بين القصة والرواية وبعض الشهر، ويعكف الظفيري المقيم في كندا حاليا على كتابة رواية جديدة يتناول فيها تجربة الغربة بما تحمله من علاقات إنسانية متشابكة، وهو يدعو دوما لتحرر الكاتب من الظروف السياسية والاجتماعية المحيطة به. وفيما يلي نص الحوار الذي خص به القدس العربي.
* أبدأ بروايتك الأولى «عاشقة الثّلج» (1992)، كيف استطعت تناول مجتمع لم تعش به قط، وكم استغرق منك الوقت لقراءة تاريخ الأكراد السياسي والاجتماعي؟
** في «عاشقة الثلج» حاولت تناول فكرة خطر الأنظمة الشمولية التي تدّعي النضال ضد الاستكبار والاستيلاء العالمي على مقدرات الشعوب، رغم أنها تمارس ابشع صور استلاب الانسان العربي الخامل والمنصاع دائما لفكرة الغالب والطاعة كجزء من تركيبته النفسية.
كان النظام العراقي يمارس كل ذلك قبل أن تنقلب صورته في أعين عشاقه وكان الأكراد يتعرضون للكثير وهم تحت حكمه، ولكن المصادر المتوافرة عن هذا الشعب كانت قليلة واعتمدت في أكثر مصادري على الخيال ،خصوصا وأنني لم أزر العراق في حياتي لا جنوبا ولا شمالا.
وكنت اعتمد على الخرائط لرسم المدن والمسافات الفاصلة بينها، وكانت الرواية تعتمد على جزء أول وهو الطغيان الداخلي الذي يمارسه الطاغية في الداخل قبل أن تتوسع أطماعه للخارج.
وفكرة الرواية كانت في ذهني عام 1989 حين زرت لندن وكان المعارضون العراقيون يعرضون صورا وفيديو لأطفال قرية «حلبجة» الكردية التى تعرضت للهجوم الكيمياوي، لكن الصحافة العربية تجاهلت هذا الأمر لأسبابها الخاصة يومها.
* كيف تفسر الإقبال الكبير على روايتك الأخيرة (الصهد)؟
** الصهد هي الرواية الأهم بالنسبة لي، وجاءت بعد صبر طويل على فكرة التكوين الأول لقضية البدون في الكويت وأسبابها، والحقيقة كان الاقبال مفاجأة كبيرة بالنسبة لي، فقراء الأدب الجاد مقارنة بأدب السوق قلة، ولكن ناشر العمل الزميل محمد النبهان راهن عليه وكان رهانه بمحله حيث نفذت جميع النسخ قبل نهاية معرض الكتاب في الكويت.
* كيف جاءت فكرة الرواية؟
** العمل يتضمن قسمين، الأول كتبته دون تخطيط حقيقي، الفكرة كانت محاولة كتابة تاريخ تكون المجتمع الكويتي بما فيه البدون، على ألا تكون الطريقة سردية تاريخية مملة ومزعجة، وكان لا بد من تحويل التاريخ إلى رواية لا تحويل الرواية إلى تاريخ .
ولأن التاريخ هو مهمة المؤرخ لا الروائي منحني ذلك ميزة أن أضع خيالي الخاص في السرد التاريخي، وكانت الشخصيات التى شكلت هذا التاريخ هي البدو والحضر والفلسطينين وهي الأطراف التى شكلت نسيج المجتمع وشكلت صراعاته أيضا.
في الجزء الثاني كان السرد روائيا بحتا، تغيرت فيه اللغة وطريقة الكتابة وتداخل الأزمان السردية، ولهذا اكتشف القارئ الذي يفاضل بين السردين وكأنهما سرد واحد أنهما ليس كذلك.
* هل تعتقد أنك أنصفت قضيتك (البدون)؟ وهل الأدب قادر على إنصاف قضايا متشابكة كهذه؟
** نعم، البدون قضيتي منذ ولادتي وستبقى حتى مماتي لأنني لا أريد أن أنتمي الى أي مكان آخر، لكنني لست كاتب بيانات أو مقالات صحفية عن البدون، أنا روائي فقط ولا أهتم بمطابقة الشخصيات مع الواقع.
