يتميز الفيلم التسجيلي الفلسطيني عمـــوما ببراعــــة اصطـــياد المفارقــة والقبــض على المعنى الأهم في الحالة الاســتـثنائية، ولأن الســـينما الفلسطينية قائمـــه بالأســـاس على الفكرة المستحيلة، فهي غنية بالمضامين التي تتجاوز الواقع برتابته وانهزامه وعبثيته، ولهذا تتعدد النماذج البطولية على اختلاف نوعياتها وأجناسها ودلالاتها، ويصبح المكمن الحقيقي للتأثير مختصراً في عبقرية التعبير والتوظيف وبلاغة الإسقاط على أي نحو تحتمله الرؤية الفنية لكاتب السيناريو والمخرج.
في واحد من الأفلام التسجيلية القصيرة جداً يذهب بنا العنوان، «بسمة روح» إلى مواطن التألق والوهج في شخصية البطلة «جميلة»، تلك الفتاة التي يقدمها كاتب الفيلم والمخرج سعود مهنا كنموذج للتحدي والانتصار، ويؤجل المفاجأة الخاصة بها إلى آخر عشرين ثانية في الفيلم، فتكون النهاية هي الدرس البليغ في كيفية الاستفادة من التجربة القاسية والمؤلمة التي مرت بها ابنة الرابعة عشر ربيعاً، وهي لا تزال في ريعان عمرها.
لم يقدم سعود مهنا أي معطيات للقصة الإنسانية المثيرة في معرض حديثة عنها، غير أنه عمل على استدراج المشاهد للدخول طوعاً في الحالة الفنية السينمائية، ليرى بالصوت والصورة أمارات التفوق والذكاء في عيون البطلة جميلة ذات البراءة المطلقة، وصاحبة السحرية الخاصة على الشاشة، بيد أنه لم يدخل مباشرة في مضمون الفيلم، وإنما ترك للكاميرا حرية التجوال والطواف حول المكان الذي تعيش فيه جميلة وأسرتها وأقرانها، لتُعلن الصورة عن نفسها، ونلحظ ذلك التميز الجغرافي البديع لموقع مدينة غزة التي تأبى السقوط وتُصر على الحياة كأي بلدة فلسطينية أخرى كُتبت عليها المواجهة وصارت مطوقة بالحصار فزاد صمودها.
ترتفع عدسة الكاميرا فتُحلق فوق سطوح البيوت وتستطلع النوافذ والشبابيك والأشجار من علٍ كأنها تنقل السكون في جُنح الليل، أو ترسم لوحة تشكيلية للمدينة التاريخية القديمة التي تسكنها البطلة الموعودة بالأمل والمتحلية بالصبر..
لم يقدم سعود مهنا أي معطيات للقصة الإنسانية المثيرة في معرض حديثة عنها، غير أنه عمل على استدراج المشاهد للدخول طوعاً في الحالة الفنية السينمائية.
وفي لمحة رومانسية داله على الصفاء الداخلي للجميلة ذات السنوات الأربع عشرة يظهر في الكادر العصفور تداعبه الأصابع البريئة وهو محبوس في القفص، فيأتي الخاطر ويُستنتج المعنى الذي يوحي بالتماثل بين الحالتين، حالة العصفور البريء السجين، والحالة ذاتها للفتاة الناطق وجهها بالحُسن والجمال والمُشعة عيناها بآيات الصبر والرضا.
لا يزال المخرج يؤجل المفاجأة فلا يُطلعنا إلا على الوجه المبهر لشخصية بطلته الصغيرة، التي تحلُم بأن تكون صحافية ناجحة يشار إليها بالبنان وتعكف على الدراسة وتجيد الكتابة على الكمبيوتر، وتدخل كباحثة شغوفة إلى عوالم الإنترنت والتكنولوجيا، تفتش عن الجديد والمثير والمتطور في حياة البشر وابتكاراتهم العلمية والثقافية والإبداعية، فهي تجد في العالم الافتراضي ضالتها وتشعر بوجودها كإنسانة لها حق الحياة بشكل طبيعي غير منقوص وتسعى لاقتناص فرصتها كاملة في النجاح والتفوق فما زال أمامها براح متسع للأحلام وتحقيق الذات والتعويض.
عند نقطة الاقتراب من نهاية الفيلم تركز الكاميرا على وجه البطلة الجميلة، لتتضح ملامحها بدقة كأنه التفرس لاكتشاف المزيد من التميز، ويعلو صوت الموسيقى الناعمة تدريجياً إيذاناً بإعلان المفاجأة التي انتظرها المشاهد على أحر من الجمر طوال الزمن القياسي للفيلم الأهم، الحاصل على أكثر من جائزة لنكتشف أن جميلة مبتورة الساقين، وأنها تعيش تقريباً بالنصف العلوي فقط من جسمها بعد أن قصف الطيران الإسرائيلي بيت العائلة فصارت هي الضحية، بل هي النموذج الأمثل لمعنى الحياة الحقيقي بكل ما فيها من أمل وإصرار وتحد وجميع إشارات النصر.
٭ كاتب مصري