غزة في البورصة الاعلامية السورية

حجم الخط
3

من حق السوريين المكلومين أن يشعروا بظلم إضافيّ فادح وهم يرون إلى موجة التعاطف والتضامن الشعبي والإعلامي الكبير مع غزة. في الأساس كانت المقارنة حاضرة بين ما تعرّض له الشعب الفلسطيني على يد إسرائيل، وبين ما يتعرض إليه الشعب السوري على يد نظامه، وصولاً إلى القول إن إسرائيل، بكل وحشيتها، لم تفعل ما فعل النظام بشعبه. لم يكن الاستنتاج يرمي إلى تبرئة إسرائيل بقدر ما يريد أن يصمَ النظام.
إن أكثر من مئتي ألف شهيد في سوريا، ومئات الآلاف من المعتقلين، وملايين النازحين والعديد من المدن والقرى المدمرة لم يستحق التضامن الذي استحقته غزة. ليست المسألة لعبة أرقام، إن شخصاً واحداً يقتل ظلماً هو رقم أكبر من أن يحتمل، تماماً كما أن «لاجئاً واحداً بلا أمل هو رقم أكبر من أن يحتمل» كما يقول الشعار الأممي المعروف. لكن الدم السوري ليس ماءً، ويستحق على الأقل وقفة مماثلة.
ليس هناك أي مفاجأة في أن يسارع إعلام النظام السوري في التباكي على غزة، فهذه هي ساحته وملعبه الأثير وورقته الرابحة. لكن هذه المرة كان عليه أن لا يعوّل كثيراً في إعلامه على استعمال كلمات من قبيل «الإبادة الجماعية»، «المجازر»، «المذابح»، إذ إن من استعمل براميل الموت المتفجرة العشوائية، وصواريخ السكود على المدن الآهلة، وطائرات الميغ على مخيم اليرموك، ومن شرّد آلاف الفلسطينيين السوريين لا يحق له أن يتحدث عن إبادة بحق فلسطينيي غزة.
إعلام النظام السوري لم يخف وجهة هذا الاستعمال الكثيف لمأساة غزة، لقد أراد أن يدين العرب، خصومه الألداء اليوم، أكثر مما يريد إدانة إسرائيل. لكن بعض أطراف المعارضة السورية وقع في مطب الاستعمال نفسه، فالعبارة الافتتاحية لبيان «المجلس الوطني السوري» تقول «بعد حادثة خطف ثلاثة مستوطنين اسرائيليين لم يعرف من يقف وراءها، وقتلهم في ظروف غامضة لم تتبين تفاصيلها حتى الآن، استغل المحتل الإسرائيلي الحادثة لصبّ حمم الموت على قطاع غزة..». يحاول البيان بالطبع التلميح إلى احتمال وقوف النظام السوري وراء الحادثة. بيان هو أقرب إلى تصريحات دولية اعتبرت أن صواريخ حماس مبرر كاف للعملية الاسرائيلية.
لا أحد يريد أن يقف مع غزة لسواد عينيها. الكل يريد أن يوظفها في إطار مصالحه، وأولهم النظام السوري.

