تواجه رئيسة الوزراء البريطانية تريزا ماي معضلة حقيقية في محاولاتها إنهاء إجراءات الخروج من الاتحاد الأوروبي بعد عامين من تصويت الناخبين البريطانيين على الخروج من المنظومة الأوروبية والإمساك بمصير بلادهم بعيدا عن نظم وتعليمات الاتحاد.
ففي حزيران (يونيو) 2016 عندما غلب معسكر الخروج معسكر البقاء كانت الآمال معقودة على أن تكون العملية سريعة وسهلة.
وكان هناك حديث بعد تولي تريزا ماي السلطة عن طلاق صعب بعد أربعين عاما من العلاقة مع القارة العجوز. وأبدى الأوروبيون تشددا في شروط الخروج بحيث جرى الحديث عن خروج بالتراضي أو لين، وفي أحيان أخرى تم الحديث عن خروج بدون صفقة بل وفي ظل طول انتظار الناخبين البريطانيين وتشوشهم من خلافات الساسة الذين من المفترض أن يقودوا المواطنين إلى بر الأمان ندم البعض على تصويته لصالح الخروج، خاصة أن من خدعوهم أصبحوا في معظمهم خارج الحكومة، مثلا بوريس جونسون وزير الخارجية السابق الذي يواصل حملاته على ماي وحكومتها عبر مقالاته المثيرة للجدل، فيما لم يعد لحزب الاستقلال وزعيمه نايجل فاراج أي مبرر لمواصلة السياسة بعدما حقق ما أراد وهو الخروج من الاتحاد الأوروبي. وفي ظل هذا التشوش شعر الكثيرون أن هناك حاجة لإجراء استفتاء جديد وإن لم يكن على جوهر الخروج بل على الحزمة، وبدا حزب العمال المعارض ميالا للخطوة. كل هذا يشير إلى الرحلة الصعبة التي مرت بها بريطانيا منذ ذلك الصيف القاسي والذي يذكر بمقتل جو كوكس، النائبة العمالية على يد متطرف وملصق “نقطة الإنكسار” الذي ذكر البريطانيين بشعارات النازية حيث اكتملت عملية الخداع وصوت الحانقون على حزب العمال وانتصر الداعون للخروج في حزب المحافظين وثبتت سذاجة رئيس الوزراء ديفيد كاميرون عندما قرر عرض قضية خلافية في حزبه على استفتاء شعبي.
الزجاجة المكسورة
وتسلمت ماي الزجاجة المكسورة وها هي تواصل سياسة فرض الأمر الواقع بعد موافقة بروكسل على حزمة الخروج التي تعني دفع بريطانيا 39 مليار دولار ثمنا للطلاق ومعاملة الحدود بين ايرلندا الشمالية وجمهورية ايرلندا بطريقة خاصة، ذلك أن الجزئين سيقعان بعد الخروج أو بريكست تحت نظامين مختلفين، فيما ستواصل بريطانيا دفع المستحقات المالية عليها للاتحاد الأوروبي. ورغم أن الوثيقة التي وافق عليها الاتحاد الأوروبي مع ماي والواقعة في 585 صفحة لم تحدد طبيعة العلاقات بين بريطانيا والاتحاد في المستقبل، إلا أنها أن ركزت على حقوق المواطنين الأوروبيين والبريطانيين بعد دفع بريطانيا “فاتورة الطلاق”. ويعتبر مصير الاتفاق الآن معلقا في يد البرلمان البريطاني، حيث أكد كل من حزب الوحدة الديمقراطي (شمال ايرلندا) الحليف لحزب المحافظين بعد خسارته الغالبية المطلقة في البرلمان بالإضافة لحزب العمال والليبراليين الديمقراطيين والحزب الوطني الاسكتلندي، أنهم لن يصوتوا لصالح الاتفاق عندما تقدمه ماي للبرلمان في 11 كانون الأول (ديسمبر) وسيقرر التصويت خروج بريطانيا من أوروبا والذي سيكتمل في آذار (مارس) 2019. ومن هنا ذكر دونالد تاسك، رئيس المجلس الأوروبي بالمهمة الصعبة لماي وقال إن دعم الخطة هو “الخيار الوحيد” مشيرا إلى استعداده لإمكانية بقاء بريطانيا كعضو في الاتحاد الأوروبي وإن على النموذج النرويجي، بدون عضوية كاملة. وقال تاسك “لو رفض البرلمان البريطاني الصفقة فلن يكون أمامنا كما أكدت رئيس الوزراء تريزا ماي قبل أسابيع غير بديل واحد: لا صفقة أو حتى لا خروج أبدا”، مؤكدا أن الاتحاد الأوروبي مستعد للخيارين.
خلافات المحافظين
ومن هنا فعملية التصويت ستقرر فيما إن كانت خطة ماي كافية لإقناع المتشككين في حزبها. ففي تحليل لوكالة “بريس أسوسييشن” وجد أن 18 نائبا محافظا عبروا علنا عن رفضهم للصفقة وهناك 42 نائبا قالوا إنهم لن يصوتوا لصالحها ولكن هذا لا يعني أنهم سيصوتون ضدها أو سيصوتون أبدا. وقال 23 نائبا في الحزب إنهم ليسوا راضين عن الاتفاق وسيجدون صعوبة في دعمه. وعليه فلو قررت المعارضة في البرلمان رفض الاتفاق بالإضافة إلى 18 نائبا من المحافظين فسيكون هذا كاف لهزيمة ماي. وجاءت تصريحات تاسك في قمة العشرين بالأرجنتين حيث تلقت ماي أخبارا سيئة جديدة باستقالة عاشر وزير من حكومتها وهو وزير العلوم سام غيما، بسبب مشروع “غاليلو” الذي استثمرت فيه بريطانيا 1.4 مليار يورو والذي سيطلق في عام 2020 ولن تكون بريطانيا جزءا منه لأنها ستكون قد خرجت من الاتحاد. لكن ماي تؤكد ان من حق بريطانيا أن تكون جزءا منه. واعتبر غيما الذي صوت للبقاء، الصفقة “ساذجة” بشكل دفع معارضة لماي للقول إن خطتها تتداعى. ووجدت ماي من الأخبار السيئة دعما من مايكل غوف، وزير البيئة ومن كبار الداعين للخروج حيث كتب في “دايلي ميل” قائلا إن الخطة رغم ما فيها إلا أنها ضرورية لاستكمال الإجراءات. وقال إن الصفقة على علاتها تحقق أهداف السياسة البريطانية لأنك في السياسة لا تحصل على ما تريد.
مخاوف اقتصادية
وزاد من المخاوف تحذيرات مدير المصرف الإنكليزي مارك كارني من آثار الخروج غير المنظم على الاقتصاد البريطاني حيث توقع ركودا اقتصاديا وانهيارا في سعر الجنيه الإنكليزي بنسبة الربع وانخفاضا في أسعار العقارات بنسبة الثلث. وبنى المصرف توقعاته على ما أسماه “السيناريو الأسوأ” الذي قد يحدث أو لا يحدث وحلل فيه وضع الاقتصاد البريطاني في السنوات الخمس التي ستتبع بريكست متوقعا تعافيه مع بداية عام 2023. ويتوقع المصرف الإنكليزي أزمة اقتصادية ستكون الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية وأسوأ من الأزمة المالية العالمية بين 2007- 2008.
تقدير ماي
وأمام هذه المعوقات الحقيقية أو المتخيلة تواصل ماي تسويق الخطة التي وقعتها في بروكسل، للنواب والرأي العام باعتبارها الخطة الوحيدة التي تتحدث عنها المدينة، وتقوم على ثنائية المع والضد. وكما لاحظت صحيفة “الغارديان” (29/11/2018) فمحاولات ماي الخروج من لندن وزياراتها إلى مقاطعة ويلز ومدينة بلفاست في ايرلندا الشمالية وغلاسكو في اسكتلندا لبيع الخطة للرأي العام على أمل الضغط على النواب كي يقفوا معها، لم تكن سوى حركات سريعة جاءت وسط انشغال ماي في قمة العشرين والرد على أسئلة النواب في البرلمان. واستبعدت ماي من جولتها إنكلترا خارج لندن التي جاءت معظم أصوات الداعمين للخروج منها. ومن الآن وحتى التصويت فلن تجد ماي الوقت الكافي لحمل رسالتها للرأي العام. وبهذا فلن تترك جولتها الأثر الذي تركته جولات غلادستون في عام 1879 والذي ألقى سلسلة من الخطابات وقام بعدد من الجولات أعادت في النهاية حزبه إلى السلطة. ومشكلة ماي كما تقول الصحيفة أنها حاولت تجنب الأسئلة أو الخيارات عن حل غير حلها أو الخروج بدون صفقة لأن هذا يعني الاعتراف بوجود خيارات أخرى مثل نموذج النرويج أو استفتاء ثان. وهذا الاعتقاد يمثل مشكلة لماي، لأنه يمنعها من البحث ومقدما عن تسويات يمكن تمريرها من خلال البرلمان. وبدلا من ذلك سافرت إلى بروكسل حاملة معها الخطوط الحمر التي يدعو إليها المشجعون المتحمسون من المحافظين وعادت بحزمة مهلهلة لم يدعمها معظم النواب. وعوضا عن بناء وفاق على أمر أحسن تواصل ترديد شعاراتها كما وأن تكرارها سيجعلها صحيحة. وبهذه الطريقة تعبد الطريق أمام الهزيمة والخيارات التي ترفضها مثل استفتاء ثان أو خروج سهل أو بدون صفقة أكثر احتمالا.
وتبدو هزيمة ماي الاحتمال الأكبر حسب جوناثان فريدلاند في “الغارديان” (30/11/2018) ولن يكون السبب النواب الذين دعموا البقاء، بل النواب من المحافظين الذين طالبوا بالخروج لكنهم غير راضين عن الاتفاق ويرون فيه قبولا وتنازلا. ومن هنا ربما كان استفتاء ثانيا بمثابة تكرار لخطأ كاميرون الكارثي. وماذا عن الاتحاد الأوروبي هل سيسمح بخروج بريطانيا بدون صفقة؟ وفي النهاية فالتصويت لن يكون على خطة ماي بل على رئيسة الوزراء نفسها، فلو لم تكن لديها خطة بديلة فقط غير “مع أو ضد” فستذهب بعد ساعات من التصويت لو رفض النواب الصفقة. وسيجري البحث عن مسؤول يعمل على طريقة تتجنب الخروج بدون صفقة وما يتبع ذلك من مشاكل. وسيظل التشوش قائما خاصة أن المظالم التي كانت وراء نزوع عدد من البريطانيين ترك القارة العجوز لا تزال قائمة والأسئلة لم يجب عليها.