خليل قانصو ليس من حاجة إلى علم واسع للقول ان السماء العربية باتت ملبدة بالغيوم الكثيفة المشبعة بالرمال، وربما بالسهام والأحجار أيضا، فمن المستبعد جدا أن تمطر ماء يخفف المحل ويروي الظمأ. ولا نضيف جديدا اذا قلنا ان الكثير من الناس يعانون من ضيق الحال ويمورون في حيرة وقلق مما ستأتي به الأيام. ولكن الجديد، من وجهة نظري، هو ظهور الثقوب على سطوح القصور وبروز الشقوق على جدرانها. لعل ذلك دليل على قرب انهيارها، لاسيما وأن أصحابها لا باع لهم، كما يبدو. إذ تنقصهم الروية والحنكة ويجهلون فنّ الترقيع والترميم والإصلاح وفائدته. لقد أسبغت الوثائق الأمريكية التي كشف النقاب عنها مؤخرا، عن مواقف حكام العرب الذين عبروا عنها جهارا ومن دون حياء، خلال الحروب التي شنها الأمريكيون والإسرائيليون، بدءا من حرب الخليج الثانية سنة 1991، على العراقيين واللبنانيين والفلسطينيين، صفة تؤكد اشتقاقها من العلاقة التي تربط هؤلاء الحكام بالإدارة الأمريكية.
ولا ضرورة هنا للتوسع والبسط لوضوح الدلالات والمعاني بعد الاطلاع على عينية الأخبار التي وردت في تلك الوثائق. وجملة القول انه لا يصعب على المراقب استقراء الدور الذي اضطلع به الحكام العرب في سيرورة تهديم العراق وتفرقة شعبه. كما أن بإمكانه استشفاف طبيعة المهمة الملقاة على عاتق بعض المتنفذين في لبنان من حركة الطائرات المروحية التي كانت تنقلهم، أثناء حرب تموز/يوليو2006، بين محط خاص لمثل هذا النوع من الطائرات، داخل حرم السفارة الأمريكية في بيروت وجزيرة قبرص، ومن الاجتماعات التي كانوا يدعون إليها في ذلك الوقت، في دار السفارة نفسها. وفي هذا السياق، يحسن التذكير بالمؤتمر الصحافي الذي عقدته وزيرة خارجية اسرائيل في القاهرة، عشية العدوان على قطاع غزة في 28 كانون الأول/ديسمبر 2008، لما ينطوي عليه من مغزى ينم عن تحول نوعي في العلاقة بين نظام الحكم في مصر من جهة والحكومة الإسرائيلية من جهة ثانية. واستنادا إليه، فإن المعطى الذي يتبلور يوما بعد يوم، والأحداث التي نشهدها في أكثر من موقع على امتداد الساحة العربية، من مشرقها إلى مغربها، تزيده جلاءً، يتلخص بوجود توتر وتناقض فاصلين وقاطعين، بين الشعوب العربية من جهة وتحالف استعماري غربي يضم دولة اسرائيل وتقوده الولايات المتحدة الأمريكية من جهة ثانية. كان على أنظمة الحكم العربية، حيال هذا الوضع أن تختار بين التخلي عن رفاهية العيش والاستحواذ على الثروة ودوام السلطة الوراثية، من أجل مواجهة هذا التحالف على رأس شعوبها في سبيل الحرية والمساواة والوجود المستقل، وبين مواجهة شعوبها مقابل وعود المستعمرين بتقوية أجهزتها الأمنية والمحافظة على جميع امتيازاتها. ومن نافلة القول انها فضلت، بعد حرب تشرين 1973، هذا الخيار الأخير ظنا منها أن اسكات الشعوب بالترهيب والترغيب والأكاذيب، أقل كلفة من حرب التحرير الوطنية، خصوصا أن كل ما من شأنه تخدير الوعي الوطني واعتراض النهضة الشعبية يجلب رضا المستعمرين الغربيين ودعمهم اللامحدود. إذ من المعروف أن هؤلاء يشجعون من ناحية عملاءهم ومحتسبيهم، على ممارسة الاستبداد والقمع وارتكاب الجرائم، بما تقتضيه تلبية أطماعهم، ثم يوعزون من ناحية ثانية إلى أبواق دعايتهم ووسائل إعلامهم، بأن هذه السياسات الشنيعة، ضد حرية الفرد وكرامته، انما تعكس، على حد زعمهم، طبائع الناس في ‘بلاد المسلمين’. فلا يشيرون لا من قريب أو بعيد إلى العلاقة التي تربطهم بأنظمة الحكم القمعية، ولا إلى تأثير القصف والاغتصاب والتدمير والحصارات، في تصرفات الضحايا وفي طرق ترجمتهم لأحاسيسهم بالألم والضيق والظلم. متناسين أنهم تذرعوا بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 بالدفاع عن أمنهم فاقترفوا بأيديهم أفظع الأمور في العراق وأفغانستان وفلسطين، وانهم شرعوا القوانين التي تجيز انتهاك الحريات، والحميمية الفردية، من دون أدلة ثبوتية، استنادا إلى سوء الظن المبني أحيانا على أصل المتهم أو لون بشرته. ضاربين بعرض الحائط الديمقراطية والمساواة والحرية، إلى ما هنالك من حقوق للإنسان التي يبدو أنهم لم يبدلوا بعد موقفهم منها، بما هي حقوق لا يستحقها، من وجهة نظرهم، كل الناس ولكن بعضهم فقط.
ولأعد عودي، بعد هذه التوطئة، إلى مسألة الفتن الطائفية والمذهبية والعرقية، التي يتهدد خطر اشتعالها العديد من الأقطار العربية، بل كلها. لاسيما وان تمييز العدو من الصديق، في هذا المجال صار عسيرا. والشواهد على ذلك كثيرة. خذ مثلا ما جاء في الوثائق الأمريكية الآنفة الذكر، عن وزير لبناني أرسل إلى الإسرائيليين أثناء حرب تموز 2006، بواسطة الأمريكيين ينصحهم بأن لا يقصفوا بعض الأماكن في لبنان لئلا يقف اللبنانيون جميعهم صفا واحدا ضدهم، ومثل وزير لبناني آخر خرج منذ أيام بمشروع قانون يمنع المالك من بيع أرضه، إذا كان المشتري من أتباع طائفة دينية غير طائفته. وللتذكير ان هذا الوزير يدعو إلى ‘نزع سلاح المقاومة ‘ وإلى بسط ‘سلطة الدولة’ على كافة الأراضي اللبنانية. ومن عجائب الصدف أن مشروع القانون هذا يأتي بعد فترة قصيرة من إصدار بعض حاخامات اسرائيل فتاوى تحرّم على اليهود مخالطة الفلسطينيين والزواج منهم وبيع الأرض لهم واسكانهم إيجارا في دور يملكونها. فاللافت للنظر، من خلال مداورة المواجهة الجارية في الراهن بشكل أو بآخر في بعض الأقطار العربية، وفي ظل نظام الطوارئ المعمول به، بين الجماهير الشعبية من جهة وبين السلطة من جهة ثانية، أو المواجهات التي من المحتمل أن تقع نتيجة لتعارض مصالح الطرفين تعارضا كليا، هو أن هذه السلطة لا حيلة لديها إزاء المظاهرات الشعبية احتجاجا ضد سياستها الاجتماعية أو القومية. وانها عاجزة عن التراجع وإصلاح نفسها وعن الاعتراف بالخطأ، وبما يتعدى حدود الخطأ أحيانا. وبتعبير أكثر صراحة، لا ترتكز دعائم السلطة العربية بوجه عام، على شرعية شعبية ولا تنظم المؤسسات الدستورية والأعراف علاقتها بالناس. وهذا ما يفسر أن الأجهزة الأمنية تحتل مكانة مركزية في هرمها. فهذه الأجهزة هي كبيضة القبان التي تضمن لها التوازن والوقوف على رجليها. ولكن يظهر من متابعة الأحداث التي تجري في الوقت الحاضر هنا وهناك، أنه إذا استطاعت الحركات الاحتجاجية الشعبية قلقلة الوضع والإحاطة بهذه الأجهزة أو تجاوز خطوطها أو تحييدها، لاذت السلطة بالقوى الأجنبية. ليس مستغربا إذن أن تتسع الهوة التي تباعد بينها وبين الشعب. وبصرف النظر عن اشكالية نشوء الكينونة الوطنية في القطر العربي، والمعوقات الذاتية الثقافية التي حالت دون اختمارها في الأذهان، بالإضافة إلى الحجر الذي فرض عليها نتيجة للنفوذ الاستعماري، لا جدال في أن الولايات المتحدة الأمريكية تمارس قسطا من السلطة الفعلية في بعض البلاد العربية. فلقد غزت العراق، بحجة أن من حقها اسقاط نظام الحكم واستبداله بنظام ترتضي به. وهو غزو أريد منه ربما أن يكون عبرة لمن يعتبر. ومن نافلة القول انها ترعى في السودان انفصال الجنوب عن الشمال، لا حبا بأهل الجنوب ولا بأهل الشمال. وبالمناسبة ليس ثابتا أن زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان جون قرنق كان يفكر بالتقسيم، هذا من ناحية، أما من ناحية ثانية فلا تزال هناك أسئلة عالقة حول ظروف مصرعه، أي هل أن سقوط الطائرة التي كانت تقله كان مدبرا أم أنه كان كما أعلن، نتيجة عطل فني؟ وما هذا الا غيض من فيض.
لأصل من بعد إلى الإدلاء بدلوي في البحث عن الأبعاد والغايات من تأجيج نار الفتن في الأقطار العربية، وهو بحث سبقني إليه الكثيرون في صحيفة ‘القدس العربي’، التي لم تثنها كما يبدو، الضغوطات ومنع توزيعها وحجب مواقعها الإلكترونية عن إفساح المجال لإبداء الرأي والتعبير عن الأفكار حول التطورات التي تشهدها المنطقة العربية. والرأي عندي أن ما يصبو إليه المستعمرون، وهذا ما أفصحوا عنه بصراحة أثناء ولاية الرئيس الأمريكي السابق، هو إعادة تركيب التجمعات السكانية في المنطقة العربية ضمن حدود كيانات جديدة، كشرط لإضعاف المقاومة ضد هيمنتهم وتغلغلهم. وفي هذا السياق فإن الصدامات التي تحصل، أو التي سوف تحصل لا محالة، بين نظام الحكم من جهة والشعب من جهة ثانية، سواء من أجل مطالب معيشية أو في أطار الاعتراض على تنازلات تمس السيادة الوطنية، من شأنها أن تنهك قوة الطرفين. وفي هذه الحال يزداد ارتهان نظام الحكم للمستعمرين ويرتمي أكثر فأكثر في أحضانهم، ويسلم لهم أمره ومصيره. بمعنى آخر، يتخلى نظام الحكم عن التزاماته الوطنية التي تأتي في طليعتها صيانة المجتمع والحفاظ على وحدته وعلى وحدة التراب الوطني. وما أن يبلغ الوهن منه مبلغا، حتى يسارع المستشارون إلى قرب سريره يقدمون له الأفكار وخطط السياسات ويمدونه بالمال والسلاح لكي يستعيد عافيته وقوته ويحرز نصرا ضد شعبه. وأقتضب من هذه المقاربة لأقول انه في هذه المرحلة من مراحل انحلال الدولة، تتم إعادة هيكلة الجيش الوطني وتستبدل عقيدة الدفاع عن الأمن القومي بعقيدة الدفاع عن أمن النظام، وبالطبع يترتب على ذلك إعداد تربوي خاص لتأهيل المجند من أجل اداء هذه المهمة على أحسن وجه. ومن الطبيعي أن يتلازم هذا الإجراء مع محاولات شق صفوف الشعب وضرب وحدة المجتمع. وأي سلاح أمضى لتحقيق هذا الهدف من بث بذور التفرقة المذهبية بين المسلمين، الذين لا ‘يتعلقون من الإسلام إلا باسمه، ولا يعرفون من الإيمان إلا رسمه’، وإروائها بطريقة غير عادلة، إي أشباع فئة وحرمان فئة آخرى، من المال المتدفق من ينابيع النفط؟ يتوهم نظام الحكم أن نصائح المستعمرين من جهة، وسلوك نهج مذهبي من جهة ثانية، انما يتيح له كسب أتباع أحد المذاهب إلى جانبه، واخضاع أتباع المذهب الآخر لسلطته، والحقيقة أنه يخسر جزءا من شعبه، فضلا عن أن أبواب الأوطان إذا شُرعت أمام المستعمرين، يصعب بعد ذلك إغلاقها. هكذا تتلاشى أواصر الشراكة الوطنية، ويتفرّق الجمع الوطني، مذاهب وأعراقا وطوائف، وتتجزّأ الأوطان إلى كيانات ضعيفة معرّضة للزوال. ولكن إذا كانت خطوط التشقق، كما رسمها المستعمرون بين المذاهب والإثنيات في العراق والسودان، على سبيل المثال، ظاهرة للعيان، فإن وضع المسيحيين العرب، وما يصيبهم في هذه الأوقات على أيدي الآثمين، في ظل ظروف انحلال الدولة العربية المتفاقم، إذ أن كل دولة عربية صارت نموذجا ‘للرجل المريض’، يعكس في الواقع تكالب المستعمرين على الإرث. فأغلب الظن أن الذين يضعون المتفجرات في الكنائس إنما يتوخون من وراء فعلتهم هذه إحداث أوسع صدى لها في البلاد الغربية، بل يمكن الجزم بأن ما يهمهم في هذه المرحلة على الأقل، هو أن تسمع انفجارات الكنائس في بلاد الغرب، انطلاقا من فرضية أن مراحل أخرى سوف تليها، إذ من البديهي أن جريمة قتل عدد من المصلين في كنيسة، ليست بحد ذاتها غاية نهائية، لا سيما أنه يكاد لا يمر أسبوع، من دون أن تقع في العراق أو باكستان أو إيران، جرائم مماثلة أو أكثر دموية تحصد أرواح عشرات المصلين من المسلمين، ولكن القادة السياسين في بلاد الغرب لا يكترثون لها. لماذا إذن خرج هؤلاء القادة، فجأة عن صمتهم وارتفعت أصواتهم بشكل جماعي، عندما امتدت يد المجرمين إلى الكنائس؟ لا حرج، من وجهة نظري، على المراقب اذا اعتبر أن الغاية من ردة فعل الأوساط الرسمية في بلاد الغرب، العارمة على الاعتداءات ضد الكنائس العربية هي، أولا ايصال رسالة إلى المسيحيين العرب تفيدهم بأن الحكومات الغربية لا تنظر إليهم كما تنظر إلى المسلمين العرب. وثانيا التحريض ضد المسلمين ودعم الحملة الهادفة إلى ‘شيطنتهم’، من خلال الإيحاء بأن الجناة هم ‘اسلاميون متشددون’. وفي هذا السياق يلزم التذكير بقضية المهاجرين من أصول عربية، في البلاد الأوروبية. ومهما يكن فإن اختلاق المبررات للغزو والعدوان يكون أسهل عندما يكون جميع السكان من ‘المسلمين’ وليسوا من أتباع ديانات متعددة. وخلاصة القول ان المستعمرين يصطنعون ‘قضية مسيحية’ لكي يستخدمونها، ولكن هل يبطنون نية تدويل هذه القضية ودعوة مجلس الأمن للنظر فيها؟ من يملك الإجابة على هذا السؤال؟ يقول القس الأمريكي مارتن لوثر كينغ: ‘يتوجب علينا أن نتعلم كيف نعيش معا، كأننا إخوة، بدل أن نموت معا، موت البلهاء’.’ كاتب لبناني