ظلال جاك السفاح المُنتَحَلة… ما بين الحكاية السينمائية والصحافة

شغلت حكاية «جاك السفاح» ولم تزل تشغل الكثيرين، سواء صناع الأفلام أو مؤلفي الكتب، فمنهم مَن يحاول التنبؤ أو إثبات أن أنه عثر على القاتل الحقيقي، الذي وسم بهذا الاسم. ومنهم مَن يحاول توليف حكاية يستلهما من بعض الوقائع الأكثر غموضاً، مما يفتح أبواب الخيال والتكهنات.

قتل بمرسوم ملكي

هو اسم الفيلم الذي أنتج عام 1979، حيث اجتمعت الماسونية وجرائم قتل شهيرة والعائلة المالكة البريطانية و«شرلوك هولمز» في فيلم واحد، مثلت فيه مجموعة من خيرة نجوم السينما الأمريكية والبريطانية في تلك الفترة مثل كريستوفر بلمر وجيمس ميسن ودونالد سذرلاند.
تدور قصة الفيلم حول خمس جرائم قتل في منطقة «وايت تشابل» الواقعة في الجانب الشرقي من العاصمة البريطانية. وكان جميع ضحاياها عاهرات، وكان القتل يتم دائما بعد منتصف الليل. وعلى الرغم من تكرار هذه الجرائم والتغطية الإعلامية الكثيفة لها، فإن الشرطة البريطانية كانت عاجزة عن القبض على القاتل، ما أثار اهتمام المحقق الخاص الشهير «شرلوك هولمز» وزميله «جون واتسن» اللذين قررا أن يحلا هذا اللغز بعد أن عمت حالة من الهلع في العاصمة البريطانية.

يكتشف «شرلوك هولمز» مؤامرة ضخمة ترأستها العائلة المالكة البريطانية، وكان هدفها قتل كل من يعرف عن علاقة جنسية بين ولي العهد وامرأة فقيرة من تلك المنطقة، وكانت نتيجتها طفلة ما قد يسبب فضيحة للعائلة المالكة قد تهدد مركزها.

ولكن «شرلوك هولمز» يفاجأ بمعارضة الشرطة لجهوده ورفضها التعاون معه، بناء على أمر من رئيس شرطة لندن نفسه، على الرغم من استياء ضباط الشرطة المسؤولين مباشرة عن التحقيق. وفي نهاية المطاف يكتشف «شرلوك هولمز» مؤامرة ضخمة ترأستها العائلة المالكة البريطانية، وكان هدفها قتل كل من يعرف عن علاقة جنسية بين ولي العهد وامرأة فقيرة من تلك المنطقة، وكانت نتيجتها طفلة صغيرة ما قد يسبب فضيحة للعائلة المالكة قد تهدد مركزها. وكان هناك خمس نساء من تلك المنطقة على علم بتلك العلاقة والطفلة التي أنجبتها تلك المرأة. ولإخفاء الحقيقة ومنع الفضيحة كلفت العائلة المالكة أحد أطبائها الماسونيين، بالأشتراك مع التنظيم الماسوني بقتل أولئك النسوة لإسكاتهن، هذه كانت قصة الفيلم.

إثارة سينمائية

لم يكن فيلم «جريمة قتل بمرسوم ملكي» الوحيد عن جرائم «جاك السفاح»، فقد أنتج حوالي مئة فيلم ومسلسل تلفزيوني تناول هذه القصة بشكل أو بآخر، ولكن هذا الفيلم كان الأفضل من ناحية التشويق والإثارة، ومع ذلك كان كغيره من الأفلام، عديم العلاقة بالوقائع التاريخية، واعتمدت قصته على الادعاءات التي كتبها بشكل خاص الكاتب الإنكليزي ستيفن نايت (1959 ـ 1985) في كتاب له عام 1976، واعتمدت بشكل أقل على ادعاءات بعض المؤلفين الآخرين لإثارة الجمهور وجذبه. وقد دحض المؤرخون هذه الادعاءات بسهولة، ولكن هذا لم يمنع استمرار نشر هذا الكتاب وغيره من الكتب حول هذا الموضوع حتى الآن، ليصل عددها إلى أكثر من مئة كتاب.

