من فينوم بينه إلي مقديشو… مروراً بكابول: فرص استعادة وجود الدولة الصومالية

حجم الخط
0

من فينوم بينه إلي مقديشو… مروراً بكابول: فرص استعادة وجود الدولة الصومالية

د.عبدالوهاب الأفنديمن فينوم بينه إلي مقديشو… مروراً بكابول: فرص استعادة وجود الدولة الصومالية في صيف عام 2000، وحينما كنت في طريقي إلي جيبوتي حيث كان يعقد مؤتمر للمصالحة برعاية من حكومة ذلك البلد، توقفت في اثيوبيا حيث التقيت بعض المسؤولين الاثيوبيين. وقد دار في تلك اللقاءات حديث حول الدعم المطلوب لجهود استعادة الدولة الصومالية في ظل الإجماع الإقليمي حينها علي ضرورة دعم هذه الجهود. وحينما عبرت لأحد كبار المسؤولين في الحكومة عن ضرورة توفير دعم عسكري للحكومة المرتقبة، رحب بذلك بحماس، وقال إنه إذا احتاج الامر لذلك فإنها لن تكون مشكلة، معترفاً في ثنايا حديثه بأن إثيوبيا قد تدخلت عسكرياً في الصومال من قبل لدعم عناصر موالية لها.وقد كان المنطق الذي استندت إليه في هذه النقطة هو أن أسباب غياب الدولة الصومالية لم تكن تنحصر فقط في غياب الإجماع الوطني، بل كانت ترجع أساساً إلي دور الميليشيات التي ترفض الانصياع إلي أي سلطة، والتي أصبحت أشبه بعصابات نهب مسلح ذات قواعد إقليمية. بل هي بالفعل لم تكن أكثر من عصابات نهب مسلح. وعليه فما لم تملك الحكومة الصومالية الجديدة قوة ردع عسكرية كافية لإزاحة الميليشيات عن مواقعها فإنها ستظل دولة اسمية علي الورق فقط.وبالفعل نجح المؤتمر الذي عرف بمؤتمر عرتة (نسبة إلي موقع انعقاده) في تشكيل أول حكومة صومالية وطنية عليها إجماع وطني في أواخر عام 2000 وأوائل 2001 تحت رئاسة عبدي قاسم صلاد الذي انتخبه البرلمان. وحظيت تلك الحكومة باعتراف منظمة الإيقاد، ثم منظمة الوحدة الإفريقية والجامعة العربية فالمجتمع الدولي. ولكن هذا الاعتراف لم يعقبه أي دعم مالي أو لوجيستي للحكومة. وبعد وقت لم يطل تراجعت الحكومة الإثيوبية عن دعمها للحكومة الجديدة التي اتهمتها بالميول الإسلامية، وعادت إلي دعم أمراء الحرب الخارجين علي الدولة والقانون، وعلي رأسهم الرئيس الحالي عبدالله يوسف الذي كان يقود حركة انفصالية في الإقليم المسمي بونتلاند. وقد أدي التدخل الإثيوبي النشط إلي انهيار الحكومة، ثم أعقب ذلك استئناف جهود تشكيل حكومة جديدة، برعاية كينية هذه المرة. ونجحت الجهود الجديدة في إنشاء الحكومة الحالية برئاسة عبدالله يوسف وسط ترحيب صومالي وإقليمي كبير. ولكن هذا الدعم لم يترجم إلي أي إسناد عملي، لا بالمال ولا بما هو أكبر من ذلك. وقد كنا طالبنا مراراً بأن يأتي هذا الدعم وطالبت به الحكومة الصومالية، ولكن لم يكن هناك مجيب.وبينما نجحت حكومة صلاد علي الأقل بإيجاد موطئ قدم لها في العاصمة مقديشو اتخذته مقراً لإدارتها، فإن الحكومة الجديدة لم تستطع أن تحقق حتي مثل هذه الخطوة الرمزية، حيث ظلت تطوف بمدن الهامش حيث يسمح لها أمراء الحرب، في جوهر أولاً ثم في بيداو. ولم تحرك دول العالم ساكناً لدعم الحكومة الجديدة، فظل الوضع علي ما هو عليه، وبقي الصوماليون يفتقدون الدولة وما توفره من أمن وخدمات.من الممكن أن يقال إذن أن التدخل الإثيوبي الحالي هو الدعم الإقليمي والدولي الذي طال انتظاره، وأن القوات الاثيوبية ستمكن الحكومة الإثيوبية المنتخبة من فرض سلطانها علي البلاد وإنشاء جيش قومي وحل الميليشيات وإعادة البلاد إلي سلطة القانون، ثم تنسحب مشكورة. وهناك احتمال بأن يتحقق هذا الأمر، ولكن بشرط أن يحدث توافق إقليمي وداخلي علي الترتيبات المتبعة. ولكن هناك احتمالا آخر بأن تتحول الحكومة الجديدة إلي ميليشيا مدعومة خارجياً تعيد إشعال الحرب الأهلية في الصومال.التدخل الإثيوبي الحالي تم بالقطع في الوقت الخطأ وللدوافع الخطأ. ولو أنه جاء قبل عام لربما كان موضع ترحيب، ولأدي إلي دعم محمود للحكومة ضد الميليشيات وقادتها. ولكن التدخل الإثيوبي قد جاء بعد أن دحرت الميليشيات وعاد الأمن والهدوء إلي العاصمة مقديشو ومعظم أنحاء الصومال لأول مرة منذ سقوط حكم الدكتاتور سياد بري في عام 1991. ويعود هذا بدوره إلي حماقة أمريكية ارتكبت مطلع العام الماضي حين دعمت الإدارة الأمريكية الميليشيات في مقديشو ضد قوات المحاكم الإسلامية التي وصمت زوراً وبهتاناً بأنها تدعم الإرهاب، فكان أن دحرت تلك الميليشيات وفر قادتها وتم توحيد العاصمة تحت سلطة واحدة. ثم مدت المحاكم نفوذها في وقت قياسي إلي معظم أنحاء الصومال خارج إقليمي بونتلاند وصوماليلاند ذوي التوجهات الانفصالية.وهنا يجب أن نشدد علي أن ما يسمي بالمحاكم الإسلامية ماكان يمكن اعتبارها بحال الهيئة المثالية لإنقاذ الصومال من محنته، فهي تحالف قبلي ديني بين عدة جهات، يغلب عليها النظرة المتخلفة والمتصلبة للإسلام وللممارسة السياسية. ولكنها تبقي ظاهرة صومالية أصيلة تطورت محلياً ونجحت في توفير حد أدني من الأمن والاستقرار للصوماليين في وقت تنكر فيه كل العالم لهم. ولا بد من التذكير هنا بأن سلطان المحاكم امتد إلي المواقع التي امتد إليها في معظم الأحيان بدون قتال. والمحاكم تشبه هنا إلي حد كبير حركة الطالبان التي نشأت وبسطت نفوذها في أفغانستان في ظروف مماثلة، واستجابت لحاجة الناس الذين سئموا اقتتال أمراء الحرب وما جلبوه من دمار وشقاء علي العباد. ولهذا فإن الانكسار العسكري السريع لقوات المحاكم أمام القوات الإثيوبية، مثل التراجع السريع لقوات الطالبان في أفغانستان، لم يكن مستغرباً، لأن مصدر قوة هذه الجهات لم يكن المقدرات العسكرية وإنما قدرتها علي استمالة الجماهير والقوي المعادية، بمن في ذلك بعض أمراء الحرب. ولا يعني هذا أن قوات المحاكم لن تتحول إلي قوة مقاتلة شرسة في المستقبل القريب تحت ضغط الظروف، إلا أن مثل هذا الدور يحتاج إلي دعم خارجي لا يتوفر حالياً.