لندن – «القدس العربي»: «لا يزال شبح الرئيس العراقي السابق يحوم فوق العراق، مثل غيمة تلاحق يوما مشمسا، لا تغطي الشمس ولكنها لا تختفي».
هكذا وصفت صحيفة «نيويورك تايمز» الحال في العراق اليوم الذي يواجه أزمة كبيرة بعد سيطرة تحالف من المقاتلين بقيادة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) على مناطق شاسعة من شمال وغرب العراق بالإضافة لمناطق نفوذه في شمال وشرق سوريا.
وتتحدث الصحيفة عن الطريقة التي انزلق فيها العراق مرة أخرى للحكم الديكتاتوري أو حكم الرجل القوي. فبعد خروج الأمريكيين من العراق عام 2011 مارس نوري المالكي، رئيس الوزراء سلطة مطلقة، وسيطر على أجهزة الأمن والجيش التي استخدمها للتحرش بالعرب السنة واعتقالهم بناء على أدلة واهية أو الإبقاء عليهم في السجن حتى بعد انتهاء مدة حكمهم. أما بالنسبة للمقاتلين السنة الذين تلقي قوات الأمن عليهم فقد بات الإعدام الفوري أمرا شائعا.
ويرى الكاتب أن التجربة البرلمانية منعت في الماضي المالكي من التحول لديكتاتور على طريقة سلفه، لكن ما شهدته البلاد في الأسابيع الماضية والطريقة التي رد بها المالكي على الأزمة تحمل أصداء ميراث صدام.
لا مؤتمرات صحافية
وهذا واضح من ندرة المؤتمرا ت الصحافية والإستغناء عن أسئلة الصحافيين، حيث يقف المسؤولون عادة ويقدمون خطابات متلفزة ويخرجون. فيما تنشغل القناة الرسمية « العراقية» ببث صور الهجمات التي تقوم بها القوات العراقية ضد مقاتلي داعش، وفي خلفيتها موسيقى وطنية.
وتقوم أيضا بعرض برامج يظهر فيها مغنون باللباس الوطني وهم ينشدون الأناشيد الوطنية ويلوحون بالبنادق، وهي نسخة طبق الأصل لقناة «الشباب» التي كان يديرها عدي نجل صدام. ويلاحظ التقرير إن مسؤولي نظام المالكي ابتعدوا عن الأضواء واختفوا تحت الأرض، ونقل عن مستشار للمالكي قوله «لا تعليق لدي»، وهذا «تصريح غير رسمي» وهو كلام يعكس كما يقول نظام صدام في التسعينات من القرن الماضي عندما كان نظامه مغلقا ويشبه اليوم نظام كوريا الشمالية القمعي.
ولم يصل الوضع في العراق للحال عندما كان يرافق الصحافي الأجنبي مسوولاً من الحكومة، مع أن حوادث من هذه وقعت في الأحياء السنية، عندما كان مراسل الصحيفة يجري مقابلة مع شيخ سني في مكتبه وتدخل كابتن في الشرطة واخذ بإجابة الأسئلة نيابة عنه.
منع الـ «يوتيوب»
ويشير الكاتب إلى أن نظام صدام منع استخدام «آلة الفاكس»، فقد اعتبر يمكن استخدامها من ضمن الآلات التي يمكن نشر الادبيات المعارضة للنظام، وبنفس السياق منعت الحكومة وسائل التواصل الإجتماعي بعد الهجمة الدعائية القوية التي قام بها داعش، ومن هنا أغلقت الحكومة «فيسبوك» و«تويتر» و«سكايب» و«أنستاغرام» و«يوتيوب» معظم الشهر الماضي. وما يذكر أكثر بعهد صدام والمتحدث باسم الحكومة محمد سعيد الصحاف الذي أنكر دخول القوات الأمريكية العراق في عام 2003.
والمقارب الحالي للصحاف هو الجنرال قاسم عطا، المتحدث الرسمي باسم الجيش والمالكي. وبدأ عطا حياته العسكري كضابط في مديرية المطابع العسكرية وفي جامعة البكر العسكرية حيث ظل في مركزه حتى سقوط صدام عام 2003.
وفي الوقت الذي حمل فيه الأخير عددا من الألقاب منها «أسد بغداد» فقد لقب عطا بلقب «كذاب بغداد» وهذا بسبب مؤتمراته الصحافية التي يؤكد فيها انتصارات الجيش العراقي على الجهاديين بعد سيطرة هؤلاء على بلدات ومدن، وهي حقيقة أكدتها كل وسائل الإعلام، وأقربها ما حدث في الوليد وطريبل، فقد أعلن الجنرال عطا انهما لم تسقطان مع أن الجهاديين سيطروا عليهما، ثم عاد وقال إن الجيش استعادهما والواقع يقول غير هذا. ويرى مساعد للجنرال أن السخرية الموجهة ضد رئيسه ليست صحيحة وهي نتاج حرب دعائية يقوم بها أعداء له.
حنين
ويتساءل الكاتب هنا عن سبب العودة والمقارنة بأيام صدام، أنها مرتبطة بجزء منها بحالة الإعجاب بصدام حتى بين أعدائه، وعادة ما يطلق بعض الموظفين على مدرائهم لقب «صدام الصغير» ولكن ليس بطريقة سلبية. ولا يتوقف الحنين لأيام صدام على السنة العاديين بل ويقول الشيعة نفس الكلام، وينقل عن كردي شيعي خسر كل شيء أثناء حكم صدام «مع كل ما حدث لي فقد كنت واحدا من ألف، اما البقية 999 فقد كانوا سعيدين ويعيشون بسلام في بلد منظم» أما اليوم يقول «فلا أحد يشعر بالسعادة».
ولاحظ الكاتب حنينا لأيام صدام، حيث أصبحت الإحتفالات التي تحيي ذكرى ميلاد صدام في بلدة العوجا طقسا شعبيا مما أدى بالحكومة لمنعها، وفي بابل تزدهر تجارة قصر من قصور صدام حيث يتم تأجير غرفه، للراغبين بقضاء شهر العسل بغرفه الوثيرة. وتحولت الساعات التي تحمل صورته إلى رموز للإقتناء وتباع بأسعار عالية.
ومع أن المقارنة قد تذهب بعيدا لكن الحكومة العراقية تقاتل عدوا اسمه داعش وتحظى بدعم من الغرب حتى يتم وقفه وإلا اندلعت حربا إقليمية ستترك آثارها السلبية جيران العراق خاصة والغرب عامة. ومن الجيران الذي يخشى من خطر داعش عليه هو الأردن.
خوف على الأردن
وكان هذا موضوع مقال كتبه ديفيد شينكر في صحيفة «وول ستريت جورنال» جاء فيه أن الأردن يستطيع التصدي لهجوم عسكري يقوم به داعش ولكنه يظل بحاجة لدعم الولايات المتحدة كي يواجه التخريب الإرهابي.
وقال إن الولايات المتحدة ظلت غائبة منذ الصيف الماضي وداعش يقوم بغزو مناطق في سوريا والشهر الماضي في العراق، ولكنها لن تستطيع تجاهل الوضع الذي بدأ فيه التنظيم يوجه بصره نحو البلد الحليف الأردن.
ويضيف الكاتب أن الأردن لا يواجه تهديدا من عملية عسكرية يقوم بها داعش، ولكن إن لم يتم وقف التقدم والتصدي له في العراق فسيصل الإرهاب حتما للأردن. فالقوات الأردنية متماسكة، قوية وغير طائفية وموالية للملك. وتقوم بتدريبات دائمة مع القوات الأمريكية وتتلقى القوات المسلحة 300 مليون دولار من المساعدة العسكرية الأمريكية السنوية. كما وأن سلاح الجو والمدرعات قادران على تأمين حدود الأردن وطولها 112 ميلا مع العراق.
وقام الأردن بتعزيز دفاعاته على طول الحدود مع سوريا (طولها 225 ميلا).
وعندما احتلت قوات داعش بلدة الرطبة وطريبل الحدوديتين قام الأردن بتعزيز قواته وأرسل الكتيبة 71 التي تتركز مهمتها بمكافحة الإرهاب للمنطقة وطائرات أف-16. ويظل مصدر القلق ليس من الحدود بل من إمكانية بناء داعش قاعدة دعم له في داخل الأردن يقوم من خلالها بتنفيذ أعمال إرهابية.
وهذا السيناريو ليس بعيد المنال، ففي الفترة ما بين 2002-2005 واجه الأردن سلسلة من الهجمات الإرهابية القاتلة والتي نفذها التنظيم السابق على داعش، وهو تنظيم القاعدة في العراق، وكان يتزعمه في ذلك الوقت أبو مصعب الزرقاوي. ويبدو المتشددون الأردنيون اليوم أكثر تعاطفا مع جبهة النصرة السورية منهم مع داعش، ولكن الأخير لديه كادر من المتعاطفين خاصة في مدينة معان، جنوب البلاد الذي تظاهروا في 20 حزيران/ يونيو. وقبل هذا ظهر أردنيون متعاطفون مع داعش وهم يحرقون ويمزقون جوازات سفرهم، وكان أحدهم يلبس حزاما ناسفا وأخذ يهدد الملك عبدالله الثاني بالذبح. ويرى الكاتب أن الأردن يتعامل مع التهديد الإرهابي بجدية ففي العام الماضي أنفق نسبة 13% من ميزانيته أي 1.3 مليار دولار امريكي على قضايا متعلقة بالأمن الداخلي والدفاع الوطني.
مساعدات
وقدمت واشنطن اكثر من مليار دولار للمملكة العام الماضي، منها 360 مليون دولار كمساعدات اقتصادية، و300 مليون دولار كمساعدات عسكرية، و200 مليون تحويلات مالية إضافية، و140 مليون دولار أمريكي لمساعدة اللاجئين السوريين.
وعليه يقول الكاتب إن الأردن بحاجة لدعم اقتصادي من الولايات المتحدة حتى يكون في وضع جيد لمواجهة التشدد الإسلامي. فبالإضافة لرفع المساعدة السنوية لـ 700 مليون دولار، يمكن تنظيم مؤتمر»أصدقاء الأردن» برعاية أمريكية، يتم من خلاله تشجيع أصدقاء المملكة الغربيين وحلفاءها الإقليميين مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة لزيادة الدعم المالي. ويشير إلى ان المناطق التي تعاني من فقر وتجاهل مثل الزرقاء والرصيفة ومعان تعتبر المصدر الذي يوفر فيه الجهاديون لسوريا.
ومن هنا فيمكن أن يمنع التطور الإقتصادي وخلق فرص العمل سفر الشباب لسوريا والعراق. وفي اتجاه تعزيز قدرات المملكة العسكرية فيمكن ان تستفيد من توسيع برنامج مكافحة التمرد وتأهيل القوات الأردنية للكشف عن المتفجرات المصنوعة محليا.
ويمكن تعزيز قدرات الأردن في مجال العمليات الحربية لو قدم له مروحيات جديدة من نوع «بلاك هوك» وهي مروحيات مناسبة لقوات الإنتشار السريع ومهام مكافحة الإرهاب، ولا يملك الأردن منها سوى ثماني طائرات. ويدعو الكاتب القيادة المركزية الأمريكية لتنسيق استراتيجية مشتركة لحماية الحدود الأردنية والسعودية لأن كلا البلدان يواجه تهديدات من داعش.
وحتى تستطيع بغداد إعادة السيطرة على حدود البلاد الغربية، فعلى واشنطن تشجيع الأردن لممارسة سياسة متشددة على الحدود ضد داعش. والأن وقد نشرت إدارة أوباما طائرات بدون طيار لحماية السفارة الأمريكية في بغداد فعليها التفكير وتحريك القوات ما تملكه في العراق من أرصدة مسلحة وغير مسلحة لغرب العراق كي تساعد الأردن على إقامة منطقة عازلة على طول الحدود مع الأردن.
وفي الوقت الذي يمكن لداعش وجبهة النصرة التسبب في مشاكل وتخريب في الأردن، فمن الواجب التحرك وحماية البلاد من أي هجوم. وعلى الولايات المتحدة عدم ترك حليف ثمين للغرب للصدفة في ضوء ما يجري في العراق وسوريا.
إبراهيم درويش