ملف الصحراء ونتائج الانتخابات التشريعية يحددان نوعية علاقات المغرب مع جيرانه وعلاقاتهم به
فرنسا متخوفة واسبانيا أكثر براغماتية والعلاقات مع الجزائر لمزيد من التدهورملف الصحراء ونتائج الانتخابات التشريعية يحددان نوعية علاقات المغرب مع جيرانه وعلاقاتهم بهمدريد ـ القدس العربي ـ من حسين مجدوبي: ملف الصحراء والتطورات التي سيشهدها سلبا أو إيجابا وترقب الدول الأوروبية وخاصة فرنسا واسبانيا لنتائج الانتخابات التشريعية التي سيجريها المغرب في سبتمبر أو أكتوبر المقبلين لما قد تحمله من جديد كوصول حزب العدالة والتنمية الأصولي الي السلطة، أبرز الأحداث التي ستطبع الأجندة الدبلوماسية للرباط من جهة ومن جهة أخري أجندة الغرب في تعامله مع المغرب خلال سنة 2007 علاوة علي تأثير نسبي لما قد يقع في دول الجوار، موريتانيا والجزائر علي مصالح المغرب. وككل سنة، هناك الكثير من التحديات الداخلية والخارجية، في المجال الثقافي والمجال الاقتصادي والسياحي والسياسي حيث يرمي المغرب الي تعزيز صورته كدولة منفتحة خدمة للسياحة وجلب الاستقرار، ومن ضمن هذه التحديات العلاقات مع الاتحاد الأوروبي. هذه الأخيرة دخلت مرحلة الاستقرار وتجاوزت التوتر الذي هيمن في الماضي بعد تحقيق تفاهم في ملفات مثل الهجرة السرية والتبادل الزراعي والصيد البحري. ولهذا، يبقي الأبرز في أجندة الرباط سنة 2007 هو الاستراتيجية التي تضعها أو ترسمها كل من وزارة الخارجية والقصر المغربي في ملف الصحراء.الصحراءانتهت سنة 2006 بالنسبة للمغرب في هذا الملف بنوع من التفاؤل، ولكنه تفاؤل حذر. فلأول مرة يحقق المغرب نجاحا نسبيا علي المستوي الدولي بعدما تحفظ أغلب أعضاء الجمعية العامة في الأمم المتحدة علي المقترح الجزائري الذي كان يرغب في حشد التأييد لتقرير المصير، وذلك بعدما فاق عدد المتحفظين نسبة المصوتين علي القرار الجزائري بفارق عشرين عضوا أو دولة، وهو رقم لا يجب الاستهانة به. وفي الوقت نفسه، حملت نهاية 2006 نهاية المحور الجزائري ـ الاسباني ضد المغرب في هذا الملف مما يفتح آفاقا جديدة لاسيما من طرف اسبانيا التي تبقي لاعبا أساسيا يحسب له ألف حساب نظرا لطبيعتها كقوة استعمارية سابقة في المنطقة.ويبقي السؤال عن المعطيات الجديدة التي سيشهدها الملف وتحكم علي تطوره في تجاه معين ومحدد، إذا كان موقف المغرب معروف وهو عدم التفريط في وحدته الوطنية وتقديم مقترح الحكم الذاتي كحل وحيد وأوحد، فالتساؤل ينصب حول تصرف البوليزاريو والمواقف التي يمكن أن يقدمها عليها، وبطبيعة الحال بدعم من الجزائر. ومجمل الآراء التي استقتها أسبوعية الأيام من المقربين من جبهة البوليزاريو في اسبانيا تصب فيما يلي: في المقام الأول، استمرار قيادة البوليزاريو في الوقت الراهن في التركيز والرهان علي العمل الدبلوماسي في محاولة منها لاستعادة ما خسرته في الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال الأسابيع الماضية. وهذا يعني تحرك الماكينة الدبلوماسية الجزائرية لتحقيق هذا الهدف، مما سيزيد من توتر العلاقات بين المغرب والجزائر.في المقام الثاني، بدل البوليزاريو لمجهودات جبارة في محاولة لإفشال المقترح الذي سيتقدم به المغرب والقاضي بمنح الصحراويين الحكم الذاتي الموسع في إطار السيادة المغربية. فالبوليزاريو يدرك جيدا أن فرنسا ستكون من المدافعين عن هذا المقترح في مجلس الأمن ووسط الاتحاد الأوروبي وتقديمه رسميا كأحد البديلين الي جانب اختيار تقرير المصير. وتبني باريس لهذا المقترح سيبقي رهينا بما ستحمله الانتخابات الرئاسية المترقبة في مايو المقبل. فاستمرار اليمين سواء عبر نيكولا ساركوزي أو أي مرشح آخر يعني استمرار هذه السياسة في حين قد يترتب عن نجاح الحزب الاشتراكي برئاسة سوجلين روايال تراجعا في موقف فرنسا في ملف الصحراء، لن يحدث تغييرا كبيرا وإنما سيتراجع حماس باريس. وعلاقة بالموقف الدولي دائما، من المنتظر أن تساهم اسبانيا في تبني غير معلن للحكم الذاتي، إذ أن إدارة خوسي لويس رودريغيث سبتيرو تؤمن بهذا الحل وتحجم عن تأييده علانية نظرا لحساسية الملف لدي الرأي العام الاسباني المنحاز تاريخيا لأطروحة البوليزاريو والانفصال. وبالنسبة للولايات المتحدة، فستستمر في التعاطي مع الملف بنوع من التهميش ولن يرقي الي الأولوية في الأجندة لأن البيت الأبيض منشغل بملفات كبري أبرزها الملف النووي الايراني.في المقام الثالث، لا يمكن استبعاد أسوأ السيناريوهات وهو ما يدخل في باب المستجدات غير المرتقبة، ويتجلي في احتمال وقوع توتر خطير في هذا الملف، استمرار تراجع البوليزاريو دبلوماسيا علي المستوي الدولي خاصة إذا جري ترحيب ولو نسبي بمقترح الحكم الذاتي وارتفاع حدة التوتر في مخيمات تندوف بعد ظهور بوادر تمرد وسط الصحراويين بسبب تردي الأوضاع المعيشية التي قاربت الكارثة والمجاعة واحتمال ظهور فصائل تنازع جبهة البوليزاريو تمثيل الصحراويين، فوقتها قد يلجأ البوليزاريو الي استئناف الحرب ولو بشكل محدود لدفع المجتمع الدولي الي التدخل والضغط علي المغرب. وهذا الاحتمال حاضر لدي أكثر من عاصمة غربية وخاصة اسبانيا وفرنسا.في انتظار العدالة والتنمية وعلي صعيد آخر، تشكل الانتخابات التشريعية المقبلة محطة بارزة في المغرب، ولا يتعلق الأمر فقط علي رغبة النظام في جعلها الانتخابات الأكثر شفافية في التاريخ السياسي للبلاد بل ما سيترتب عنها خارجيا في حالة فوز حزب العدالة والتنمية ذو التوجه الأصولي، وهو فوز لا نقاش فيه وفق معطيات الواقع. وهذه الانتخابات حاضرة بقوة في أجندة الدول الغربية، لكنها برؤي مختلفة. في هذا الصدد، في حالة فوز العدالة والتنمية بهذه الانتخابات وإمكانية تعيين الملك لزعيمه سعد الدين العثماني كوزير أول تماشيا مع التطور الديمقراطي المنشود، فستكون مواقف الدول الغربية اعتمادا علي تحاليل وتكهنات مختلفة كالتالي:الولايات المتحدة ترحب بوصول حزب العدالة والتنمية الي قيادة الحكومة تطبيقا لنظريتها بأن الاسلاميين المعتدلين هم الجدار الحقيقي في مواجهة الاسلاميين المتطرفين. وأصبحت إدارة جورج بوش تؤمن كل الايمان بتقرير مؤسسة راند الذي نصح بمنح الاسلاميين المعتلدين فرصة الحكم لتعزيز الاستقرار في الدول العربية والاسلامية.فرنسا، الدولة ذات المصالح الأكبر مقارنة مع باقي الدول الغربية في المغرب العربي، لا تري بعين الرضا وصول حزب سعد الدين العثماني الي الحكم لأن ذلك سيحمل معه انعكاسات كبيرة أبرزها إعادة إحياء الاسلام السياسي في منطقة المغربي العربي، وهي الظاهرة التي حاربتها في الماضي في الجزائر بعد فوز جبهة الانقاذ بالانتخابات في أوائل التسعينات بالجزائر. وظهرت خلال زيارة الوزير الأول المغربي إدريس جطو الي باريس منذ ثلاثة أسابيع هذه التخوفات. أعرب عنها أصحاب شركات وبعض الزعماء السياسيين الفرنسيين كما عكست كتابات صحافية وكتب حديثة هذا التخوف.أما فيما يخص اسبانيا، فلا تتوفر علي موقف واضح بشأن العدالة والتنمية، بقدر ما يحكمها هاجس واحد وهو موقف هذا الحزب من ملف سبتة ومليلية (مدينتان تحتلهما اسبانيا) والعلاقات الثنائية. فإسبانيا لا تحمل موقفا معينا من الاسلاميين بل تميل الي الحوار معهم وما يهمها هو استقرار المغرب وعدم جعل أي حزب حكومي لملف مدينتي سبتة ومليلية ضمن أولوياته السياسية والحكومية لاسيما في وقت يتزامن مع تفكيك بعض الخلايا المتطرفة في المدينتين المحتلتين. ويمكن استخلاص من السياسة العربية والاسلامية لحكومة سبتيرو أن اسبانيا ستكون البلد الأكثر براغماتية في التعامل مع حكومة ذات توجه اسلامي في حالة وصول العدالة والتنمية الي الحكم. فسبتيرو يعتبر من أكبر المحاورين الغربيين لتركيا التي يحكمها حزب اسلامي، كما تدرك مدريد أن القضايا الكبري ستبقي في يد الملك محمد السادس وليس في يد حكومة زعيمها أصولي.دول الجوار المباشر رغم استحواذ الغرب علي القسط الأوفر من أجندة المغرب الدبلوماسية بحكم مصالح دول مثل فرنسا واسبانيا أو تجمعات اقتصادية وسياسية مثل الاتحاد الأوروبي، فهناك دول تحظي باهتمام كبير، ونعني دول الجوار المباشر وأبرزها الجزائر وموريتانيا. فالعلاقات المغربية ـ الجزائرية لن تسجل أي تقدم يذكر خلال السنة المقبلة بل مرشحة الي تراجع خطير نظرا لإصرار الجزائر علي تقويض مساعي المغرب في ملف الصحراء. ويضاف الي هذا الملف تولي أو استعادة أنصار سياسة الراحل بومدين مناصب كبري في عهد عبد العزيز بوتفليقة، ومع هذه العودة تعود سياسة العداء ضد المغرب وعقدة التفوق والهيمنة في المغرب العربي.وعلاقة بموريتانيا، فالعلاقات تحسنت مع الرباط بشكل لم يكن منتظرا خلال سنة 2006 وإن كانت موريتانيا مستمرة في اعترافها بالبوليزاريو وقرارها عدم سحب الاعتراف تفاديا لخلق مشاكل جديدة في المغرب العربي. ويبقي التحدي الكبير في علاقته بهذا البلد ليس نوعية الرئيس الموريتاني الجديد الذي ستحمله الانتخابات الرئاسية سنة 2007، فنواكشوط رسمت سياستها الخارجية القائمة علي الحوار والحياد بل التطور الديمقراطي الحقيقي سيجعل من موريتانيا في أعين الغرب البلد الأكثر ديمقراطية في العالم العربي علي حساب المغرب الذي يتمتع بهذه الصفة في الوقت الراهن ويؤرخ لها في العالم الغربي.في غضون ذلك، فالصحراء والانتخابات التشريعية للبرلمان، هما ملفان حاضران داخليا وخارجيا بقوة في أجندة المغرب ودول الجوار. وفي الوقت نفسه، لا يمكن استبعاد مستجدات قد تحمل مفاجآت خلال سنة 2007 لأن ارتباط التغييرات الداخلية بالخارجية أصبح كبيرا بشكل لم يسبق له نظير في الماضي.