إسطنبول-“القدس العربي”: بوتيرة متسارعة جداً، تطورت الصناعات الحربية والدفاعية التركية خلال السنوات الأخيرة، وبات الجيش التركي يعتمد على الإنتاج المحلي في جزء مهم من متطلباته بعد أن كان يعتمد على الاستيراد من الخارج بشكل شبه كامل، وسط طموحات واسعة بالوصول إلى الاكتفاء الذاتي والاعتماد بشكل كامل على الإنتاج المحلي مع حلول عام 2023.
هذه الرغبة الجامحة يقودها الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الذي يؤمن بأن أهم مراحل التحرر من ما يسميه “التبعية والضغوط الخارجية” إنهاء حاجة الجيش التركي لاستيراد احتياجاته من الخارج، ومن هذا المنطلق يقدم دعماً واسعاً لوزارة الدفاع التركية وشركات صناعة الأسلحة الخاصة لتحقيق هذه الرؤية.
وبينما تتابعت الإعلانات التركية طوال السنوات الماضية عن التمكن من صناعة أسلحة رشاشة وصواريخ ودبابات وعربات عسكرية متنوعة وسفن حربية ومروحية حربية قتالية وطائرات بدون طيار، يجري العمل على صناعة حاملة طائرات ضخمة ومقاتلة حربية وأنظمة للدفاع الصاروخي.
لكن الإعلانات الرسمية المتتالية عن صناعة “أسلحة وطنية” جديدة تواجه تشكيكاً كبيراً من قبل المعارضة التي تقول إن الكثير من هذه الأسلحة ليست وطنية خالصة وإنها ما زالت تعتمد على الخارج بشكل كبير وأن جزءا من هذه المشاريع لا يتم استكماله بدون موافقة ودعم فني وتقني من شركات ودول خارجية.
وتعتبر صناعة المحركات أبرز معضلة تواجه الصناعات الدفاعية التركية، ورغم نجاح تركيا فعلياً في تطوير وصناعة الكثير من الأسلحة ما زالت تعاني من معضلة صناعة محرك بقدرات محلية بمواصفات عصرية حديثة للكثير من المشاريع وأبرزها الطائرات المروحية والطائرة الحربية المنوي تصنيعها والسفن الكبرى وغيرها من المشاريع.
ويقول حزب العدالة والتنمية الحاكم عند وصوله إلى الحكم عام 2002 كانت الصناعات الدفاعية المحلية تلبي 24 في المئة من احتياجات وزارة الدفاع التركية، وبعد 16 عاماً تشير الأرقام الرسمية إلى أن هذه النسبة ارتفعت إلى قرابة 65 في المئة، في حين يقول اردوغان ووزير دفاعه إنهم سيصلون إلى تلبية 800 في المئة من الصناعات الحربية والدفاعية خلال الفترة القريبة المقبلة.
وفي أبرز خطوة على طريق صناعة المقاتلة الحربية التركية الواعدة، اتفقت، مجموعة شركات “قلعة” التركية، مع مجموعة شركات “رولز رويس” البريطانية، على إنتاج محركات طائرات لتركيا وذلك من خلال شركة جديدة تم إنشاؤها لهذا الغرض تتمتع تركيا بأكثر من 500 في المئة من حصتها، وستكون أبرز مهامها صناعة المحرك الخاص بمشروع المقاتلة الحربية التركية.
يقول نائب رئيس مجموعة شركات “قلعة” التركية عثمان أوقطاي إن هذا الاتفاق سيجعل من تركيا واحدة من الدول القلائل في العالم التي تُصنع محركات الطائرات، ومن المنتظر أن تصبح واحدة من الدول المصدرة لها، مؤكداً على أن “أكبر أهداف تركيا في الوقت الراهن هو صناعة طائرتها المحلية خلال الفترة المقبلة”.
وكما في المشاريع الأخرى، يكمن الخلاف الأساسي حول ما إن كان يمكن القول إنها طائرة وطنية تركية كاملة، لا سيما أن المحرك سوف يصنع بالتعاون مع شركة بريطانية تقدم تقنيات المحرك بالدرجة الأساسية، وهي خطوة جيدة مقارنة بمحرك الطائرة المروحية التي تقول المعارضة إنها مربوطة بشركات أمريكية ويباع محركها لتركيا بناء على موافقة سياسية ما يجعلها رهينة بيد صانع القرار الأمريكي.
الطائرات المروحية القتالية
وتقول تركيا، إن مروحية “أتاك” التي دخلت الخدمة تدريجياً قبيل سنوات حولتها من بلد مستورد إلى مصدر للمروحيات القتالية، وبدأ استخدام المروحية التي صنعتها شركة “توساش” للصناعات الجوية والفضائية في المعارك اليومية التي يخوضها الجيش التركي ضد مسلحي تنظيم العمال الكردستاني.
لكن وبعد سنوات من الترويج الرسمي للمروحية واستخدامها في الدعاية الانتخابية الداخلية على أنها انجاز كبير للصناعات الوطنية التركية، والتأكيد على أنها صنعت بإمكانيات محلية تامة، فجرت وسائل إعلام تركية قنبلة من العيار الثقيل عندما قالت قبل أشهر إن الخلافات التي تصاعدت بين أنقرة وواشنطن على خلفية أزمة الراهب أندرو برانسون يمكن أن تؤدي إلى افشال أكبر صفقة لبيع 30 طائرة “أتاك” إلى باكستان بقيمة 1.5 مليار دولار.
وقالت وسائل إعلام تركية إن المروحية وعلى الرغم من أنها حملت تطوراً لافتاً في الصناعات الدفاعية التركية وتمتلك الكثير من المميزات العالمية، إلا أن محركها يتم استيراده من قبل شركة صناعات دفاعية أمريكية، وبالتالي فإن المروحية “أتاك” لا تعتبر وطنية كاملة كونها لا تصنع بنسبة 100في المئة في تركيا.
وكشفت صحيفة “حرييت” التركية عن أن الاتفاق بين تركيا والشركة الأمريكية المصنعة للمحرك يحتم على الجانب التركي الحصول على إذن رسمي من الجانب الأمريكي لإتمام أي عملية بيع للطائرات لجهات أو دول خارج تركيا. وبناء على ذلك تقول الصحيفة نقلاً عن مصادر رسمية إن هناك خشية كبيرة تسود الأوساط الرسمية من أن تؤدي الخلافات المتصاعدة بين أنقرة وواشنطن إلى إفشال الصفقة وذلك في حال رفضت واشنطن منح أنقرة الإذن لبيع30 مروحية منها إلى باكستان الأمر الذي يمكنه إفشال الصفقة بشكل نهائي في حال عدم وصول الموافقة الأمريكية حتى تشرين الثاني/نوفمبر الماضي كحد أقصى.
والسبت، أكد موقع “خبر 7” التركي أن الصفقة تأجلت بالفعل إلى 6 أشهر على الأقل بسبب مماطلة الشركة الأمريكية في تسليم المحركات للجانب التركي لإتمام تجميع الطائرات المقرر تسليمها إلى باكستان بموجب الصفقة الأكبر في تاريخ الصناعات الدفاعية التركية.
ومع صعوبة انتظار توصل الخبراء الأتراك إلى صناعة محرك وطني كامل يصلح للطائرة كبديل للمحرك الأمريكي، تقول مصادر تركية إن أنقرة تنظر في البحث عن بديل سواء من أوروبا أو الصين لتأمين محرك لا يخضع شراؤه للضغوط السياسية.
دبابة ألتاي
تعتبر دبابة ألتاي من أبرز المشاريع التي تتفاخر بها الصناعات الدفاعية التركية في السنوات الأخيرة، ورغم عشرات الأخبار عن مميزاتها وقوتها واحتمال تصديرها للعديد من الدول العالم، يتبين أن الدبابة لم تدخل حيز الإنتاج المنتظم بعد.
والشهر الماضي، أعرب مستشار الصناعات الدفاعية التركية إسماعيل دمير، عن توقعه إنتاج دبابات “ألتاي” المحلية خلال 18 شهرا. وأشار إلى إطلاقهم مفاوضات مع شركة “بي إم سي” الصناعية والتجارية القابضة، للبدء بمشروع الانتقال إلى مرحلة التصنيع التسلسلي لدبابات “آلتاي”. وأوضح أنهم سيبدأون الإنتاج التسلسلي بـ 250 دبابة.
وأكد ضرورة أن تكون الدبابة مستقلة تماما عن الخارج، وأضاف: “يمكننا القول إن الدبابة ستكون محلية الصنع إلى حد كبير”، ويعتبر وصف “إلى حد كبير” الأكثر دقة بعد إعلانات سابقة عديد أن الدبابة ستكون وطنية بنسبة 100في المئة وهو ما تنفيه الكثير من المعلومات التي أوردها الإعلام التركي.
وتؤكد مصادر متعددة أن مشروع الدبابة لم يكتمل بعد لا سيما فيما يتعلق بمعضلة المحرك التي تعاني منها كل المشاريع الدفاعية الوطنية، وسط أنباء عن مشاركة شركة هولندية في صناعة محرك للدبابة، والحديث عن تلقي استشارات فنية ودعم تقني من شركات يابانية وألمانية، وهو ما يعيد إلى الواجهة بقوة حول إلى أي مدى يمكن اعتبار هذه المشاريع تحولا حقيقيا في الصناعات الدفاعية التركية وهل يصح اعتبارها دبابة وطنية كاملة؟