ويندرج التدخل الإثيوبي بشكله الحالي تحت سوابق كثيرة من عمليات التدخل الإقليمي أو الدولي في شؤون دول مجاورة أو غير مجاورة، بدعوي التصدي لإشكالات إنسانية أو تهديد أمني. وهناك تشابه مقلق في التوقيت (نهاية كانون الاول/ ديسمبر) والحجج مع التدخل السوفييتي في أفغانستان عام 1979، حيث زعم السوفييت وقتها أنه جاءوا بدعوة من حكومة الجنرال أمين الله الذي انقلبوا عليه وقتلوه فيما بعد. كانون الاول/ ديسمبر أيضاً (عام 1982) شهد التدخل الأمريكي في الصومال في عملية إعادة الأمل الأمريكية. ومهما قيل في ذلك التدخل فإنه يختلف في أنه كان ينطلق أقل من مطامع خاصة، كما أنه كان لدعم عملية أممية قائمة أصلاً. وإذا كان هناك خطأ في تلك العملية فهو أنها لم تنجح بما يكفي في نزع سلاح الميليشيات أو المساعدة في إقامة حكومة وطنية، حيث ولت القوات الأمريكية هاربة عند أول أزمة.هناك أيضاً التدخل الفيتنامي في كمبوديا عام 1978 لإسقاط حكومة الخمير الحمر التي كانت من أكثر الأنظمة دموية وهمجية. وبالرغم من ذلك فإن ذلك التدخل تعرض إلي إدانة دولية وإقليمية شاملة، وأدي إلي فرض عقوبات علي فيتنام وإلي عداوة طويلة مع الصين التي كانت تدعم الخمير الحمر. وهناك التدخلات النيجرية المدعومة إقليمياً في ليبريا وسيراليون خلال الثمانينات والتسعينات، والتدخل التركي في قبرص (عام 1974). وفي بعض الأحوال، كما كان الحال في ليبريا وسيراليون، وإلي درجة أقل كمبوديا، فإن مثل هذه التدخلات أدت بعد مخاض عسير (كان دموياً في الغالب)، وبعد تدخل جهات دولية أخري أبرزها الأمم المتحدة، إلي نوع من الاستقرار النسبي وإعادة سلطان الدولة وإنهاء الحروب الأهلية. ولكن في معظم الأحيان، كما كان حال التدخل السوفييتي في أفغانستان والتدخل الأمريكي الحالي في العراق، فإن الوضع تدهور بصورة دراماتيكية كما أنه خلف حالة من عدم الاستقرار انعكست توابعها علي المنطقة، بل وعلي العالم بأسره. الصومال بالقطع في حاجة إلي دعم دولي قوي، ربما يكون أكثر فعالية في الناحية الاقتصادية والتنموية، وأيضاً في الناحية العسكرية لتفكيك الميلشيات وإقامة جيش وطني قوي يحفظ الأمن والاستقرار ويكون بعيداً إلي حد ما عن التشرذم القبلي والتصدعات السياسية. فقد عاني الصوماليون طويلاً وهم يحتاجون إلي من يساعدهم في استعادة شيء من الحياة الطبيعية التي تنعم بها حتي أفقر دول العالم، وتلك الواقعة تحت سلطان الاستبداد. ولكن إثيوبيا ليست الدولة المثالية للقيام بالدور القيادي في هذا المجال، بسبب مشاكلها الداخلية ونزاعاتها الإقليمية ومطامعها في الصومال. ومهما كان الدور الإثيوبي إيجابياً علي المدي القصير، إلا أن إثيوبيا قد تدفع ثمناً غالياُ في النهاية لهذا التدخل، قد يكون من ضمنه زعزعة استقرارها علي المدي المتوسط.ولعله من الأولي أن تتولي الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي مهمة استعادة الاستقرار في الصومال، حتي تصبح بمنأي من النزاعات المحلية. ولكن هذا بدوره يستدعي أن تستيقظ الجامعة العربية وأن تتطوع دول مثل مصر بإرسال قوات لدعم الشرعية في الصومال. ولكن بما أن استيقاظ الجامعة العربية من المحال، فإن الأمل يبقي معقوداً بالأمم المتحدة. وفي هذا المجال، وفي غياب طرف يتصدي لهذا الدور، فإن مطالبة إثيوبيا بالانسحاب تفتقد المبررات لأنها عودة الفوضي والاقتتال، وهو ما لا يريده أحد. ہ كاتب وباحث سوداني مقيم في لندن9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية