تغتني أحداث الروايات الجديدة في العراق، بإفرازات الواقع المعيش، الذي كرسه الاحتلال الأمريكي، وأفرز إشكالات عصية على الفهم والإدراك، مقارنة بما جرى من تغيرات دراماتيكية في الأقطار العربية، بما يسمى الربيع العربي، فالطبعة العراقية من التغيير طبعة خاصة بطبقتها السياسية، وما أفرزته من إيقاعات مأساوية، في المجتمع العراقي أهمها، تخريب النسيج الاجتماعي، من خلال بعث الطائفية والعرق، وتغليب الهويات المذهبية على الهوية الوطنية، ما خلق فوضى هائلة في الواقع المعيش، وضع الروائي والفنان والمثقف، تحت طائلة البحث عن الخلاص، عبر النصوص المكتوبة، والرسوم والمقالات العديدة التي تكتب يوميا في الصحف والمواقع وغيرها.
وإذا كانت الرواية هي البوصلة الحساسة التي تؤشر الاتجاهات، وتشير إلى الانحرافات الخطيرة فيها، فقد غصت عوالمها بأحداث من الواقع المعيش، عبر تقانات فنية، ومعالجات شعرية متنوعة، لإعلاء رتبة اليومي والمكرر في الحياة، إلى أعمال روائية فنية، تغتني بالوقائع وتغادره إلى تخوم الفن والإبداع، لتشكل وثيقة فنية. ومن الروايات الصادرة حديثا رواية «نساء ماهر الخيالي» دار شهريار ط1 2018 للروائي ياسين شامل، التي تبنى أحداثها على خلفية الاحتلال، وما جرى فيه من تغيرات عميقة في الذات وفي التشكيلة الاجتماعية، وردت هذه التغيرات في الرواية عبر عينات مكثفة وعبر زمن طويل نسبيا يمتد من الاحتلال بعد 2003 إلى تشكل الدولة الحديثة بدستورها وكياناتها السياسية والقضائية المختلفة.
غصت عوالم الرواية بأحداث من الواقع المعيش، عبر تقانات فنية، ومعالجات شعرية متنوعة، لإعلاء رتبة اليومي والمكرر في الحياة، إلى أعمال روائية فنية، تغتني بالوقائع وتغادره إلى تخوم الفن والإبداع.
فضاء الحرية في جو ملتبس
تبدأ الرواية من نهايتها، عبر رسالة إلى (سيدي فخامة النائب)، من ماهر الخيالي الشخصية الرئيسة في الرواية والمتحكم في سرد أحداثها، إلى الدكتور (حسون بدر) الأستاذ الجامعي، والسياسي الذي أنشأ حزبا وأصبح نائبا في البرلمان، وتتضمن الرسالة نزعة الذات نحو البوح، عبر سرد سيرته الذاتية التي لم يتعرف عليها الاستاذ أو الذين يحيطون بشخصية ماهر الخيالي، يعلن فيها عن هواجسه من الفضاء الذي يحيط به وأفكاره عن وجوده في هذا الفضاء فيقول «كي أكون صادقا معك، وليس حريا بشخصك المبجل غير الصدق سوف أتكلم بكل صراحة ولن تهمني النتيجة مهما تكن، لعل أمورا خفيت عنك من الأجدى أن تعرفها» ويكون الكشف عن السيرة بشكل اعترافات ملغزة يكتنفها المجاز يعترف فيها ماهر بحيرته وخوفه من الآتي: «عبرت مطبات حرجة، ثم تناثرت مشتعلا على صفحات كثيرة، وبعد زمن حرقت أوراقي كلها»، بسبب أنه «لا أصلح للتعامل بالسياسة مع السياسيين، من أين آتي بالحيلة كي أحسب منهم ولهم وعليهم» ليحدد موقفه من هذه الحياة المتشظية قائلا: «دعني أتمسك بأسمال حريتي المتبقية، التي أدرك حدودها وبقايا أشلائها، لعلي لم أخرج من ردائها، ولا أريد سوى الانعتاق في عالم فسيح»، بما يعني تمسكه بحياة شخصية، مترفة، مع مجموعة من طالبات الجامعة، تحكمها تمنيات وأحلام تهدف في أقصى حالاتها إلى تمن صعب التحقيق: «كنت أتمنى أن أحظى بامرأة لها جرأة زليخا».
ووفق وجهة نظره التي تسرد عبر ضمير الأنا، أو وجهة نظر أصدقائه ومعارفه وصديقاته، يبدو ماهر إنسانا ضعيفا مترددا خائفا من كل شيء «رأسه مثقل بالأفكار، كأنما هناك أسلاك متشابكة يراد لها فرز»، وهو من وجهة نظر الآخرين يظهر بشكلين متضادين تبعا للعلاقة بينه وبين هذه الشخصيات، فأستاذه الدكتور حسون يسبغ عليه مظاهر الإخلاص والنزاهة ويرى فيه «الصفحة البيضاء الناصعة» و«أنت امرؤ شجاع»، حين كان ماهر مساندا قويا له، لكنه يتخلى عن كل ذلك في نهاية الرواية واصفا إياه بالرجل الخيالي الذي أفسد مشاريع حزبه «كنت جامدا متقوقعا في دائرة خيالك الضيقة لست إنسانا تخاف الله، أفسدت الكثيرات من النساء إن كن من ورق أو من لحم ودم»، وعبر كل هذه المواصفات نرى أن شخصية ماهر الخيالي، تصلح لإقامة عالم مفكك غير متماسك، تحكمه النزوات وتشيع فيه الفوضى والقتل المجاني وسطوة الغش في السياسة، والحياة، ويتضح ذلك بشكل جلي بحركة السرد التي تأتي مرتبكة، مفككة أيضا، تتحكم فيها ضمائر عديدة أهمها ضمير الأنا، الذي يسرد الأحداث في ذاكرة ماهر بالأصل عبر رسائله وعبر «ملف الخيال» الذي يسرد جانبا من حياة ماهر الخيالي، كما أن هذا الضمير يتسيد في الجزء الثاني من الرواية «ما قالت النساء» ليسرد في الأقسام: «ماهر وسماح في الخيال» الذي تسرده سماح، و«ماهر وآن في الخيال» الذي تسرده آن المسيحية، ثم «ماهر ونغم في الخيال» و«ماهر وعواطف في الخيال» الذي يسرد من خلال وجهة نظر نغم وعواطف على التوالي، في محاولة من الروائي للإيحاء بتعدد الأصوات، غير أن الأصوات التي تقدمها نساء ماهر في الرواية لم تطور وجهة نظر عن عالم هؤلاء النساء أو عن علاقتهن بشخصية ماهر التي كانت جزءا أساسيا من تفكير هؤلاء النساء، بل هي مجموعة ذكريات بسيطة متناثرة لا تعمق الحدث الروائي ولا تعطي انطباعا عن ضرورة استثمار هذه التقنية في الرواية، وكأنها جاءت لسد الفراغات الكثيرة في الرواية، بدون مبرر، تؤكده انتقالات سرد السارد المرافق للشخصية الرئيسة (ماهر) مرة بضمير الأنا ومرة بضمير الغائب، وصولا إلى الضمير الذي يعنى بالإحاطة بعالم الرواية بما يسمى السرد بضمير كلي العلم.
يبدو البحث عن الحرية في مفهوم ماهر الخيالي ملتصقا بحاجات الذات ونزواتها، وليس امتدادا لحريات الآخر، فهو رجل مسالم لا يريد «من الحياة أن تكون ساحة حرب مع الذات أو مع الآخر».
الجنس الحرام
يكشف ماهر عن خوفه وتردده من عالم النساء في سرده المباشر بضمير الأنا، لكنه في سرده بضمير الغائب، وحين يكون السارد متواريا خلفه، فهو يرى ما لا يراه فعلا وعيانا، ويسمع ما لا يسمع في عالمه الواقعي، ويفصح عن أعماقه، وميوله الشاذة تجاه عالم المحرمات والزنا بالمحارم الذي يشكل عالمه الحقيقي. من الإشكالات العميقة في هذه الرواية التي تكرسها نزعة ماهر الفردية وتغذيها فضاءات الخيال عنده علاقته المشبوهة بخالته شذى، التي تمثل له أنموذجا للأنثى المشتهاة، «كانت شذى لا تبالي في نومها لو انحسر ثوبها القصير وبان جسدها البض في هذا الجو الخانق بسبب الحرارة والقلق» وهي «في غاية الأناقة بملابسها التي جلبتها لها». وهي «أجمل النساء» لتبدو من وجهة نظره صورة مجسدة عن الاشتهاء الجنسي المضمر في الذات معبرا عنها بصيغة ضمير الغائب المصاحب للشخصية، وفي مكان آخر يرسم صورة شبقية لخالته، من خلال حافز «تجربة الخطيئة» الذي يدفعه للإيغال في تنفيذ خططه المحرمة، ويرسمه له صديقه شهاب قائلا «أراك مصرا لا تريد أن تجرب الخطيئة، التي لها طعم سحري، يأتيك من مسارب شتى، لا حرية من دونها».
وإذا كان صديقه شهاب يدفعه هنا إلى أحضان النساء الرخيصات (خوله وشلتها)، فإن لا وعي ماهر المريض يذهب به إلى بيته حيث ستكون شذى «قلقة وبالانتظار» لتكون هذه العبارة مدخلا لعالمه اللاواعي المغلق، عبر «حالة سكر شديدة السطوة»، تقوده إلى ممارسة جنسية معها عبر مجموعة أفعال حسية تجسد أفضل مشهد سردي في الرواية كلها، استثمر فيها الروائي ياسين شامل مجموعة من الصور الحسية التي تجسد الممارسة الجنسية عبر ذهن مشوشة يغلب عليها السكر الشديد وفقدان الوعي وتختلط فيها المشاهد بين الحقيقة والإيهام تظهر فيها صديقاته: نغم ومنار وسماح وأوديت وكل النساء اللائي عشقهن بأوضاع جنسية متنوعة في رحلة إيهامية بطلتها خالته شذى، مموهة بحضور حلمي باذخ لهؤلاء النساء.
البحث عن الحرية
يبدو البحث عن الحرية في مفهوم ماهر الخيالي ملتصقا بحاجات الذات ونزواتها، وليس امتدادا لحريات الآخر، فهو رجل مسالم لا يريد «من الحياة أن تكون ساحة حرب مع الذات أو مع الآخر». وهي آمال وتطلعات، ينقضها الفضاء المشاكس الذي يعيش فيه. إن معضلة الحرية في وجدان ماهر وتصرفاته، تتغذى من حياته المدللة التي عاشها مع خالته شذى، بعد مقتل والديه، وبالثروة التي خلفتها العائلة وبالعناية الفائقة من قبل خالته، ولذا فالحرية عنده خيال مجنح مع نساء الروايات التي أدمن قراءتها منذ طفولته، ومع طالبات الكلية اللائي يمثلن له عالما «معقــدا وعجيبا»، لا يستطيع دخولــه، والاستمتاع بمباهجه، لكنه من وجهة نظر صديقه المقرب شهاب «كان ثعلبا ماكرا في تعامله مع النساء» و«كانت حياته صاخبة، ما بين ارتياد النوادي الليلية ونشوة السكر ولذة النساء» وهو «كان يعترف ليس لديه أعراف ولا يعرف له دين، بل إنه يطمح للحرية المطلقة». وكل ذلك يشير إلى شخصية ضعيفة، تسرد ما تراه وتسمعه، لإنشاء عالم مفكك، تحكمه أعراف شاذة وشخوص متجبرون يضعون مصالحهم الشخصية فوق مصالح العالم الروائي الذي أصبح عبئا ثقيلا ومحنة مستديمة في وجود ماهر الخيالي .
٭ كاتب عراقي