«السومرية» وكيل النظام السوري

بعد كمّ الحذوفات التي تعرّضت لها المسلسلات السورية على قناة «السومرية « العراقية لم يتردد أحد المشتغلين في تلك المسلسلات في وصف «السومرية» بالقول «إنها وكيل النظام السوري». ويعطي مثلاً على ذلك مسلسل «قلم حمرة» (من إخراج حاتم علي وتأليف يم مشهدي) الذي طال الحذف فيه كل «نقد لـ «حزب البعث»، أو المسؤول للأبد، وأوضاع الحكم في سوريا قبل الثورة».
يذكر أن قنوات عربية تراجعت عن بث العمل بعد أن أدرجته في برامجها بحجة أنه «جريء، وغير رمضاني». فيبدو أن العمل كان وجبة شهية لمقص الرقيب، حيث اجتمعت فيه موجبات المنع الثلاث؛ الدين، والجنس، والسياسة.
كذلك فإن مسلسل «حلاوة روح» (إخراج التونسي شوقي الماجري، ونص رافي وهبي) الذي يقدّم على القناة ذاتها تعرّض هو الآخر «لحذوفات تتعلق بما تتطرق له الشخصيات تجاه النظام السوري، أو تتطرق للتورط الدولي الأمريكي أو الروسي في الشأن السوري وتغذية التطرف والعنف في سوريا. وهناك حذوفات لحوارات حول أوضاع الناس في البلد ومعاناتهم، وحول انقسام الناس». وذلك حسب مشتغل في المسلسل فضّل عدم الكشف عن اسمه. وهو قد أشار بدوره إلى عبارات مبتورة كثيرة تسيء إلى سياق حوار الشخصيات، بل لقد تجرأت «السومرية» وجعلت مشاهد بحالها صامتة، قد تصل مدتها إلى أربع دقائق. باختصار «كل ما يتعلق بممارسات النظام من عنف وتعذيب وتشريد لم يبق كما صنعناه. لعب المقص فيها ببشاعة واضحة».

مستقبل دريد لحام

منذ زمن بعيد بات مستقبل الممثل دريد لحام وراءه. لقد فشل دائماً فشلاً ذريعاً في أن يعود إلى «غوار الطوشة»، الشخصية الشامية الشهيرة في مسلسلاته القديمة بالأبيض والأسود، والتي حققت له شهرة ما زال يعيش منها إلى اليوم. لكن دريد اليوم، وهو يؤدي دور يهودي شيخ كار النحاسين في دمشق في مسلسل «بواب الريح»، يفشل حتى في أن يكون ممثلاً. أداء باهت، من دون تعب أو اشتغال، وجهد متواضع لا يتناسب مع شخصيتة المحورية في العمل.

حلم سارتر

يصعب أن يقع المشاهد في غرام أداء الممثلة سلافة معمار في مسلسل «قلم حمرة»، هي التي تألقت في أعمال سابقة من بينها دورها في مسلسل «تخت شرقي». ربما يعود السبب إلى «النقّ» المتواصل، إنها تقريباً لا تفعل شيئاً سوى النقّ. شخص ملول وممل، لا يعجبه العجب. شخصية يبدو أن حلمها أن تكون سارتر عصرها، وتفهم أن الثرثرة والسفسطة والتلاعب بالكلام هو الفلسفة، أو هو خلاصة الثقافة. ليس هذا كل شيء عن «قلم حمرة»، لكن في مسلسل يعتمد على بطل وحيد طاغ يصبح لأداء البطل دور كبير في وقوف المسلسل أو سقوطه، أياً كان النص، أياً كان الإخراج.

غاب العلم السوري عن «باب الحارة»

إذاً فقد غاب علم الاستقلال السوري عن مسلسل «باب الحارة»، الحارة التي امتلأت في الأجزاء الخمس السابقة من المسلسل بالعلم ذي اللونين الأخضر والأسود والنجمات الحمر الثلاث باتت اليوم بلا أعلام. جاء ذلك بتوجيه مكتوب تسرّب إلى الصحافة من قبل بأن يحذف العلم من المسلسل، ذلك لأن العلم بات ومنذ الخامس عشر من آذار/مارس 2011 علم الثورة السورية، وهو ذاته رُفع على كرسيها في الجامعة العربية وفي غير محفل دولي. لا يهتم النظام السوري بأن يكون قد زوّر مرحلة من تاريخ البلد كما تبدو في عمل تلفزيوني، ولو أن هذا برمته عمل مزور لا يمتّ إلى الواقع بصلة. هذا هو معنى النظام الشمولي، أن تصل يد النظام إلى حيث يريد، إلى التاريخ والجغرافيا وأحوال الطقس وحتى إلى رؤوس البشر التي تكتب وتمثّل وتصنع دراما تلفزيونية.

إعلامي من اسرة «القدس العربي»

راشد عيسى

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية