رحاب أبو هوشرالصورة تلمع براقة، أضواء كثيفة تنهمر على الشخص، فيدخل نادي النجوم من المشاهير، لا يحدث هذا النوع من النجومية للمفكرين والأدباء والعلماء، هؤلاء ثمة ملابسات كثيرة تعوق نجوميتهم في المجتمعات الإنسانية، ومجتمعاتنا بصفة خاصة. العمل في المجالات الفنية، كان على الأغلب يصنع النجومية، ولم يزل إلى اليوم. يا للحياة ما أصفاها وما أكرمها! تحت الإضاءة الساطعة ثمة بريق فاتن، يخلب ألباب البشر السائرين في الشوارع الملبدة بغيوم السعي اليومي خلف العيش، أشباح قادمة وذاهبة إلى مصائرها، كم هي هزيلة بائسة تلك المصائر، تتطابق مع حيوات أصحابها القانعين بالبقاء على قيد العيش: إنهاء الدراسة، ثم العمل لإيجاد مصدر دخل معقول، يفي بالتزامات العيش وتكاليفه اليومية، وتأسيس أسرة ليدوم النوع البشري، وتستمر الجري في أثر العيش، بوتيرة أعلى وضغوط أكبر، ثم معاناة أمراض الشيخوخة، والموت.
النجومية فرز للاستثنائيين من البشر، بما لديهم من مواهب وطاقات إبداعية، تخرجهم من دائرة الظلال، وتزج بهم في بؤر متوهجة، والفرق بينهم وبين العاديين في مرورهم بالحياة، تحدده كمية الضوء، وما تخلقه من مسافة بين نجم يتربع في الأعالي، وبين من يسيرون على أرض لا يمكن الاطمئنان لثباتها، تنزلق بانتظام لكنه منضبط بإيقاع الرتابة. جموع تتلاقى وتتصادم وجوهها كل يوم، دون أثر أو صدى، أو ما يعلق بالذاكرة أو يحيل لفكرة مرجعية، وصور لمشاهير النجوم، لن يخطئ أسماءهم أحد، يحيطون بنا في وسائل الإعلام، في التلفزيون والسينما، يشبّه لنا رؤيتهم لكننا لا نراهم في الواقع، ثمة ضوء هائل يهبط مثل حاجز فولاذي يفصل ما بين العالمين. صورة النجم أو النجمة، تلتوي لها الأعناق، وتحدق فيها الأبصار، منجذبة إلى الضوء المنثال، تتأمل فيها فكرة الكمال التي تجسدها.
الرقة والجمال والحضور الآسر، ديمومة الشباب والفتوة اللذين نراها فينا وفيمن حولنا يذبلان ويشيخان، حيوية لا نملك مجاراتها، هناءة النظرة واسترخاؤها، هذا الشغف والفرح المستمر، الذي يربك فينا طمأنينة العيش، الثراء وعيش حياة باذخة، قصص الحب والصداقات الواسعة، وكل ما يعني امتلاك مفاتيح السعادة.
هكذا ترشح من الصورة اللامعة حياة متخيلة، كاملة، إلى حد إثارة الحنق والحسد أحيانا، نتأمل في بعض مشاهير النجوم، ممن اصبحوا أيقونات في المخيال الاجتماعي، فلا نتمكن من حشر ما يصيبنا في صورتهم تلك، الكدح والتعب والعذاب والتعاسة واليأس، كلها أشياء لا يعرفها النجوم، إنها من نصيبنا نحن الذين أخطأتنا الحظوظ.
ثم ينهار حلم الكمال، ويقين السعادة، عندما تهاجمنا تراجيدية مصائر بعض النجوم، لتحرمنا تصورا متخيلا، نتشبث به حلما نأمل تحقيقه، أو على الأقل لنبرر من خلاله عدم قدرتنا على الوصول إلى السعادة، فأين نحن من نجوم؟! نقرأ الحدث ونقلبه مرات ومرات، نفككه من الداخل، نحاول أن نبحث فيه عما أفقد هؤلاء الرغبة بحياتهم اللذيذة السعيدة. ما يثير الأسى وربما الخوف، أن نكتشف أنهم مثلنا تماما، مثل كل البشر، حتى القابعين منهم في أكواخ من الكرتون، أو في مدن الصفيح! لم تمنحهم الأضواء والأموال والجماهير المحتشدة، ما كنا نظنه السعادة، أو سعادتهم في الحد الأدنى، بعضهم وهو في ذروة لمعانه، كان يقاوم أحاسيس التعاسة والخيبة والوحدة، وبعضهم تبدت له كلها، في لحظة انحسار الضوء، حتى برق اليأس في عيونهم، وتمدد في أجسادهم، ورسم لهم نهاية قاتمة. كان ينقصهم الكثير، من المؤكد أنهم مثلنا، بحثوا عن السعادة، وطاردوها في عدة دروب، ومن المؤكد أنهم حاولوا استثمار ما لديهم لامتلاكها وشرائها، لكنهم لم يعثروا عليها، ولم يتمكنوا من استدراجها. لم يتوصلوا لما يمكن أن يرتق فجوات الروح، وظلت الريح تخفق فيها، حتى طافت فوقها هواجس التحرر من الألم بالموت.
لم تكن المغنية الفرنسية ‘داليدا’ زعيما عسكريا يمكن تفهم خلفيته القاسية، الممجدة للموت، لتخلخل مفاهيمنا وتنتحر. على المسارح، كانت تلهب الجمهور بجمالها ورقصها وغنائها للحب والحياة، لم يكن قد نقص من مجد شهرتها شيء، وكانت بكامل جمالها وألقها، لما وجدوا قرب جثتها قصاصة ورق تقول فيها: الحياة لا تحتمل! نجمة مرهفة، تأخذنا إلى خديعة الحياة الجميلة، الخفيفة مثل ريشة، المتنصلة من الكدر والحزن والألم، ثم تنهمر صور سعادتها ممزقة فوق الرؤوس، وتغيب. أسى غامض يساورنا ونحن نقرأ كيف قضى النجم الكوميدي إسماعيل ياسين أيامه الأخيرة، أو الفنانة فاطمة التابعي، رائدة المسرح العربي، التي ملأت الحياة الفنية بنجوميتها، كلاهما مات وهو يعاني الإفلاس المادي، وسلسلة من الأمراض، والنسيان التام.
قبل أسابيع، توفيت الفنانة الشهيرة ‘برلنتي عبد الحميد’، كانت من المحظوظين، لنجوميتها في الفن، ولاقترانها بالمشير عبد الحكيم عامر، الضابط في حقبة جمال عبد الناصر. امرأة نالت الشهرة والسلطة في آن معا. وهي وإن تقدمت في السن، فما تزال تمتلك ما يسيل لعاب إعلام، يبحث عن ‘الخبطات’ والأسرار والفضائح، وما يثير فيها أيضا الحنين لبريق مضى. في سنينها الأخيرة، انزوت وحيدة، وكفت عن الكلام، مغلقة أبواب الماضي بقفل، لم تفلح معها محاولات الفضوليين لانتزاع حكايات وأسرار، مقابل شهرة تتجدد وأموال ضخمة. لم تكن يوما زاهدة في الحياة، هل هو زهد الشيخوخة، واقتراب تلويحة الموت، أم أنه زهد العارفين؟
لعل السعادة ثيمة أساسية في لعبة الحياة، لبقاء الإنسان مشدودا إليها، متتبعا خيطها، ما يستدعي منه الإصرار واللهاث. على الأرجح أن بعض مشاهير النجوم أدركوا اللعبة مبكرين، هم لم يعيشوا على هامشها كبقية المهمشين، كانوا في أتون نارها ونورها، وتلوناتها وتحولاتها، وتساقط أقنعتها البراقة العديدة، ورأوا بعيونهم وحواسهم ووجيب قلوبهم، ما لم نستطع. وصلوا إلى القمة، ووجدوها جرداء إلا من الصقيع والموت. كاتبة من الأردن