الساعات الاستراتيجية للحرب

حجم الخط
0

تواصل حماس والجهاد الاسلامي اطلاق الصواريخ على المراكز السكانية في اسرائيل. في هذه المرحلة يوجد لاسرائيل اصابات قليلة، ولكن توجد أجواء صعبة في ضوء الاصابة – المتكررة – لنمط الحياة في اسرائيل، منذ صعود حماس الى الحكم في قطاع غزة في 2007. وحسب مصادر فلسطينية، فقد احصي حتى الان في القطاع أكثر من 125 قتيلا، مئات عديدة من الجرحى ودماء غزيرة، جراء الهجمات المضادة من سلاح الجو الاسرائيل. وقريبا ستقرر حكومة اسرائيل تنفيذ خطوة برية. وتعنى هذه الوثيقة بالعناصر التي تؤثر على البعد الزمني لحملة «الجرف الصامد» وبالتوصيات للمدى القصير.
يخيل لنا، ان من الافضل الامتناع – حاليا على الاقل – عن خطوة برية وانه ينبغي اعطاء فرصة لمساعي الوساطة بل واتخاذ وقف للنار من طرف واحد لفترة قصيرة لهذا الغرض. ومثل هذه الخطوات ستعزز موقف اسرائيل وتمنحها مهلة زمنية عندما تكون مطالبة بردود اقسى لاحقا.

