ستبقي روح المقاومة عصية علي فهم الاستسلاميين
ss هيفاء زنكنةssspp في تاريخ الشعوب سنوات وأيام تشبه صفحات الكتب ـ المصادر الثمينة. كتب لا تنتهي قيمتها عند الانتهاء من القراءة بل يتم الاحتفاظ بها ذخيرة للابناء وابناء الابناء. كل سطر يمثل درسا وكل صفحة تمثل معينا لا ينضب لنقل المعرفة والتجربة. في تاريخ الشعب العراقي هناك سنوات تحمل في ايامها جوهر ذاكرتنا وهويتنا ووجودنا ومقياس مستقبلنا. انها: سنوات ثورة العشرين عام 1920 ضد الاحتلال البريطاني والمحافظة علي الوحدة الوطنية، ثورة 14 تموز (يوليو) عام 1958 ضد معاهدات واحلاف الاستعمار والملكية التي نصبها الاحتلال، وسنوات التضامن مع حرب التحرير الجزائرية والثورة الفلسطينية كمحطات انسانية مضيئة. كل كلمة وحرف في أيام السنين المذكورة حفرت في ذاكرتنا عميقا لتصبح جزءا منا ونصبح جزءا منها. وكلها بلا استثناء تصب في نسق تاريخي واحد تنمو فيه انسانية الفرد وتزدهر بفعل روح المقاومة ضد الاستعمار والاحتلال والاستغلال، من اجل الاستقلال والحرية والعدالة. هل هناك ما هو أثمن واغلي من هذه المطالب في تاريخ أي شعب كان؟ pppان سلوك مستخدمي الاحتلال الخانعين يدل علي ان الجواب بالنسبة اليهم هو الإيجاب علي الرغم من وجود مستويات متعددة من درجات العبودية بينهم. لقد قاموا، جميعا، بتبرير اعتداءات وانتهاكات وجرائم الاحتلال تحت شعار القبول بالامر الواقع بعد ان تلاشي شعار تقاطع المصالح الذي قاموا بتبنيه قبل الشروع بغزو وتدمير بلدهم . وهو سلوك فريد من نوعه. اذ استخدموا حجة اسقاط النظام السابق لمنح الادارة الامريكية المبرر الاخلاقي لغزو بلدهم، مما يجعلنا نذكر بان مواطني جنوب افريقيا السود، وهم غالبية السكان، علي الرغم من اخضاعهم للتعسف والتمييز العنصري المقيت من قبل الاقلية البيضاء وعلي مدي عشرات السنين وبشكل مذابح وحجر في اماكن ومدن محددة واعتقالات مهولة، وعلي الرغم من نضالهم المتواصل لم يطلبوا من اية دولة اجنبية ان تقصف وتهدم وتحتل بلادهم وتحوله الي جحيم يومي لا يتحمل البقاء في نيرانه غير من لا يملك خيارا آخر. لذلك، علينا الا ننسي ان جرائم مستخدمي الاحتلال أشد وطأة من جرائم المحتل نفسه. لان المحتل يقوم بتنفيذ ما ينفذه دفاعا عن وطنه ومبادئه وقيمه وسياسته بينما يقوم مستخدم الاحتلال بايذاء اهله واستهداف شعبه ونحر ابناء امته دفاعا عن مصالحه الفردية والحزبية الضيقة المرتبطة عضويا بسياسة المحتل. وهي السياسة التي علمنا التاريخ القريب والبعيد ونضالات الشعوب التحررية، انها لا يمكن ان تكون او تتقاطع مع مصالح الشعب الذي تم احتلال بلده. كما ان من يسوغ للاستعمار وحشيته بدعوي التحرير وتأسيس الديمقراطية ما هو الا قرقوز يحركه سيد العرض وسيتم رميه جانبا كدمية حالما ينتهي العرض. ان تأسيس الديمقراطية والتغيير الحقيقي لا يتم الا من قبل الشعب نفسه وتبعا لاختياراته الحقيقية ولن يتم بواسطة غزاة لديهم أهدافهم الإستراتيجية التي تبرر ارهاب الناس وترويعهم حتي ولو كانت الدولة الغازية هي منارة الحرية والديمقراطية الأولي في العالم. ألم ير مستخدمو الاحتلال ما فعلته امريكا في الفليبين وفيتنام وامريكا اللاتينية، أم ان رغبة الانتقام من شعبهم قد جعلتهم عميانا صما بكما؟ ولننظر الي ما حدث في الجزائر التي ذاق شعبها الامرين تحت الاستعمار الفرنسي. هل عامل النظام الفرنسي سليل الثورة الديمقراطية الفرنسية، الذي ذاق بدوره مرارة الاحتلال النازي، الشعب الجزائري وفق الاصول الديمقراطية؟ هل تعلم من معاناته المريرة؟ وهل حدث وتقاطعت مصالحه وهو الشعب المتبني للقيم الديمقراطية المعتز بحريته ومساواته مع الشعب الجزائري؟ لنأخذ مثالا بسيطا. ان أحداث 8 أيار/مايو عام 1945 ستساعدنا علي توضيح الصورة. فيوم انتصار قوات الحلفاء علي النازية، حدثت اضطرابات في مدينة سطيف الجزائرية سببت قتل 21 مستوطنا اوربيا. وتكررت الاضطرابات في الأيام التالية في مدن قالمة وباتنة وبسكرة وخراطة أدت الي مقتل 103 من المستوطنين الأوروبيين. فماذا كان رد المستعمر الفرنسي؟ هل حقق بالحوادث واعتقل من سبب الاضطرابات؟ لقد جاء الرد بشكل عملية قمعية شاملة تميزت بوحشية مذهلة سببت قتل ما بين 8000 و9000 جزائري. هذا هو زيف الموقف الفرنسي الصالح كنموذج استعماري متميز. موقف فرنسا التي كانت تحتفل بانتصار الدول الديمقراطية علي دولة امتهنت الابادة الجماعية، أي المانيا، بينما كانت مصرة علي استخدام اقسي وسائل القمع العسكري ضد شعب أخضعته منذ أكثر من قرن ولم يكن يطالب، الا باصلاحات لا تمس هيمنة الادارة الاستعمارية. في الجزائر، احتلت قوات الاحتلال الفرنسية القصبة والمدن الجزائرية وفجرت البيوت بمن فيها من نساء واطفال ورجال، ثم ألقت اللوم علي المقاومة الجزائرية لانها لم توفر الحماية للمدنيين أو لأنها إستفزت العقاب الجماعي علي السكان. وفي فيتنام رشت الطائرات الامريكية، الاراضي والغابات والقري بمواد كيمياوية سامة، حيث ما تزال الأمهات الفيتناميات، وبعد اجيال، يلدن أطفالا مشوهين من جرائها، وألقت أمريكا اللوم علي المقاومة الفيتنامية لانها تستخدم الغابات للاختباء متناسية بان الفيتكونغ انما يدافعون عن اراضيهم وحقهم في البقاء في وطنهم وانهم لم يذهبوا بجيوشهم ليحتلوا أمريكا. وفي فلسطين تهدم المنازل وتقصف المدن ويتم اغتيال كل من يحتج او يقاوم الاحتلال فيقوم اعلام الاحتلال بوصف فعل المقاومة بالارهاب! هذه امثلة بسيطة لتطبيق المفهوم الديمقراطي في البلدان المحتلة. وهذا هو سلوك قوات الاحتلال مهما كانت شعاراتها التي ينضوي تحتها مستخدمو الاحتلال من رجال الدين المعممين وحاسرو الرؤوس الليبراليون الي الشيوعيون الذين تخلوا وفق محاصصة طائفية هزيلة عن امميتهم ودفاعهم عن ( وطن حر وشعب سعيد) وحق الشعب في المقاومة والحرية وحربهم ضد الامبريالية والرأسمالية الي حد دفع المحتل الي وصف سكرتير الحزب الشيوعي بانه (رصيد ثمين لنا) بعد ان اطمأنوا الي انه لا يشكل خطرا علي مشروعهم للاحتكار الاقتصادي، حسب شهادة بول بريمر، وربما كتعبير تقني لعلاقة سابقة بررتها الأحداث. ماذا عن الآن؟ ماذا عن جراح الشعب النازفة وأنينه وبحثه عن الخلاص؟ لقد تبينت المواقف واضحة وضوح شمس بلادنا. برغم الفتنة الطائفية التي يتم إشعالها شهرا بعد شهر، ويتم إخمادها شهرا بعد شهر رغم انجرار البعض اليها من خارج العملاء. لقد وجد المستعمر الفرنسي في بعض الجزائريين عبيدا يخدمونه باخلاص . ووجد المحتل الامريكي في فيتنام الجنوبية حكومة عميلة قاتلت ابناء شعبها من المقاومين للاحتلال مستمدة قوتها من تمديد بقاء جيش الاحتلال واستجداء زيادة القوات الامريكية. وهذا هو ما يحدث في العراق بلا رتوش بلا ذرائع بلا تبريرات. هناك قوات احتلال غاشمة ترتكب الجرائم البشعة ضد أهلنا بمساعدة المستخدمين المحليين من جهة وهناك المقاومة المحاربة للاحتلال المطالبة برحيله لاستعادة حقنا الطبيعي في الاستقلال والحرية وتحقيق العدالة. ان سنوات الاحتلال القاسية بكوابيسها وجرائمها ومجازرها صفحات سنعود اليها، مستقبلا، المرة تلو المرة، لنراجع ونتفحص ونفهم. سننظر الي اللون الرمادي فنفصل مكونيه الاصليين، ما بين الابيض والاسود. لتتبين المواقف ونعيش استقرارا وأمنا نختار فيه وبارادتنا ان نكتب دستورا او وثيقة توافق أو نختار كما هو الحال في بريطانيا التي ليس لديها دستور ان نعيش وفق قوانين نشرعها لنحترمها ونطبقها. لقد عاد من عاد مع الاحتلال مانحا العصمة للمحتل ليقتل ويعتدي ويغتصب ويحرق. متناسيا بانه ما كان سيجرؤ علي الصمت عن هذه الجرائم لو كان في بلدان سادة الاحتلال. انه يعلم جيدا بان سادة الاحتلال لا يتهادنون في حقوق مواطنيهم. الا انهم، ومنذ أقدم العصور يضحون بحياة الاخرين، خاصة ابناء البلدان المحتلة. ألم يقل رئيس الوزراء البريطاني تشرشل مرة: سنقاتل حتي آخر هندي! ألم ينصح الجنود البريطانيين مرة قائلا: لا اريد منكم ان تضحوا بحياتكم من اجل وطنكم، دعوا اولاد الزنا في الجهة الثانية يضحون بحياتهم دفاعا عن وطنهم! لقد استخدم المحتل مستخدميه من العراقيين دروعا بشرية يحمي بها جنوده وحرابا يغتال بواسطتها اهل العراق. قدم المستخدمون شعبهم ضحية للهمجي المحتل. عرضوا عليه نساءهم. صمتوا علي جرائمه. ومددوا له فترة بقائه معصوما محميا مصانا خشية ان يطردوا من بيت السيد الي الحقل. فلا غرابة ان يكرروا مع سادتهم كل فعل مقاومة يستهدف الاحتلال وقواته ومنشأته بانه ارهاب. ولا غرابة ان يبذلوا كل جهودهم بميليشياتهم ومرتزقتهم وفرق موتهم لتشويه صورة المقاومة الباسلة التي كبدت العدو من الخسائر ما جعلته مسعورا في حملات انتقامه كما حدث في سنوات بقائه الاخيرة في فيتنام. ان من جاء مع الاحتلال وفتح الابواب لقوات الغزو سيتعامي وينكر همجية الاحتلال لانه جزء منه وستبقي روح المقاومة عصية علي فهمه. ہ كاتبة من العراق[email protected]