شنق صدام حسين فضائيا.. هاي هي المرجلة؟
توفيق رباحيشنق صدام حسين فضائيا.. هاي هي المرجلة؟لو كان الحقد سائلا مثل الماء لكان ما بثته قنوات العراق الجديد ، خصوصا العراقية و الفرات يوم السبت المصادف حول اعدام الرئيس السابق صدام حسين، كافيا لاغراق الارض ومن فيها. ولو كان التشفي والشماتة يبنيان دولا واوطانا وديمقراطيات لاصبح العراق، منذ السبت، اقوي وافضل من السويد وسويسرا واليابان.سيقول قائل من الثملين فرحا بشنق الرجل انت بعيد، لا تعرف صدام ولم تكتو بناره . صحيح، لكنني اعرف، بالمقابل، ان الدول لا تُبني بالحقد ولا تُدار بالضغينة والتشفي في الجثث واهانتها. والمجتمعات لا تستقيم بالانتقام والثأر. والعدالة لا تتحقق بالشماتة في رجل مكبّل ورقبته بالمشنقة، واستفزازه بالدعوة له بجهنم وهو يلقي الشهادتين. ما بثته القناتان علي مدار الساعات لم يكن سوي اعادة استغلال لدقائق استغرقها تنفيذ الحكم. وما حدث في دقائق تنفيذ الحكم لخص شهورا طويلة استغرقتها التحقيقات المزعومة والمحاكمة الطائفية الجاهزة التي اختزلت حياة صدام في صراعه مع الشيعة. وفي نهاية المطاف، ما شهده العالم يوم السبت هو اتمام لعملية الاغتيال التي فشلت في الدجيل ـ المؤجلة منذ ـ سنة 1982. ما شاهدناه السبت لم يكن دولة تقتص تحقيقا للعدالة، بل ميليشيا سياسية تنتقم وتصفي حسابا بسرعة تحقيقا لنزوة طائفية واستجابة لرغبة امريكية. كان سطوا علي معاناة الاخرين هدفه ايهام الناس ان صدام ظلم الشيعة دون غيرهم من العراقيين.قبل ذلك اليوم كنت احاول البحث في ذاكرتي وارشيفي عن صور يمكن ان اقول عنها انها صور العام 2006. ثم جاءت تلك الصور التي ستكون، لا صور العام فحسب، بل صور الدهر. تري من الذين حضروا مشاهد الشنق؟ ومَن اذن لهم؟ ومن قرر ان فلانا يحضر وفلانا لا يحضر؟ ومن التقط لحظات الشنق بكاميرا جواله وسرّب الشريط؟ وهل زادت بعض التذاكر؟ وبكم بيعت؟ ولمن؟ وهل كان رئيس البرلمان الكويتي جاسم الخرافي من المستفيدين من التذاكر المخصصة لصفوة القوم؟ وهل حضر هاشمي رفسنجاني ليري بعينيه العدالة الالهية تتحقق؟ واين اختفي الرئيس جلال طالباني منذ بدء الجدل عن الشنق (قيل انه رفض، ككردي، توقيع حكم الاعدام وقال اترك عربيا يوقع علي اعدام عربي اخر)؟ ومن هو الرجل الذي كان يدعو لصدام: الي جهنم، وهو يُشنق؟ والسؤال الذي اُنهي به هذه السلسلة هو اخر ما سأله صدام: هاي هي المرجلة؟من المفروض ان الحاضرين هناك، ونظرا للاوضاع الامنية الخطيرة التي منعت جعل التنفيذ جماهيريا، هم رجال الدولة وممثلو القانون. فاذا كانت هذه تصرفات رجال دولة وممثلي قانون، فقل علي العراق السلام.بيد اننا، الي الان، امام ديباجة لانه خزان الحقد كان ينتظر اكتمال المهزلة كي يفيض. ثم فاض. عندما شاهدت صور بعض القنوات الفضائية العراقية واستمعت الي تعليقات العاملين بها في الساعات التي اعقبت الشنق، خفت علي العراق. خفت عليه مما تكتنز النفوس المريضة من احقاد وضغينة وكره لرجل قُضي امره، ولكل من يرفض اهانة رجل محكوم بالاعدام علي وشك ان يُعدم. خفت، لكنني حمدت الله علي ان مفاتيح الجنة والنار في يد واحد احد وملائكته.سيقول قائل من الثملين بنشوة الشنق انني لم افقد عزيزا في ابو غريب او المقابر الجماعية. صحيح. لكن اصح من هذا ان تصرفات الجماعة هناك في ذلك اليوم كانت متخلفة ومشينة ومتوحشة لا تشرف دولة ولا طائفة ولا جماعة ولا انسانا. سيرد اخر ان صدام يستحق ما لحق به وانه لم يوفر لضحاياه محاكم وقضاة، فاقول: اذاً، لا فرق بينهم وبينه. بل انه افضل منهم واذكي. هو لم يوفر شيئا وهم وفروا فضيحة. هو قتل ودفن في الظلام وهم قتلوا مثل ابو مصعب الزرقاوي، امام الكاميرات ثم سوّقوا الصور في المواقع الالكترونية.كانت صورا وتعليقات تفوح بالطائفية والضغينة والحقد. عندما تنقل احدي هاته القنوات الطائفية ان العراقيين بامريكا والهند واستراليا فرحوا ورقصوا لاعدام طاغية العصر ، نقول لا بأس، انها صحافة تنفّس عن كبتها واحقادها. اما عندما تنقل لك نفس القنوات ان الحجاج العراقيين في الاراضي المقدسة فرحوا وغمرتهم السعادة وعبروا عن غبطتهم، فان اسئلة ملحة تصر علي مطاردتك: هل هذا الكلام صحيح؟ هل معقول؟ في الحج؟ في هذا اليوم الذي يقولون انه الاعظم؟ واذا كان صحيحا، فعلي من العيب هنا، علي الحجاج الذين عبروا عن غبطتهم ، ام علي موفد هذه القناة الذي رافقهم، وبالتالي فهو حاج مثلهم لكن حقده غلبه حتي وهو في الاماكن المقدسة؟ ام علي القناة ككل التي ازدادت نزولا كي تلتقط مثل هذه الدناءة؟ ألم يقولوا في الاثر ان العيد هو يوم الغفران والتسامح ومسح الذنوب الاسمي؟ في كل الديانات، حتي في الجاهلية، كانت هناك الشهور والايام الحرم ومواثيق تصون المروءة والكرامة. لا شيء من هذا في عراق اليوم.عندما قُتل نيكولاي تشاوشيسكو وزوجته في شتاء 1989 في مسرحية مشابهة، لم يخرج للاحتفاء بمصرعه الا قلة اغراهم مراسلو التلفزيونات الغربية بالمال لتصويرهم في نشرات الاخبار. كان الموقف جللا واكبر من ان يخرج رجال يرقصون في الشوارع حاملين رشاشات كلاشنيكوف. لا اعرف لماذا فينا من يتلذذون بالهمجية ويعشقون الرقص فوق الجثث وفي ايديهم رشاشات؟لم تكن نهاية العالم ستحدث لو ان عصابة واشنطن فرضت علي دُماها في بغداد التزام قليل من الحكمة وعدم الاسراف في الرعونة والتشفي مراعاة للجثة ولليوم المقدس. سيقول قائل من الثملين بنشوة الشنق ان العراق سيد مستقل وحكومته صاحبة سيادة لا تتلقي الاملاءات من احد (قالها جلال طالباني بالفم الملآن قبل اسابيع وقال انه يرفض اي تدخل في شؤون العراق الداخلية لانه دولة ذات سيادة)، فاقول: حتي في الصومال يقولون انهم دولة مستقلة وذات سيادة. هل نُقل جثمان صدام او دُفن دون اذن امريكي؟ لحسن الحظ، والا لسحل الطائفيون الجثة في الشوارع والقوا بها للكلاب الضالة لاثبات الانتصار.وما كانت نهاية العالم ستحل علي بقايا العراق لو ان العصابات والميليشيات وجهت قنواتها التلفزية بالتزام القليل من الاحترام للانسانية اولاً، ولقدسية اليوم ثانيا. أليس رجال هذه العصابات هم الذين يتبعون كل وصف وكل تعبير ديني بكلمة المقدس؟لا حزن علي صدام. الحزن، كل الحزن، علي العراق وعلي المذبحة القانونية والاخلاقية والسياسية والانسانية التي عشناها كل علي طريقته. العار والحزن علي مستشار الامن القومي الذي ترك الامن وراح يبيع للتلفزيونات والصحف لذته الشخصية بحديث عن اللحظات الاخيرة من عمر الميت.قبّح الله وجهي جورج بوش وبول بريمر، حررا العراق من صدام وعائلته واهدياه الي امثال هذا المستشار والي طالبان جديدة بعمائم سوداء. 2ـ ذهب صدام الي حيث ذهب آخذا معه اسراره واسرار الاخرين. من هؤلاء الاخرين، اولئك الذين يدّعون انهم كانوا اصدقاء له او التقوا به. احد هؤلاء عربي حضر سهرة الجمعة الي استوديو قناة تلفزيونية بريطانية بصفته محللا لشؤون الشرق الاوسط والعراق.سألته المذيعة ان يصف للمشاهدين الحالة التي يكون عليها صدام، الان، قبيل اعدامه باعتبارك التقيته وتعرفه ، فبدأ يتحدث عن شخصية صدام وطباعه ومعنوياته وكيف انك لا تعرف ما يبطن من مشاعر نحوك وهو يكلمك او يستمع اليك.. الله اكبر علي هذا الاكتشاف. لكن مهلا، هناك اكتشاف اهم: قال صاحبنا انه التقي صدام اول مرة في 1972 (ولم يقل باية صفة)، وثاني (اخر) مرة في 1988. علي افتراض انه صحيح التقاه، فآخر لقاء تم قبل 18 سنة. يا ناس، هل يُعقل ان يفتي انسان حول اخر التقاه قبل 34 او 18 سنة؟قلت علي افتراض، لانني، بعد تحر، بلغني ان هذا الاخ التقي صدام ضمن وفد اعلامي من تلك الوفود التي كانت تسافر الي بغداد بدعوة من وزارة الاعلام في زمن الرخاء والسخاء، ثم ينظم لاعضاء الوفد لقاء مجاملة مع الرئيس يستغرق ربع الساعة لا يتيح الكلام او الاستماع براحة.في تلك السهرة تعمقت لدي قناعة قديمة ذكرتها سابقا بهذه الزاوية: اكبر خطيئة لانتشار هذا الكم من الفضائيات، بروز ذلك الجيش من الدجالين الذين يسمون انفسهم محللين وخبراء.كاتب من اسرة القدس العربي [email protected]