وأعتقد أن الأدب لا يستطيع أن يحل قضية ولكنه بالتأكيد يقدمها بشكل إنساني للآخر، والنص الذي يكتبه الزملاء البدون يترك أثره في الخليج والعالم العربي ويمنح قضية البدون مساحة أكبر من التعبير وتهميشهم سبب في مواصلة عملهم، الأدب بشكل عام هو الصورة الأنقي لطرح قضية والأكثر صدقا حتى حين نختلف معه أو مع مضامينه لأن القارئ يدرك أسباب الكتابة الأدبية.
* كثير من الأعمال الروائية (الشبابية تحديدا) أخذت مؤخرا تتكئ على اللهجة المحكية بهدف البحث عن الشهرة، هل توافق على هذا الأمر؟
** في جميع قراءاتي النقدية للأعمال الروائية أهاجم دائما الإغراق في اللهجة المحكية، وهذا لا يعني ادعاء الالتزام بالفصحى من أجل الفصحى وإنما لعدم تشويه العمل عبر إدخال جمل غريبة على من لا يجيد تلك اللهجة.
الاختلاف بين اللغة العربية واللغات الأجنبية هو أن الأخيرة لا تشكل عائقا أمام القارىء سواء كتبت الرواية في استراليا أو كندا أو شمال الهند، وهذا الأمر غير متوفر في العالم العربي فابن المغرب مثلا لا يستطيع فهم اللهجة الدارجة في الخليج مثلا، قد يختلف معي البعض وأحترم ذلك، إلا أنني لا أرى سببا لانزواء العمل العربي في خانة ضيقة بذريعة «الواقعية».
* متى ينجح الروائي في نقل بيئته وأفكاره إلى الآخر دون مغالاة؟
** حين يكون صادقا، وقد ينجح الكاتب في نقل بيئة وأفكار شعب كامل لا ينتمي له، فواقع السكان الأصليين في شمال أمريكا (المعروفون «جهلا» بالهنود الحمر) لم يكتبه هندي أحمر، بل تم التعبير عنه عبر روائيين مهاجرين أمثال براين موور واميلي كار وكونسيلا وهؤلاء جميعهم ليسوا من السكان الأصليين.
* بدايتك كانت مع القصة القصيرة ثم اتجهت بعدها إلى الشعر ومن ثم الرواية، كيف تفسر ذلك؟
** علاقتي مع القصة بدأت منذ سنوات الدراسة المتوسطة ولم أكن ميالا كثيرا للشعر الذي لم وجدت أنه لم يُعبّر عني كما تفعل القصة أو الرواية لاحقا، لذلك هجرته وهجرني، الشعر بحاجة لإخلاص تام ولم أكن أملك هذا الإخلاص.
لكني كتبت الرواية في العشرينات من عمري، لكن ما كتبته لم يكن ناضجا ولم يكن الوقت مناسبا لنشر رواية عديمة الخبرة في ذلك الوقت ، لذلك نشرت بداية مجموعة قصصية ثم نشرت لاحقا روايتي الأولى، واليوم لا أجد مكانا لنشر قصصي القصيرة كما هو الحال مع الرواية.
* هل قدمت لك الرواية ما لم تجده في القصة القصيرة والشعر؟
** بالتأكيد، الرواية منحتني مساحة كبيرة للتجريب في الأزمان وطرق السرد وأصوات الحكي، وهي تقنيات لا يمنحها الشعر وتختصرها القصة القصيرة في حدود ضيقة.
في الرواية أستطيع رسم تاريخ وأبني مدينة وأحرك الزمان إلى الأمام والخلف، وخامة الشعر والقصة القصيرة مكثفة وحادة بينما خامة الرواية منتشرة ومستوية تمنحك القدرة على تشكيلها وإعادة تشكيلها بشكل أفضل.
* تشير في أحد مقالاتك إلى الفجوة الكبيرة بين العمل النّقدي والحركة الإبداعية، ما الذي نحتاجه في العالم العربي ليكون لدينا مستوى نقدي رفيع يستفيد منه الكاتب قبل القارئ؟
** المدارس النقدية في العالم العربي عموما تعاني مشاكل عدة أهمها غياب الرؤية النقدية الخاصة بها كما توحي ظروفنا الثقافية والسوسيولوجية أو حتى النفسية، فنحن ما زلنا نعتمد على الآخر في الطرح النقدي نقلا لا تفاعلا أو معارضة، وأغلب نقادنا نسخ مشوهة من نقاد غرب.
في الغرب مثلا هناك ناقد ياباني وروسي وروماني وفرنسي وكثيرون يشاركون في صياغة غرف المدارس النقدية، لكن للأسف ليس بينهم أي ناقد عربي، فإدوارد سعيد وايهاب حسن مثلا يعتبران ناقدين أمريكيين بامتياز (قراءة ونقدا ولغة).
وفي الخليج مثلا لا يوجد ناقد حقيقي، بل هناك قراءات لدارسي أدب أغلبهم محاط بمرض الشللية والصداقة وحمى المجاملة، وحتى الأساتذة الذين عولنا عليهم لم ينجحوا في طرح مشروع نقدي واكتفوا بالتدريس.
* هل تعتقد أنّ غياب النقد وراء انتشار ظاهرة الورش الكتابية؟
** شخصيا، لست ضد الورش الكتابية إذا تم ذلك بطريقة مدروسة ولمدة طويلة بين مبدع حقيقي ومواهب حقيقية، أما ورشة كيف تكتب رواية وكيف تصبح شاعرا في خمسة أيام فإما من يقدمها مغرور أو من يلتحق بها مغرر به.
فالكتابة الإبداعية موهبة أولا وثانيا وثالثا ثم جهد اطلاعي وقرائي كبير، ومقررات الكتابة الابداعية هي الطريق الوحيد لتطوير مهارات الكاتب الشاب على أن تقدمها جهات ثقافية وتستمر سنة على الأقل وتشترط موهبة الملتحق بها.
* هل ترى أن غزارة الإنتاج هي لصالح الكاتب أم ضده؟
** لا أعول على غزارة الانتاج ولا أهتم بعدد الكتب التى يصدرها الكاتب وإنما على ماذا يكتب، وأعتقد أيضا أن الغزارة تمثل ضياعا في التركيز، وفي النهاية لا يبقى من الروائي سوى عمل أو عملين لا أكثر، وهذا ما نراه لدى أدباء كبار مثل جيمس جويس وصموئيل بيكيت ووليم فولكنر.
* كيف أثرت وسائل التواصل الاجتماعي على العلاقة بين الكاتب والقارىء؟
** العلاقة اليوم بين القارئ والكاتب أصبحت مباشرة وبالتأكيد هناك اختلاف كبير بين انتشار الكتاب في السابق واليوم، وحين نشرت رواية «سماء مقلوبة» (1995) محليا لم أفكر في إعادة طباعتها إلا بعد أكثر من عشر سنوات، وعلاقتي مع قارئها الآن تختلف تماما عن علاقتي معه من قبل.
وهذا التواصل الاجتماعي يمكن تحويله إلى تواصل ثقافي يقدم من خلاله الكاتب عمله للقارئ ويتلقى رد فعله بشكل مباشر، وأعتقد أنه من الضروري اليوم أن يكون للناشر والكاتب طرق تواصل مع القارئ في كل مكان.
* لكن كيف تفسر مساهمة هذه المواقع في انتشار عدد كبير من الأعمال ذات المستوى المتدني؟ وكيف يمكن الحد من ذلك؟
** هذا طبيعي وهو ليس في العالم العربي فقط، ففي الغرب ينتشر الكتاب الأقل قيمة من الناحية الأدبية أضعاف المرات التى ينتشر فيها الكتاب الجيد، وحين أراقب ما يقرأه الناس في وسائل النقل لا أجد كتبا ذات قيمة إبداعية حقيقية، وغالبا ما تقدم الجوائز الأدبية سوق توزيع للكتاب الفائز لفترة من الزمن ثم يختفي الكتاب إلى الأبد.
فحين فازت الأديبة الكندية أليس مونرو بجائزة نوبل (2013) صرح ناشرها بكلمة مؤلمة بقوله «علينا الآن أن نخرج كتبها من المخزن!»، فلم يكن أحد يقرأ مونرو سوى دارسي الأدب وبعض الأقليات الثقافية المهتمة، واليوم من يقرأ «الصخب والعنف» لوليم فوكنر؟ بالتأكيد ليس العامة.
وحقيقة، لا أفضل الحد من هذا الأمر، بل هو جيد لتفعيل القراءة والارتقاء بمستوى القارئ، فاليوم تنتشر أندية القراءة وهي تقرأ الأدب الجيد وتناقشه، وسينضم لها قراء هذه الأعمال غير الجيدة في يوم ما.