في مجموعة «همزة وصل» للقاصة المصرية حنان سعيد، تمثل لغة الخطاب السردي ملمحا هاما في تهيئة آليات تلقي وتخريج النص الأدبي الذي يعتمد على شاعريته المضفرة بالحس التشكيلي البصري الذي يحول كل المفردات إلى منمنمات تشكيلية حية تتشاكل مع النفس واعتلاجها بالمشاعر المتناقضة التي تفضي إلى حالات من الشجن والأرق والقلق الوجودي.
والتماس بقاع بعيدة تلتقط فيها الروح أنفاسها، وتتحرر قليلا، وهي النزعة التي نراها جلية في غير موضع من مواضع السرد في نصوصها المختزلة المكثفة، التي تتراوح بين كل تلك الحالات المشتبكة بالألم، سواءً من الداخل/ الذات، أو من الخارج/ المشاهدة والمراقبة التي تشتبك أيضا بالتشكيل البصري كما قلنا، والنازعة في أغلب أحوالها إلى التوحد مع أشياء تخرجها من كمونها، وتيسير سبل التواصل، حيث يجسد العنوان هنا ملمحا هاما يربط بين نصوص المجموعة كوحدة عضوية تشي بقدرات الكاتبة على امتصاص هذه التركيبة التي تصنع منها نصها القصصي، وبما يشي بآلية تعتمدها للتأثير على قنوات التلقي التي تستقي آلياتها من خلال هذا النسق، ومن خلال الولوج إلى منطقة مستبطنة من الذات تبغي النصوص سبر غورها من خلال حالاتها المتواترة بالمجموعة.
«فنجان قهوتي الصباحية، دقائق ثرثرة الصديقة الوحيدة عبر الأثير، ترفعني على موجة انتعاش صغيرة.. تؤكد لي أني مازلت قادرة على فعل البوح».. قصة توحد ص10
ذلك البوح الذي لا يستأثر في بعده الإنساني، بكون ساردته أنثى أو تتحدث على لسان أنثى، هو خطاب سردي موجه نحو ذات/ داخل، يدفع بالسرد إلى مواطن أكثر خصوصية تعبر عنه، بنقد الخارج والداخل معا، ويحاول النفاذ من خلال ثقوب شرنقته، أو تلك التي يريد أن يحدثها في هذه الشرنقة، ليجعلها منفذا للهروب من واقع صعب، يجعلها ترتد إلى منطقة الطفولة/ المنبت لتسبر غور الحالة، وتسقط عليها حالتها الآنية، كنوع من الاستدعاء النفسي، كما نجد في نص «باربي»:
«نظرة أمي النارية أسقطت الباربي من يدي.. شوارع نمشيها أنا وأمي.. هي تسرع أكثر ونبضي يتسارع بجانبها.. تسحبني ككيس قمامة.. تمر على نفس الفتارين.. أرمق العرائس بطرف عيني.. يحدجنني في سخرية.. أتفادى نظراتهن، وأهرول في ثوبي الذي يكنس أرضية الشارع» ص21
هنا تبدو الذات الساردة على وعي تام بمأساتها الصغيرة تلك التي تتمثل في استدعائها للعبة التي تمثل حلم الطفولة الهارب، وهي التي تتماهى مع ذاتها الأسيرة لهذا الحلم/ اشتهائها لكي تكون العروس الفخمة الشهيرة باربي، معادلا لما تصبو إليه كي تكون مميزة وجذابة، وليست قديمة ومهملة ورثة الثياب.. ذلك الحلم الهارب الذي ينفذ في قاع الذاكرة، ليمثل هذا الضغط النفسي العنيف، يشكل لغة خطاب تستدعي مجتمعا صارم القيود، وتفرض تلقيا معينا تضغط عليه الدلالات التي يشير إليها النص من خلال التعبير، لتضعه في إطار الأزمة بتجسيد مشهد الهرولة بالثوب الذي يكنس أرضية الشارع، وهي صورة متحركة، لكنها ثابتة في الذاكرة وفي الوجدان، ولها دلالتها النفسي الآنية..
تلك الصورة التي تتطور لتتخذ وضعا آخر وملمحا آخر في نص «مثل القمر»، يبدو فيه الملمس التشكيلي بالألوان التي تلقي بظلالها لتمثل الحلم الذي تريد الذات الساردة تجسيده والتحقق منه:
«وأنا أركب صهوة جوادي بدرقته الحديدية.. تنعكس عليّ أضواؤه الخافتة الزرقاء.. نعم أراها كذلك، فهي ليست بيضاء، لكنها شاحبة، لكنه القمر يختزل كل أضواء السماء.. يشحن قواه بالأزرق، لأنه لون خيالي، شفاف مراوغ، ليس بوسعه اصطياده» ص57
تشتعل هنا طاقات اللون والضوء لتجسد الحلم أو تحاول، لتلمس ملمحا من ملامح الكتابة عند القاصة التي تشغلها مؤثرات اللون، وخطوطه ومساحاته وتوليدات وجوده، ومن ثم الخروج من الحالة النفسية أو الحالة النفسية المضادة لما يمكن أن تؤثر به على المتلقي وهي آلية من آليات الكتابة التي تميز هذه النوعية من الكتابة القصصية التي تعمد إلى تضفير الحالة بعدة عناصر قد تتداخل لتعطي هذا المزيج شبه العبثي الذي قد تصنعه الحالة القصصية أو الباحث عن متكأ آخر من متكئات التخيل لكي تشبع رغبة ما في تحقيق المراد، وهو ما زاوجت به القاصة/ نصها بين صهوة الجواد الحقيقي الحسي، ودرقته الحديدية المادية التي تمثل عنصر الجمود، لكنه الجمود الذي يعكس كل تلك الألوان ويصبغها بلون الحلم الأزرق.. ولا شك أن النص هنا أفاد من الحس التشكيلي على النحو الذي يخدم الحالة ويجسدها على نحو من التفلت والأثيرية، لتقطع الحالة المحلقة هذه المفارقة القاطعة التي ترتد بها الذات الساردة إلى منطقة واقعية، تصطدم بها، ويمنطق بها السرد الحالة المستقرة الثابتة أو المرئية المتجسدة للحقيقة التي تأبى التغيير والعودة إلى تيمة الحلم، لتأتي المفارقة في نهاية النص:
«اكتشفت أنني جريت كثيرا.. لا أرضا قطعت ولا ظهرا أبقيت، فقط انتابني الضجر، بليت إطارات سيارتي، وتقادم طرازها، وقارب وجودها على النفاذ»
هذا الارتداد النفسي الذي يقطعه عنصر الزمن متضافرا مع الدوال على نكوص الذات، عائدا بالذات الساردة/ الأنا إلى منطقة الألم التي ربما يرجع جذرها إلى لحظة ما قبل الولوج إلى النص السردي، ما يعنى الوجود الوهمي لمقدمة مبتورة، لتشكل هذه الجمالية عنصرا مميزا لتقنية الكتابة أو فنيتها على وجه التدقيق، والتي ربما اختزلها النص ببراعة الدخول إلى العالم المادي مباشرة لمعانقة الحقيقة العلمية أن «المادة لا تفنى ولا تستحدث من العدم»، بما يشي بالنظرة المادية القاطعة التي تعترض هذا الخطاب السردي لهذا النص بقطع كل همزات الوصل التي حاولت الذات الساردة وضعها والاستفادة منها، والتي ربما لاحت من عنصر من عناصر محاولاتها المضنية في نص مثل «تخاطر» الذي يتكئ أيضا إلى حقيقة علمية تتجسد فيها وسائل الاتصال الروحاني والعقلي بين الأشخاص المقربين جدا من بعض، تلتمس فيه الذات المسرود عنها/ الأنثى أيضا، هنا، واقعا لا مرئيا عبر قناة من قنوات الاتصال والتأثير التي ربما أعادت للمعادلة أحد عناصر اتزانها أو اكتمالها على نحو الالتحاف بالما ورائي في محاولة اللجوء إلى المد الروحاني فيما بين شخصيتين إحداهما الذات الساردة، والأخرى تمثل الآخر/ الرجل الذي يقبع في زوايا النفس ويأبى التزحزح عنها ليلوح في صورة درويش:
«لما خرجت من باب المسجد تجر عربة وليدها تتهيأ للرحيل كان واقفا يوزع كتيبات، طويل القامة، بلحية ثلجية وابتسامة وادعة، ألقى بكتيب على رأس طفلها.. بحثت في حقيبتها عن عملة فضية.. تفتت حولها.. كان الرجل قد اختفى» ص96
ذلك الأثر/ الرجل بملامحه الغارقة في السديمية والبراءة معا، الذي يستدعيه النص من الذات المسرود عنها/ الأنثى الذي يجسد مأساة الروح في درجة من درجاتها، ليمثل الماضي أو شق الروح الضائع في حالة من حالاته، ذلك الذي ربما أعاد اتزانا استثنائيا على تلك الذات التي نهايةً: «كان يغمرها يقين هادئ وهي في طريق العودة»
ذلك اليقين الذي ربما تقاطع مع نهاية نص «مثل القمر»، في رجوعه إلى أرض الواقع، لكن بنسب ارتياح متفاوتة.. ترجح هنا لصالح الروح التي اطمأنت إلى أن شقها مازال يرعاها ويتخاطر معها، لكنها النهاية المادية القدرية اليقينية المستسلمة بنوع من الخضوع الذي يفرضه الزمن في نص «مثل القمر»، حيث تقول الذات الساردة هنا: «نظرت لنفسي، ووجدتني بملابس قديمة انتهت صلاحيتها منذ أمد بعيد.. ترجلت من سيارتي وعرضت على ابني أن يتولى القيادة» ليمثل الزمن هنا عنصرا هاما ربما تكامل به النصان انطلاقا من تماسهما في شأن الحالة الحلمية التي جمعتهما وعانقت كل منهما لتمتد روح السيدة الصغيرة وبصحبتها طفلها الرضيع الذي تقوده هي، إلى السيدة العجوز التي لعب معها الزمن لعبته الممتدة ليجعلها منتهية الصلاحية ويتوجب عليها تسليم راية القيادة لابنها المصاحب لها أيضا، وهي علاقة يمكن استنطاقها من خلال النصين اللذين يتواشجان، كونهما يحملان نفس سمات التطلع، وتنفتح من خلالهما طاقات التعبير التي تفتح قنوات التلقي لتنسج العلاقات الضمنية بين النصوص وبعضها البعض.
*كاتب وناقد مصري
[email protected]
محمد عطية محمود