الساعات الاستراتيجية

الساعة الداخلية – تقيس الزمن الذي تنفد فيه، او تتزايد، القدرات والاستعدادات لحكومة اسرائيل لمواصلة الحملة. والمقاييس المؤثرة على ذلك هي: استقرار الحكومة والساحة السياسية، تقدير القدرات العسكرية والسياسية، تقدير الكلفة – المنفعة للحملة، وكذا قدرة الصمود امام الضغوط من الجهات الداخلية، المحلية والخارجية. اليوم، يمنح الجيش الاسرائيلي الحكومة مجال مناورة واسع، ولكن لا يوجد حل بسيط ورخيص لوقف النار من القطاع، ولكل صيغة عملية توجد أثمان ومخاطر خاصة بها. وكلما مر الوقت قد تشتد الفجوات في الحكومة بين اولئك الذين سيطلبون «القضاء على حكم حماس في غزة»، الامر الذي يفترض احتلال القطاع، وبين اولئك الذين سيسعون الى الاكتفاء بوقف للنار على نمط تفاهمات «عمود السحاب».
الساعة المحلية – تقيس طول نفس الجمهور في اسرائيل والضغوط التي يمارسها على القيادة السياسية. المقاييس المؤثرة: الاقتراب أو الابتعاد عن تحقيق اهداف الحملة، توقعات الجمهور، كمية المصابين بين المدنيين وجنود الجيش الاسرائيلي، العبء الاجتماعي والاقتصادي للحملة وكذا الارتفاع في التوتر مع عرب اسرائيل. في هذه المرحلة يوجد لحكومة اسرائيل زمن كبير للعملية، ولا سيما لان عدد المصابين في اسرائيل منخفض، بفضل منظومات الدفاع الناجعة في الجبهة الداخلية. ومع ذلك، فانه كلما مر الوقت سترتفع التوقعات لانجازات أكبر في ضوء الثمن الذي يدفعه سكان اسرائيل.
الساعة الاقليمية – تقيس زمن نفاد صبر الزعماء والسكان في الشرق الاوسط (بما في ذلك في السلطة الفلسطينية) لعملية اسرائيل ضد حماس في القطاع، والضغوط النابعة جراء ذلك على حكومة اسرائيل. المقاييس المؤثرة: شكل تصدي اسرائيل، وضع السكان في القطاع، الضغوط من جانب زعماء الاردن، مصر وتركيا على اسرائيل. لقد بدأت الضغوط على اسرائيل في مستوى معتدل، ومن المتوقع لها أن تشتد في الايام القريبة القادمة. وهكذا مثلا، قال رئيس وزراء تركيا رجب طيب اردوغان في 11 تموز 2014 في اجتماع انتخابي: لا يمكننا أن نطبع العلاقات مع اسرائيل بينما اخوتنا واخواتنا يقصفون ويموتون في غزة. وقال ملك الاردن عبدالله في نفس اليوم ان «التصعيد الخطير سيؤدي الى تشديد معاناة الفلسطينيين وسيمس بفرص العودة الى طاولة المفاوضات». اما مصر فأعربت عن قلقها من التصعيد وبلورت مسودة أولية لصيغة وقف للنار بين اسرائيل وحماس، تتضمن مطلب حماس تحرير النشطاء الذي اعتقلوا في حملة «عودوا أيها الاخوة». وحسب هذه الساعة لا يزال لحكومة اسرائيل وقت كثير للعمل، في صيغة العمل الحالية، ولا سيما بفضل المكانة المتدنية لحماس في الساحة الاقليمية ونهج ضبط النفس لدى حكومة اسرائيل.
الساعة العالمية – تقيس مدى الزمن حتى تآكل صبر الزعماء في العالم، الناس والمنظمات الدولية تجاه عملية اسرائيل والضغط الممارس على حكومة اسرائيل جراء ذلك. المقاييس الاساسية: شكل تصدي اسرائيل للوضع، تبلور اجماع دولي لانهاء الحدث، المعركة في وسائل الاعلام، تقدير توازن أو عدم توازن الرد الاسرائيلي، وبالاساس – كمية المصابين بين السكان المدنيين الفلسطينيين.
واذا كانت اسرائيل تمتعت في الايام الاولى بالتفهم في العالم في ضوء اطلاق الصواريخ على المراكز السكانية في اسرائيل، فاليوم يتم الاعراب امام اسرائيل عن القلق في ضوء الخسائر والضائقة في اوساط السكان في القطاع، كنتيجة للهجمات الاسرائيلية المضادة لمنظومة الارهاب هناك. ودعا مجلس الامن في الامم المتحدة في 12 حزيران 2014 الى وقف النار بين اسرائيل والفلسطينيين وأعرب عن القلق على أمن المدنيين في الطرفين.
وحسب البيان، فان «اعضاء مجلس الامن يدعون الى تهدئة التصعيد، العودة الى الهدوء وتطبيق وقف النار من تشرين الثاني 2012». وتشدد وسائل الاعلام الاجنبية على الفجوة بين كمية المصابين الفلسطينيين وتلك بين الاسرائيليين، وتخلق ظاهرا انطباع المواجهة غير العادلة. في الساعة العالمية لا يزال يوجد لاسرائيل زمن للعمل بالاشكال الحالية، ولكن الاشارات التي تصل من دول العالم لاسرائيل لانهاء الحملة بدأت منذ الان. وهام على حو خاص موقف الولايات المتحدة، المؤيد لاسرائيل، ولكن الذي يعرب عن القلق من استمرار التصعيد. وقد طلب رئيس الولايات المتحدة، براك اوباما، من رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، الامتناع عن مزيد من التصعيد في الوضع (أي الامتناع عن خطوة برية) واقترح وساطة الولايات المتحدة بين اسرائيل والفلسطينيين.
ساعة الخصم – تقيس الزمن، القدرة والارادة لدى حماس والجهاد الاسلامي لمواصلة القتال. المقاييس المؤثرة: احساس الانجاز أو الفشل، الاضرار، تآكل القدرات العسكرية، المس بالدافع، الضغط من جانب السكان المدنيين على المنظمة وغيرها. لا تزال لا توجد مؤشرات على انخفاض في ارادة أو قدرة الطرف الاخر على مواصلة الهجمات على اسرائيل. ومع ذلك، فان كمية الصواريخ للمدى البعيد التي لدى المنظمتين محدودة. وحاليا، ترفض حماس البحث في صيغة لوقف النار، الامر الذي يظهر بان ليس في وسعها عرض انجازات ذات مغزى، حتى وان كانت تظاهرية.
بالاجمال يبدو أنه في خمسة ايام الحملة، عقارب كل الساعات الاستراتيجية تحركت ببطء وبوتيرة مشابهة، والان – تغيرت الوتيرة. لقد حصلت حكومة اسرائيل على حرية العمل من الداخل ومن الخارج. غير أن عقارب الساعات قد تنتقل الى وتيرة عمل اسرع بسبب الظروف التالية:
1.خطوة برية. مثل هذه الخطوة تتضمن اجتياح بري مكثف بل وتواجد (خلافا للاقتحامات) في مناطق في القطاع. يبدو أن ليس في نية اسرائيل تنفيذ خطوة برية لاحتلال القطاع، والتي تفترض استعدادا مختلفا. ومع ذلك، فان كل خطوة برية كثيفة، مهما كانت، ستعتبر تغيير جوهريا في الوقع، في نظر اللاعبين. معنى الامر – تغيير في وتيرة كل الساعات. في هذا الوضع ستتحرك بسرعة الى الامام بقدر ما يكون الوضع البري أعمق، أطول وكثير الاصابات في الطرفين. وينبغي أن يضاف الى ذلك خطر السخونة الامنية في الجبهات الاخرى. الخطر الذي في الانجرار الى خطوة برية واسعة، طويلة ومحدودة في عمقها، ينطوي على أمكانية ان تعلق الحكومة في وضع الاضطرار لانهاء الحملة دون انجازات كافية وبأثمان اعلى.
2.ارتفاع في عدد المصابين وضائقة متعاظمة للسكان في القطاع. كمية المصابين المدنيين والوضع الانساني في القطاع هما عاملان ذوا مغزى في تصميم موقف الساحة الدولية والاقليمية. فمثلا، في اعقاب تقارير فلسطينية، دعت منظمة الصحة العالمية دول العالم الى مساعدة اقتصادية للسلطة الفلسطينية بسبب «انهيار الجهاز الصحافي في قطاع غزة، والنابع من احتدام العنف». وأعرب وزير الخارجية البريطاني عن قلقه من وضع السكان في القطاع. هذا الوضع يزيد اعتبارات اسرائيل في عدم المس بتوريد المقدرات الحيوية الى القطاع. ومن المتوقع لهذا العامل تأثير كبير، كلما استمرت الحملة.
3.ارتفاع عدد المصابين في اسرائيل. مثل هذه الظروف من شأنها أن تقع في الوضع الحالي وبالتأكيد في وضع الخطوة البرية. في هذه الحالة سيزداد الضغط على الحكومة لزيادة قوة الهجوم الاسرائيلي في القطاع، بما في ذلك في الاوضاع البرية الاعمق.

الخاتمة

يبدو أن من السابق لاوانه اليوم الانتقال الى حملة برية. من الافضل منح فرصة لمساعي الوساطة المختلفة. اضافة الى ذلك، من الافضل لاسرائيل أن تتخذ وقفات للنار من طرف واحد في الهجمات على قطاع غزة، تتيح للطرف الاخر وقف النار، لغرض الوصول الى اتفاق، الذي يتطابق وشروط اسرائيل ولغرض تحقيق ارادتها في وقف العنف.
اذا لم تتوقف النار، فان هذا النهج سيسمح لاسرائيل بالحصول على نقطة استحقاق في المحيط الاقليمي والدولي، يسمح بدوره لمواصلة القتال أو اتخاذ اعمال أكثر حدة. اما بديل الشروع الان بحملة برية واسعة النطاق، فسيغير وتيرة عمل الساعات الاستراتيجية ومشكوك أن يسمح بانهاء الحملة في ظروف افضل.

نظرة عليا 15/7/2014

شموئيل ايفن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية