لندن-“القدس العربي”: دخلت بريطانيا في أهم مفترق طرق تشهده منذ عقود بعد أن أصبح خروجها الفعلي من الاتحاد الأوروبي “بريكست” وشيكاً، وذلك بعد 17 شهراً من المفاوضات المضنية بين لندن وبروكسل، على أنه يتوجب إتمام الطلاق بين الطرفين قبل نهاية شهر آذار/مارس المقبل سواء تم التوصل إلى اتفاق أم لا.
وتوصلت لندن وبروكسل إلى مسودة اتفاق مؤخراً وافق عليه القادة الأوروبيون في القمة الخاصة التي انعقدت في بروكسل الأحد الماضي، لكن هذا الاتفاق لا يزال يواجه معارضة واسعة داخل بريطانيا، وهي المعارضة التي دفعت عدداً من الوزراء إلى الاستقالة من حكومة رئيسة الوزراء البريطانية تريزا ماي، كما تمتد هذه المعارضة إلى البرلمان الذي من المنتظر أن يصوت على مسودة الاتفاق في وقت لاحق من الشهر الحالي.
لكن السؤال الذي يشغل أذهان البريطانيين يتعلق حالياً بالسيناريوهات المحتملة في حال فشلت مسودة الاتفاق في الحصول على المصادقات اللازمة من أجل ضمان “الخروج السلس” من الاتحاد، خاصة وأن الاتفاق يواجه معارضة واسعة في البرلمان البريطاني ما يعني أنه مهدد بعدم الحصول على المصادقة، فيما يبدو أن سيناريوهات ما بعد الفشل متعددة وكافة الاحتمالات ستكون مفتوحة إذا رفض البريطانيون الاتفاق الذي تم التوصل إليه مع الاتحاد الأوروبي.
وينص الاتفاق أنه يتعين على “الطرفين تبني علاقة لتجارة السلع تكون أوثق ما يمكن وتعمل على تسهيل التجارة المشروعة بين الطرفين”، كما يشير إلى أن الفترة الانتقالية التي تأمل بريطانيا والاتحاد الأوروبي أن تبدأ فور ترك بريطانيا للاتحاد يوم 29 آذار/مارس يمكن مدها “إلى عام أو عامين”.
ومن المفترض أن يصوت مجلس العموم البريطاني على المسودة يوم الحادي عشر من الشهر الحالي، فيما قال تقرير لشبكة “بي بي سي” البريطانية، إن من المرجح أن يمرر مجلس العموم الاتفاق، ولن يسمح أغلب أعضاء البرلمان بالخروج دون اتفاق، تجنباً للآثار الكارثية التي ستلي “الخروج الصعب”، أو الخروج دون اتفاق.
وحسب التقرير فانه “في حال رفض مجلس العموم البريطاني الاتفاق الذي تم التوصل إليه بعدد قليل من الرافضين، فسوف تنعقد قمة أوروبية طارئة تطلب فيها تريزا ماي مزيداً من التوضيحات والتفصيلات بشأن الاتفاق، بما يساعدها على تمريره داخل البرلمان البريطاني ويرفع عدد الموافقين عليه”.
ولفت تقرير لصحيفة “فايننشال تايمز” إلى أن أحد السيناريوهات المحتملة في حال فشلت مسودة الاتفاق التي توصلت لها ماي مع الأوروبيين هو تمديد الفترة الانتقالية للخروج والتي تنص عليها المادة 50 من اتفاقية تأسيس الاتحاد الأوروبي، بما يتيح توفير مزيد من الوقت لاجراء مفاوضات إضافية تجنب البريطانيين والأوروبيين “الخروج الصعب” أو المغادرة دون اتفاق.
وحسب الصحيفة فانه في هذه الحالة سيتم تعديل الاتفاقية من قبل الاتحاد الأوروبي، وسوف يحظى التعديل على موافقة الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد، والتي ستفضل منح وقت إضافي لبريطانيا على أن تقدم تنازلات أكثر للبريطانيين في الاتفاق.
وتنص المادة 50 على أنه يتوجب أن يتم الخروج الفعلي من الاتحاد خلال عامين فقط من تقديم الطلب الرسمي في بروكسل بتفعيل المادة 50، ما يعني أن بريطانيا ستكون خرجت فعلياً من الاتحاد مساء يوم 29 آذار/ مارس 2019 سواء تم التوصل إلى اتفاق خروج أم لم يتم، إلا في حال تم تمديد الفترة الانتقالية المنصوص عليها، بما يمنح مزيداً من الوقت للندن وبروكسل من أجل التفاوض.
ويقول المحلل الاقتصادي المقيم في لندن نهاد اسماعيل لــ”القدس العربي” إن الأوروبيين والبريطانيين أمام خيارين فقط لا ثالث، وكلاهما خيارات صعبة ومكلفة، مشيراً إلى أن الخيارين هما: تمرير الاتفاق الحالي أو الخروج بدون اتفاق.
ويستبعد اسماعيل أن يتم تمديد المرحلة الانتقالية إلى ما بعد آذار/مارس المقبل، مرجحاً أن يصادق البرلمان البريطاني على الاتفاقية التي توصلت لها ماي مع الأوروبيين من أجل الخروج بأقل الخسائر.
ويضيف: “إذا مررها البرلمان البريطاني فهذا يعني أن لندن ستظل مرتبطة مع الاتحاد الأوروبي من خلال الاتحاد الجمركي أو اتفاق تجاري يتفاوضون عليه، وهذا يبقي أبواب التعاون بين الجانبين، وهذا ما يريده الجميع الآن، ولذلك سيتعاونون إلى أبعد الحدود حتى لا تغرق بريطانيا”.
وتابع: “التوقعات هو أن يتم التوصل لاتفاق. ورغم هذا فان الاقتصاد البريطاني سوف يعاني لعدة سنوات، وكذلك الناتج المحلي الاجمالي سيخسر 3 في المئة، إما إذا لم يحصل اتفاق فان الناتج المحلي الاجمالي سوف يتراجع بنسبة تصل إلى 9.5 في المئة والبطالة سوف ترتفع إلى 7.5 في المئة، وسوف تكون هناك عواقب وخيمة”.
ويلفت إلى أن “الاقتصاد الأوروبي حجمه 13 تريليون دولار، واقتصاد بريطانيا حجمه 2 تريليون دولار، وعندما تكون ضمن مجموعة اقتصادية يكون لديك صمام أمان. لكن عندما تكون خارج هذه اللعبة فان نفوذك يتقلص”، كما يلفت أيضاً إلى أن 44 في المئة من التجارة البريطانية تتم مع دول الاتحاد” ولذلك فان الاتفاق الذي توصلت له ماي هو “انقاذ ما يمكن انقاذه”، على حد تعبيره.
وينتهي اسماعيل إلى القول: “بريطانيا في وضع صعب حتى مع الاتفاق، فما بالك لو لم يحدث الاتفاق؟”. ويضيف: “إذا حدث خروج دون اتفاق فسوف نكون أمام كارثة اقتصادية إضافة إلى أن العديد من الشركات الكبرى سوف تنسحب، لذا فإذا كان لدى البرلمان حكمة فعليه تمرير الصفقة”.