العلمنة السياسية وإشكالية التعدد

حجم الخط
0

د. ريتا فرج ما حدث في كنيسة الاسكندرية مطلع السنة الجديدة يطرح إشكاليات شديدة التعقيد، يرتبط جزء منها بظاهرة العنف الديني، التي لم تفارق حتى اللحظة المجالين العربي والإسلامي؛ ولكن الجدل التاريخي حول القلق الوجودي الذي يعتري المسيحية الشرقية لا يتعلق فقط بفقه جماعات التكفير وما تمارسه من نبذ وإقصاء وإلغاء للآخر، صحيح أن هذا الفقه تغزوه فتاوى مستمدة من ابن تيمية عمـــــــيد السلفيين، إلاّ أن للمؤثرات التاريخية منذ تعاقب الخلافات والوصايات على ديار الإسلام المترامية، دورا أساسيا تجاه عدم احتضان التعدد الثقافي والديني والمذهبي. احتواء الاختلاف لا الخلاف يعني التدشين لأطر الدولة القادرة وحدها على التخفيف من العنف السياسي والديني، أي العقل الناظم لشؤون الجماعة، على قاعدة المساواة والحق في التعبير وتكريس حقوق الانسان والعقد الاجتماعي، التي تسمح بدورها بتأمين الحد الأدنى من الأمن المجتمعي. تاريخياً لم يمارس الإسلام مع النصرانية، كما تفضل أن تسميها الأدبيات الإسلامية، عنفه ضد هذا الآخر إلاّ في فترات التحولات الداخلية أو التهديد الخارجي، لا سيما في حقبة الحروب الصليبية، مع العلم بأن مسيحي هذا الشرق المأزوم، لم يتعاونوا مع الفرنجة إلاّ بحدود طفيفة، فرضتها طبيعة الصراع بين الطرفين. غير أن المعضلة التي يستند اليها القائلون بوجود العنف في النص القرآني تجاه أهل الكتاب، تحديداً ما يتعلق بآيات السيف، تحتاج الى قراءات جديدة، لا تنفصل عن جدلية الوحي والتاريخ، التي رافقت الرسول خلال نشر الدعوة بين مكة والمدينة، والتي ترتبط بعلاقته مع الجماعات اليهودية والمسيحية؛ ورغم أن الصدام بين الإسلام واليهودية يظهر بشكل أوضح، لكن التحول النوعي الذي لم تلحظه الدراسات الإسلامية الحديثة يتمثل بكيفية انتقال النص والوحي من الرؤية المسيحية الى الرؤية الموسوية، أي من التسامح الى العنف المشروع في الكثير من جوانبه. واليوم حين يثار بين فترة وأخرى ما يتعرض له مسيحيو الشرق من اضطهاد ـ وإن بدا هذا الاضطهاد أشد حضوراً بعد سقوط بغداد ـ من قبل الأنظمة وجماعات العنف العابرة للقارات، فهذه المسألة تستدعي التساؤلات التالية، أين هو موقع الدولة من التعدد؟ وهل العلمنة السياسية، كما يقول الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، جزء بنيوي من إشكالية التعدد الثقافي؟ وهل هي قادرة وحدها على تأمين دولة المواطن تحديداً في البيئات التعددية؟ لا شك أن عودة الهويات في ما يتعدى العنف الإسلاموي الراهن، الذي هو نتاج التاريخ وليس متن النص المقدس، تحيل الى أزمة الديمقراطيات الحديثة؛ فخطاب ما بعد الحداثة، يتحرى بقلق عن آليات احتواء التعدد، وما عاد للفلسفات التي تنادي بشمولية المجتمع وانسجامه الكامل حضور فعلي، فصار من الضروري النظر الى الغير في غيريته، ليس من منطلق التنابذ أو التعارض مع الذات المفارقة، بل من منطلق تكريس مفهوم المواطنة متعددة الثقافات؛ مواطنة تقوم على توسيع الحقوق المدنية لكي تضم الحقوق الثقافية، أي على أساس النظر الى الآخر من كونه جزءا من جماعة المواطنين، كما نادى بها ويل كيمليكا. وإذا قاربنا مآزق المسيحية الشرقية من نظرية كيمليكا بصرف النظر عن إرهاصاتها المفترضة، فهذا يعني أن للدولة، دولة المواطن، المسؤولية الأهم، في التحاور والتثاقف مع الآخر الديني، من دون أن يؤدي ذلك الى إلغاء الفروق أو المسافات الفاصلة بين شرائحه، على اختلاف منظوماتها. غير أن الأزمة التي تعاني منها الأنظمة الهشة في مجالنا العربي ـ الإسلامي، أنها لم تحقق حتى اللحظة تصالحها مع ذاتها، أي مع التعدد داخل الإسلام نفسه، فالخطاب الرسمي السياسي ـ الديني، لم يتصالح مع ماضيه، فكيف يمكن له أن يقطع معه، واليوم تأتي الهجمات الارهابية التي يتعرض لها المسيحيون في مصر والعراق، وربما مستقبلاً في دول أخرى، لتشكل حلقة الوصل لعجز الدولة عن تكريس المواطنة المتعددة، في الدين والاثنية، وإلاّ ماذا يعني تفاقم العنف داخل ما يسمى بالأنظمة الهشة، صحيح أن للهويات سطوتها خارج الشرق الأوسط، لكن الغرب تخطاها، عبر توطيد المساواة والحق في الفعل السياسي والثقافي، ولعل الأنموذج الكندي والأمريكي أيضاً يمثلان أسطع دليل على ذلك، وبغض النظر عن الوجه المزدوج لسياسات البيت الأبيض الذي يعزز الديمقراطية داخل حدوده، ويؤجج الفتن الدينية والاثنية خارجها، فإن التعدد في الولايات المتحدة هو الذي أكسبها، الدور الريادي في العلم وحقوق الإنسان. والمفارقة أن هذا الشرق، شديد التنوع والغنى لم يستفد من تعدده، ربما لأن تجربة الدولة الوطنية، اجهضت، ما أعطى مساحة أرحب لجماعات العنف، التي تذبح وتقتل خصمها المسلم والمسيحي في آن.

ظاهرة الإرهاب القاعدي ـ نسبة الى حركة القاعدة ـ التي بدأت بشن معاركها الدموية على مسيحي الشرق، لا يمكن فصلها عن المعطيات السياسية الداخلية، والدولية أيضاً، وصحيح أن لجماعات العنف الراهنة شبكات تواصل خفية مع المخابرات العالمية، لكن الذي يفتعل المشاهد الاجرامية باسم الدين قادر على إيقافها، والأخطر من حلقة التواصل بين القاعدة وأخواتها، احتضان بعض الدول العربية لها، وتوظيفها سياسياً، ولعل وثائق ويكيليكس الشهيرة تسعفنا في المجاهرة بهذا الافتراض. وإذا انتقلنا من العام الى الخاص، وقاربنا المذبحة الذي وقعت في الاسكندرية، لوجدنا أن المسألة الطائفية، ليست جديدة في مصر، ولكنها اشتدت بشكل أوضح في حقبة الرئيس أنور السادات عام 1972 أي بعد وفاة جمال عبد الناصر، ومن بعده كيرلس السادس، وانتخاب الأنبا شنودة، وبحسب ما قاله محمد حسنين هيكل في كتابه ‘خريف الغضب’ أدى بناء كنيسة في الخانكة، إحدى ضواحي القاهرة، الى تفجير العلاقة بين الكنيسة القبطية والسادات، غير أن الحادثة سرعان ما تم تطويقها بعد زيارة السادات للبابا شنودة، وللأزهر، وتأكيده على أهمية الوفاق الوطني في هذه الظروف الصعبة، خصوصاً أن مصر كانت في إطار الاعداد لحرب محتملة مع إسرائيل.

الاضطراب بين الأقباط والنظام المصري لم يقتصر على القيود المتعلقة في بناء الكنائس، بل إن المؤسسات الرسمية لا تمثلهم بالشكل المطلوب، وهم عملياً لم يشاركوا بشكل فاعل في الانتخابات. وبدءاً من أول عملية انتخابية لمجلس الشعب أُجريت في مصر بعد ثورة تموز/يوليو 1952 تناقصت مقاعدهم، ما اضطر عبد الناصر الى اضافة نص الى دستور 1964 يُجيز لرئيس الجمهورية تعيين عشرة أعضاء منهم في المجلس النيابي، بعد أن كشفت نتائج الانتخابات التي أجريت في ذلك العام عن عدم فوز أي قبطي، وهو نص لا يزال يستخدم في تعيين عدد منهم. النقلة النوعية التي فجرت المسألة الطائفية في مصر، المواقف السياسية التي اتخذها السادات، لإرضاء الجماعات الإسلامية، وذلك حين أقر في دستور 1971 نصاً يقضي بأن ‘الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية ومبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع’. والحال فإن تصاعد العنف الديني ضد المسيحيين لا ينفصل عن معضلات الاندماج، وعن دور الدولة في الحوار مع التعدد، وعن العلمنة السياسية التي تدخل في تركيبة التنوع، والتي تخفف بدورها من تهميش الآخر مهما كانت هويته. والعملية التفجيرية التي تعرضت لها كنيسة القديسين في مصر جزء من أزمة النظام المصري والعربي الذي يغيّب قنوات التواصل بين السلطة والجمهور بكل أطيافه وانتماءاته. ‘ كاتبة وباحثة لبنانية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية