رحل عنا قبل بضعة أيام البحاثة محمد بنشريفة الذي نذر كل حياته للبحث في التراث المغربي والأندلسي. بفقده يمكننا طرح السؤال عن مستقبل الدراسات الأندلسية في الأبحاث العربية. إن رحيل أمثال محمد بنشريفةـ لا يمكن إلا أن يجعل مثل هذا النوع الأسئلة مطروحا حول مختلف قضايا الدراسات العربية، بالنظر إلى ما صارت تعرفه في جامعاتنا العربية بوجه عام، والمغربية على وجه أخص من ضعف الاهتمام بالدراسات الأندلسية.
لقد تشكلت، في بداية تأسيس كلية الآداب في المغرب تقاليد الدرس الأدبي، كما كانت سائدة في المشرق العربي مثل تحقيق التراث، والاهتمام بالأدب بحسب الأقاليم، والعمل على طبع النصوص المخطوطة. تطورت الدراسات الفيلولوجية التي لا يمكن أن يقدم عليها إلا من أحاط علما بتخصصات عديدة وتعمق في دراسة اللغة والأدب والتاريخ، فضلا عن امتلاك عدة المحقق، وقدرته على قراءة المخطوطات، والتعرف على أسرارها ولغاتها وتواريخها ومظانها. كان من نتاج هذه التقاليد بروز علماء ساهموا في نفض الغبار عن قسط وافر من الذاكرة الثقافية العربية، وكان بنشريفة ممن اضطلعوا بمهمة الانشغال بالتراث الأندلسي والمغربي، فجاءت إنتاجاته غزيرة، ومساهماته المتعددة تؤهله ليحتل مكانة خاصة وسط المختصين في تراث الغرب الإسلامي، أمثال: عبد الله عنان والمستعرب الإسباني غارسيا غوميس وإحسان عباس وسواهم، وفي الوقت نفسه تجعله متميزا عنهم جميعا.
يبدو تميز بنشريفة في اهتمامه من جهة بالأعلام الذين كان لهم باع في الإبداع والثقافة المغربية ـ الأندلسية، ولكنهم كانوا غير معروفين لدى المختصين، فكان ببحثه الدائب أن كشف عنهم، ونقلهم من الغياب إلى الحضور، فعرّف بهم وبإنتاجاتهم.
يبدو تميز بنشريفة في اهتمامه من جهة بالأعلام الذين كان لهم باع في الإبداع والثقافة المغربية ـ الأندلسية، ولكنهم كانوا غير معروفين لدى المختصين، فكان ببحثه الدائب أن كشف عنهم، ونقلهم من الغياب إلى الحضور، فعرّف بهم وبإنتاجاتهم من أمثال: ابن لبال الشريشي وإبراهيم الساحلي وابن رشد الحفيد وعبد الرحمن سقين وابن مغاور الشاطبي وابن حريق البلنسي وأبو بحر التجيبي والحافظ الماكري والمنتوري والبسطي آخر شعراء الأندلس. كما أنه من جهة أخرى لم يميز بين الثقافة العالمة والشعبية، وتقديمه لملعبة الكفيف الزرهوني يعتبر في آن كشفا عن أول نص شعبي بالعامية المغربية، وتعريفا بنص طاله النسيان. ومن جهة ثالثة لم يقتصر اهتمامه فقط، على التراث الأندلسي ـ المغربي، بل نظر إليه في نطاق اتصاله بالتراث العربي في المشرق. فقدم ديوان أبي فراس الحمداني من خلال رواية مغربية، وبحث عن آثار المتنبي وأبي تمام في آداب المغاربة. وفي الوقت عينه، بين اهتمام المشارقة بالتراث المغربي، من خلال كتب الطبقات المشرقية، فجاء كتابه تراجم مغربية من مصادر مشرقية ليبين التفاعل بين المشرق والمغرب. كل هذه العوامل وغيرها تبين لنا بجلاء أننا أمام باحث لا يجود بمثله الزمان، سعة علم، وغزارة اطلاع، وكثرة إنتاج. لقد أعطى للمكتبة العربية الشيء الكثير من خلال اضطلاعه بالكشف عن نوادر المخطوطات، والتعريف بالكثير من الأعلام. تعرفت على بنشريفة لأول مرة بعد اطلاعي على تحقيقه لأمثال العوام في الأندلس للزجالي سنة 1975 لأن هذا الكتاب صدر عن مطبعة محمد الخامس (في فاس) التي كان يشتغل فيها أخي الأكبر، فسررت بالكتاب لطرافة الموضوع. فالأمثال الأندلسية تشبه الأمثال المغربية، لكن ما أثارني هو كثرة الهوامش الدالة على علم الرجل وحرصه الشديد على توثيق دراساته بدقة متناهية، ما يدل على تميزه بصبر العالم. وأتيحت لي فرصة الدراسة على يديه في سلك تكوين المكونين، حيث كلفنا بالبحث عن المتنبي في التراث الأندلسي. وحين أصدر ملعبة الكفيف الزرهوني كتبت عنها دراسة مطولة، باعتبارها أول نص شعري شعبي مغربي يقع في حوالي خمسمائة بيت.
توج مشروع بنشريفة بإصداره «تاريخ الأمثال والأزجال في الأندلس والمغرب»، في خمسة مجلدات، وصدر عن وزارة الثقافة المغربية، 2006، وانتدبني رحمة الله عليه، لأقدمه له في المعرض الدولي للكتاب. لقد اكتشف في هذا الكتاب مقاطع أخرى من الملاعب، غير الملعبة الكاملة للكفيف الزرهوني.
في نطاق النظام الجديد للدكتوراه، وفي إطار تثمين مشروع بنشريفة، اهتممت بالسرد الأندلسي، وشكلنا فريقا للبحث في «سرديات النص المغربي الأندلسي» تجديدا للدراسات الأندلسية المغربية. وكان من نتائج هذه التجربة إشرافي على أطروحتين متميزتين طبعتا معا، وكان لهما حضور خاص، أولاهما للباحثة المرحومة مليكة نجيب، والثانية للباحث الجاد إبراهيم الحجري، وهناك دراسات أخرى قيد الإعداد.
لا يمكن لرحيل أمثال محمد بنشريفة إلا أن يجعلنا نتساءل عن مستقبل الدراسات الأدبية عامة، والأندلسية خاصة، بالنظر إلى ما صارت إليه جامعاتنا، وما باتت تعرفه من اهتمام لا علاقة لها بالبحث العلمي، بسبب انشغالها بسوق الشغل.
إن تراث الغرب الإسلامي ما يزال يستدعي البحث والتنقيب والدراسة. والغريب هو أن نجد الدراسات الأندلسية تحتل الآن جزءا مهما جدا في الدراسات الإسبانية، وأهم ما يبرز من أعمال حول التراث الأندلسي يتم بالإسبانية. وفي المقابل نجد الاهتمام بالأندلس وأدبياتها يتقلص باطراد، سواء على مستوى التدريس أو البحث في الكليات المغربية والعربية. وما يستدعي السؤال، أيضا، لماذا يهتم الروائيون العرب، حاليا، بالأندلس، في الوقت الذي يضيعها البحث؟
٭ كاتب مغربي