جرائم جاك السفاح

لم تكن الجرائم الخمس المنسوبة إلى «جاك السفاح» من وحي الخيال، لأنها حدثت بالفعل. وقد بدأت هذه الجرائم يوم 31 سبتمبر/ أيلول 1888 عندما تم العثور على امرأة مذبوحة في فجر ذلك اليوم، وتبعت تلك الجريمة أربع جرائم مشابهة، كانت تزداد بشاعة حتى وقعت آخرها يوم التاسع من نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه. وكان التشابه بين هذه الجرائم واضحا، فقد كانت الضحية دائما امرأة تعمل أو سبق أن عملت في مجال الدعارة، وكان سلاح الجريمة السكين، واشتركت ثلاث من الضحايا في أن القاتل انتزع بعض الأعضاء منهن، خاصة الرحم. والغريب في الأمر أن النساء الضحايا لم يحاولن الاستغاثة أو الدفاع عن أنفسهن. ما عدا ضحية واحدة كانت في منتصف العشرينيات من عمرها، أما الأخريات فقد كن في منتصف الأربعينيات. ولكن هذه الجرائم لم تكن الوحيدة في تلك المنطقة، حيث وقعت ست جرائم مشابهة حتى عام 1891، ولكن شرطة لندن قررت أن الجرائم الأخرى لم تكن من فعل الفاعل نفسه، على الرغم من اعتقاد طبيب التشريح أن ضحية سادسة كانت كذلك. وبسبب انتزاع القاتل لأعضاء من بعض ضحاياه، فقد أعتقد الكثيرون أن القاتل ذو خبرة في التشريح، أو على الأقل في ذبح الماشية، ولكن طبيب التشريح أكد أن القاتل لم تكن له أي خبرة من هذا النوع. وقد وقعت مهمة العثور على القاتل على عاتق شرطة لندن، التي سرعان ما استقال مديرها لفشله في هذه المهمة. ولكن خلفه لم يكن أفضل حظا، حيث افتقدت الشرطة آنذاك إلى الخبرة والمعرفة العلمية المتوفرة حاليا مثل بصمات الأصابع والحمض النووي (DNA) وكاميرات المراقبة وأشياء كثيرة أخرى. ومع ذلك فإن الشرطة لم تقصر في دقة تحقيقاتها بمقاييس ذلك العصر، حيث استجوبت ألفي شخص، وركزت في تحرياتها على ثلاثمئة، بينما احتجزت ثمانين على ذمة التحقيق.

الخيال والترويج

ويقل احتمال حل هذه المعضلة مع الوقت، ولكن خيال المؤلفين ومن يدعي الخبرة يزداد اتساعا كل يوم، حيث شملت الاتهامات أحد الأطباء الخاصين بالعائلة المالكة، الذي قيل إنه كان يدير عيادات غير قانونية للإجهاض في تلك المنطقة، ولم تسلم زوجته نفسها من تلك الاتهامات، فكل مؤلف كان يحاول اختلاق متهم جديد ليبيع كتابه. وكان من المتهمين أيضا أحد أحفاد الملكة فيكتوريا، وكذلك ممثل شهير في تلك الفترة، ورئيس الوزراء البريطاني غلادستون. وشملت دائرة الاشتباه أشخاصا آخرين ومن جنسيات مختلفة حتى بلغ عددهم حتى الآن حوالي المئة. وقد أطلقت الشرطة اسم «جاك السفاح» على القاتل بسبب استلامها رسالة اعتقدت أنها من القاتل، وكانت بتوقيع «جاك السفاح»، على الرغم من وجود شكوك حقيقية حول صحة هذه الرسالة.

إذا كان القارئ يفكر بالأفلام التي تبين طريقة حياة الطبقة الثرية والأرستقراطية البريطانية آنذاك، فإن الواقع في تلك المنطقة مختلف جدا، حيث كانت «وايت تشابل» عالما مرعبا في قلب عاصمة أكبر وأغنى امبراطورية في العالم آنذاك.

وايت تشابل

وقعت الجرائم في منطقة «وايت تشابل» التي تشكل جزءا من النصف الشرقي من مدينة لندن. وإذا كان القارئ يفكر بالأفلام التي تبين طريقة حياة الطبقة الثرية والأرستقراطية البريطانية آنذاك، فإن الواقع في تلك المنطقة مختلف جدا، حيث كانت «وايت تشابل» عالما مرعبا في قلب عاصمة أكبر وأغنى امبراطورية في العالم آنذاك. وكانت هذه المنطقة هدفا لهجرة واسعة من قبل سكان الريف منذ بداية القرن السابع عشر، ما جعلها مكتظة بالسكان وفقيرة، وزاد الأمر سوءا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بسبب هجرة كبيرة من أيرلندا وأوروبا الشرقية، فتحولت المنطقة إلى أكثر مناطق لندن ازدحاما وفقرا وإجراما وقذارة، حتى وصف أحد المؤرخين المنطقة بأنها كانت أكثر فقرا من أي منطقة في روسيا أو نيويورك. وانتشرت الجريمة بكافة أنواعها مثل عصابات الأتاوات والسرقة والقتل وشارك في الفعاليات الإجرامية الرجال والنساء وحتى الأطفال. أما الشغب والمشاجرات الجماعية فقد كانت من الأمـــور المعتــــادة، ولم يسلم أحد من هذا العنف المفرط، حتى الشرطة، فقد كانت تعـــاني من اعتداءات البعض على أفرادها. وانتشرت الدعارة إلى درجة أن شرطة لندن أحصت ألفا ومئتين عاهرة واثنين وستين بيت دعارة في هذه المنطقة الصغيرة، وكان سعر الخدمة الجنسية المقدمة من قبل العاهرة في بعض الأحيان رغيف خبز. وانتشرت الأمراض بين السكان بشكل واسع، وكان خُمس الأطفال يتوفون قبل بلوغهم سن الخامسة. ومما زاد الطين بلة كان انتشار عيادات الأجهاض غير القانونية، التي لم تلتزم بالإجراءات الصحية، ما أدى إلى وفاة الكثيرات من النساء، وكانت العاهرات منهن.
ومع ذلك كانت هناك تسلية واحدة في المنطقة، ألا وهي الكحول الذي كان متوفرا ورخيصا جدا، بالإضافة الى أوكار الأفيون، الذي كان قانونيا آنذاك، ولذلك انتشر الإدمان على الكحول بشكل غير عادي في أوساط الرجال والنساء سواسية، وكان جميع ضحايا «جاك السفاح» من المدمنين على الكحول.
وكانت مشكلة عدد كبير من السكان، خاصة النساء هي العثور على مكان للمبيت لليلة واحدة، ولذلك انتشرت مباني النزل، وكانت النسوة يلجأن إليها، وكانت المرأة تستطيع استئجار غرفة صغيرة جدا مقابل ثلاثة أو أربعة بنسات، الذي لم يكن مبلغا صغــيرا في مقاييس ذلك الزمن. وكان هدف العاهرات هو الحصول على هذا المبلغ بسرعة كي يستطعن الاطمئنان على أنهن سوف يقضين الليلة في إحدى تلك الغرف بسلام. ويعتقد المؤرخون أن الضحايا لقين نهايتهن البائسة وهن يحاولن جمع المال اللازم لاستئجار غرفة كي يقضين ليلة فيها في أمان.

دور الصحافة البريطانية

الغريب في الأمر أن «جاك السفاح» لا يزال حتى الآن الشغل الشاغل للإعلام البريطاني خاصة، والعالمي بشكل عام، فلم يكن أول قاتل متسلسل أو الأكثر قتلا، فأكثر قاتل متسلسل من حيث عدد الضحايا في بريطانيا كان الدكتور هارولد شبمان الذي تجاوز عدد ضحاياه المئتين. ولتفسير ذلك علينا التمعن في ظاهرة حديثة نسبيا في المجتمع البريطاني آنذاك، وهي ظاهرة الصحافة البريطانية التي كانت تزدهر وفي عصرها الذهبي. وقد تطورت وتنوعت حتى ظهرت الصحف المحترمة والأخرى الصفراء الباحثة عن أخبار الجريمة والفضائح. وقد لعبت هذه الصحف دورا مهما في نشر أخبار جرائم «جاك السفاح» وكذلك في تشويه الحقائق، إذ وصل الأمر إلى احتمال تزوير الأدلة، فمثلا حامت شكوك حقيقية حولة حقيقة الرسائل التي استلمتها الشرطة، خاصة الرسالة المزعومة من «جاك السفاح» التي قد تكون من تأليف أحد الصحافيين لإثارة الرأي العام، وقد أدعى أحد الصحافيين عام 1931 أنه مَن كتب تلك الرسالة.
وطالما أن تأثير الصحافة هائل وكون بريطانيا الامبراطورية الأكبر آنـــذاك، تحـــولت ظاهرة «جاك السفاح» إلى ظاهرة عالمــــية ومعـــروفة في جميع أنحاء العالم. ولا نزال نرى الكتب والأفلام عنها محققة رواجا كبيرا وأرباحا طائلة. وقد أضيف نشاط تجاري آخر في هذا المجال، وهو تنظيم رحلات سياحية في لندن يجوب فيها السياح الأماكن التي ارتكبت فيها هذه الجرائم.

التأثير الاجتماعي للحكاية

كانت التغطية الإعلامية لجرائم «جاك السفاح» من ناحية أخرى خير طريقة للفت انتباه الطبقة الثرية والمثقفة في بريطانيا، لمعاناة سكان تلك المنطقة بالذات والطبقات الفقيرة في بريطانيا بشكل عام آنذاك، والضرورة الملحة لتحسينها.
وكان هناك اعتقاد سائد في تلك الأيام أن الناس يمتهنون الإجرام والدعارة لأنهم سيئون بطبعهم وليس بسبب ظروفهم القاسية، وكان يعلل بعض المؤمنين بهذا الاعتقاد أنه مأخوذ من نظرية دارون الشهيرة. ولكن المجتمع البريطاني اقتنع تدريجيا بضرورة محاربة الفقر في بريطانيا.

٭ باحث ومؤرخ من العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية