الغرب خسر الموقف الاخلاقي قبل اعدام صدام وبعده
د. سعيد الشهابيالغرب خسر الموقف الاخلاقي قبل اعدام صدام وبعده لم تشهد النفسية العربية والاسلامية اضطرابا كما هي عليه الآن، ومن أخطر مظاهره الاختلاف بين ابناء الامة علي نطاق واسع حول المفاهيم والمواقف والتوجهات، وهو اختلاف يزداد اتساعا لأسباب مختلفة من بينها التدخلات الخارجية في شؤون الامة والاحتلال وطبيعة النظم السياسية الحاكمة في العالمين العربي والاسلامي. العام الميلادي الجديد يطل علي العالم، وهو مناسبة تعبر الشعوب، عبر انظمة حكمها المنتخبة، عن تطلعاتها للمستقبل وخطط التنمية لديها، وتتباهي فيها بانجازاتها، بينما لا تعني المناسبة الشيء الكثير لشعوبنا. وسيطل العام الهجري الجديد بعد ايام بالوجوم نفسه الذي يسود الاجواء. وفي الايام القليلة الماضية احتفي العالم الاسلامي بعيد الاضحي المبارك، فيما كان الحجاج يطوفون بالبيت الحرام تعبدا لله، وربما وجدوا في تلك العبادة ملجأ من ذلك الوجوم. وفيما يتواصل الاحتقان السياسي في الاراضي المحتلة بسبب الخلاف بين اطراف الحكم حول القضية الاساس (الاحتلال الاسرائيلي والاعتراف به ام الاستمرار في مواجهته)، تدخل اسرائيل ومعها الولايات المتحدة وبريطانيا علي الخط لدعم الرئيس محمود عباس في صراعه مع حركة حماس. وفي الصومال، يبدو ان تدخل القوات الاثيوبية حسم الموقف لصالح القوات الحكومية التي استعادت السيطرة علي العاصمة، مقديشو، وألحقت هزيمة بأمراء الحرب الذين تمردوا علي الحكومة واحكموا قبضتهم علي مناطق واسعة من البلاد. اما في العراق، فيأتي اعدام الرئيس السابق، صدام حسين، ليضيف المزيد من التوتر والاحتقان والاستقطاب ليس في العراق فحسب، في البلدان الاخري كذلك. ما الذي يجري في عالم العرب والمسلمين؟ ونحن نستقبل عاما ميلاديا جديدا، وآخر هجريا، ما هذه الفسيفساء السياسية والايديولوجية التي تحول دون تحقق ادني قدر من الوحدة في الموقف؟ الاضطراب يمكن ملاحظته علي عدد من الصعدان، فهو اضطراب سياسي تارة، وايديولوجي تارة اخري، ومذهبي ثالثة، وعرقي رابعة. تتعدد مسارح الاختلاف، ولكن ارضية التوحد والائتلاف تضيق تدريجيا. المناسبات المذكورة ليست ذات قيمة بحد ذاتها، وانما لكونها محطات علي طريق المسيرة البشرية، ذات سمات تنظيمية احيانا، وميزات دينية (عيد الاضحي) احيانا اخري. وقد اعتاد البشر علي الاحتفاء بهذه المناسبات واعتبارها محطات يقفون عندها لتقييم الموقف والمحاسبة، واعداد خطة الانطلاق للمراحل اللاحقة. فالدول المتقدمة تطرح خططها التنموية والاقتصادية بلغة الارقام والزمن، لتستطيع تنفيذ تلك الخطط وممارسة التدقيق والمحاسبة لاحقا. اما الدول التي لا تحكم وفق اجندات تطويرية بسبب غياب الممارسة الديمقراطية لديها، فلا تمتلك خططا تنموية ولا انظمة للمحاسبة والتدقيق، ولا تعني هذه المحطات شيئا حقيقيا لديها. فالامم التي تسعي للصعود والتقدم تتعاطي مع المناسبات بروح مسؤولة، تحرك فيها مشاعر شعوبها نحو العطاء، وتستحث فيهم روح الوطنية والمشاعر الانسانية، ليكونوا شركاء لها في مشاريع الاعمار. لقد تفاقم الامر في عالم العرب والمسلمين، حتي لم تعد هناك ارضية مشتركة للعمل النهضوي مع استمرار انظمة القمع والاستبداد من جهة، والتدخلات الاجنبية من جانب آخر، وتسطح الثقافة الشعبية الي الدرجة التي اصبحت الشعوب فيها قابلة للاستعباد، او الاستعمار حسب تعبير المفكر الجزائري، مالك بن نبي، او الاستحمار حسب قول المفكر الايراني، علي شريعتي. وما لم يتم العمل علي مستويات متوازية لاحداث تغيير حقيقي في نفسية الاجيال الجديدة من ابناء الامة، فليس مستبعدا ان تتعمق اتجاهات التطرف والعنف، كردود فعل للجمود المنتشر في الاوساط. التغيرات التي تحدث في الصومال هذه الايام، مثلا، تستدعي قراءة واعية لظروفها، فكأن ما حدث في القرن الافريقي نسخة مطابقة لما حدث في افغانستان قبل بضعة اعوام، عندما دعمت واشنطن حركة طالبان، فاستطاعت اسقاط حكومة برهان الدين رباني وقضت علي بعض مظاهر الفوضي والاضطراب الامني. سياسة واشنطن في القرن الافريقي بدت مضطربة، فقد دعمت أمراء الحرب ضد الحكومة المركزية، حتي سيطروا علي العاصمة، وأحلوا فيها قدرا من الامن وقضوا علي الفوضي. ولكن سياساتهم لم تعجب واشنطن، فجاء التدخل الاثيوبي المباشر لدعم القوات الحكومية التي استعادت السيطرة علي العاصمة، وفر الاسلاميون الي خارجها. وقضية الصومال تجسد، الي حد ما، مشكلة الحكم في البلدان العربية والاسلامية. فقد كانت تحت حكم استبدادي فردي تمثل بشخص سياد بري الذي هيمن علي الحكم علي مدي 22 عاما. في البداية كان محسوبا علي الاتحاد السوفييتي، ولكنه انتهي الي توطيد علاقاته بالولايات المتحدة الامريكية، وتحول في السنوات الاخيرة من حكمه الي ديكتاتور زج بالآلاف من مواطنيه في السجون، حتي تم اسقاطه في 1991. التدخل الامريكي اللاحق ادي الي ازدياد الامور تعقيدا، اذ عمدت احدي القبائل لاعلان استقلال منطقة شمال غربي الصومال تحت اسم جمهوية ارض الصومال . وللولايات المتحدة ذكرياتها السيئة مع الصومال، اذ تعرضت قواتها لضربة موجعة في تشرين الاول (اكتوبر) 1993 عندما هاجمت قوات محمد عيديد، وادت العملية الي مقتل 18 امريكيا ومئات الصوماليين. عندها قرر الرئيس الامريكي بيل كلينتون سحب القوات الامريكية علي امل ان يكون ذلك الي الابد. ولكن حوادث 11 ايلول (سبتمبر) أعادت الاهتمام الامريكي بالقرن الافريقي، بعد ان اتضح ان القاعدة اتخذت من الصومال قاعدة اضافة لافغانستان. وهكذا بقيت الصومال محل اهتمام امريكي، وسعت واشنطن في الشهور الاخيرة لدعم امراء الحرب ضد الحكومة المركزية، الامر الذي ادي الي تفاقم الامور، حتي التدخل الاثيوبي الاخير. ولكن هل ستستقر أمور الصومال الآن بعد استعادة الرئيس عبد الله يوسف أحمد وحكومته العاصمة؟ ام انها ستتحول الي ساحة مفتوحة للصراع بين الولايات المتحدة والمجموعات المناوئة لها خصوصا القاعدة؟ الامر المتوقع ان يؤدي التدخل الاثيوبي الي المزيد من الاحتقان في اوساط المجموعات الاسلامية المسلحة، ولا يستبعد ان تكثف الولايات المتحدة حضورها في ارض الصومال، وتفتح فيها جبهة مواجهة جديدة علي غرار العراق. واذا حدث ذلك فقد يشهد العالم توسعا لدائرة العنف والارهاب يتجاوز الحدود الحالية، خصوصا مع تصاعد الضغوط العسكرية علي المجموعات المسلحة في العراق. وبالتالي فليس مستبعدا ان تتحول الصومال مجددا الي بؤرة ساخنة للصراع علي غرار ما يجري في ارض الرافدين. اما فلسطين فهي الاخري تعيش حالة الاضطراب السياسي الذي يأخذ أبعادا أمنية ومواجهات عسكرية بين دعاة الاعتراف بالكيان الاسرائيلي ورافضيه. ومرة اخري تقول الانباء ان هناك دعما مباشرا من الثلاثي اسرائيل والولايات المتحدة وبريطانيا للرئيس محمود عباس، في المواجهة التي تسعي تلك الاطراف لترسيخها مع حماس. ومن الخطأ الكبير الاعتقاد بان ايا من هذه الاطراف يرغب في تقوية اي طرف فلسطيني، والارجح ان خطة تمرير السلاح عبر الحدود الي مناطق السلطة الفلسطينية تهدف لاثارة فتنة داخلية في الاوساط الفلسطينية لاضعاف منطق المقاومة ضد الاحتلال الذي تمثله حركة حماس. هناك اذن محاولات لا تنقطع من جانب اطراف عديدة لاضعاف الصف الوطني الفلسطيني، في غياب ارادة حقيقية لدي الامة بقطاعاتها وافرادها، لمواجهة الخطط الخارجية، ولتقوية صف المقاومة ورفض الاحتلال. هذا الواقع يفرض علي الامة وهي تارة في سبات عميق عن امرها، واخري في حلقة مفرغة من الخلافات الفكرية والعقيدية والسياسية بلا قيادات شجاعة وواعية. وتبقي فلسطين عنوان الصراع في الشرق الاوسط وأحد أقوي استمرار عوامل التوتر والاضطراب وضياع الهوية العربية الاسلامية المقاتلة. هذا الشعور بمحورية قضية فلسطين في المنطقة اصبح يخالج حتي الساسة الغربيين ومنهم رئيس الوزراء البريطاني الذي تردد عنه انه يسعي لايجاد تسوية من نوع ما لهذه القضية قبل ان يترك منصبه في غضون الشهور الستة المقبلة. مشكلة عرابي السلام هؤلاء انهم غير محايدين في اطروحاتهم واقتراحاتهم، وبالتالي يصطدمون بالواقع الصعب الرافض لمبادراتهم المنحازة. مطلوب من هؤلاء اعادة النظر في الخريطة الاستراتيجية للمنطقة وتغليب مصالحهم ومصالح شعوبهم علي المصالح الاسرائيلية، وان مصلحتي الطرفين ليستا واحدة. وما لم يتم التعاطي مع قضية فلسطين بواقعية ضمن الاطر التاريخية لها، فمن المتوقع تكرر فشل المبادرات الانكلو ـ امريكية مجددا. العراق، من جانبه، يعيش هاجس تصاعد التوتر بعد إعدام الرئيس السابق، صدام حسين. وقد تكون هذه القضية من أشد القضايا حساسية وانعكاسا علي اوضاع الامة في الوقت الحاضر. فقد ادت السياسات الانكلو امريكية في الاعوام الاخيرة الي قلب المفاهيم لدي قطاعات واسعة من الامة، فهي سياسات متعجرفة وعدوانية، تبعث الغضب في النفوس وتدفع الي التطرف والعنف. وبرغم استطلاعات الرأي السلبية حول تلك السياسات، فقد أصر بوش وبلير عليها حتي اصبحا مرفوضين من قبل شعبيهما، وتدنت شعبيتهما الي مستويات مخجلة. لم يكن صدام حسين يحظي بشعبية لدي شعبه او الشعوب العربية، بل كان يعتبر، كغيره، رئيسا مستبدا ورط بلده في حربين مدمرتين، وأحدثت سياساته استقطابات خطيرة داخل المجتمع العراقي، وولغ في سفك الدماء حتي قتل صهريه. وفي غضون بضع سنوات تحول صدام حسين، بسبب سياسات بوش وبلير الي رمز وطني في اعين قطاعات كبيرة من الشعوب العربية، لاسباب ثلاثة رئيسية: اولها انه أظهر تحديا للقرارات الانكلو ـ أمريكية، بعكس الزعماء العرب الآخرين الذين ساروا في فلك واشنطن ولندن، ثانيها: انه استهدف شخصيا من قبل التحالف الانكلو ـ أمريكي بشكل حوله في عيون العرب والمسلمين الي رمز ضد هذا التحالف، ثالثا ان هذا التحالف طرح أسبابا غير واقعية لشن الحرب ضد العراق، كشفت التطورات لاحقا بعدها الكامل عن الحقيقة، واهمها القول بامتلاك العراق اسلحة دمار شامل. ولذلك استقبل الحكم الصادر بالاعدام الذي اصدرته محكمة الجنايات العراقية بحق صدام حسين بقدر واسع من الرفض الشعبي العربي. وساهمت الحكومات العربية في الترويج ضد قرار الاعدام، لكي لا تغرس في النفوس ثقافة استهداف الزعماء المستبدين بمحاولات الاسقاط ثم الاعدام. صدام حسين، في نظر الاغلبية الساحقة من شعبه، يستحق عقوبة الاعدام لما ارتكبه بحق شعبه من جرائم، سواء في قضية الدجيل التي ادين فيها ام في قضية الانفال التي طالت الاكراد، ام في قضية استخدام الاسلحة ا لكيماوية ضدهم في 1988. أنور السادات لم يرتكب بحق شعبه ما ارتكبه صدام حسين، لكنه عندما قتل، لم تذرف عليه دمعة لانه خسر التعاطف العربي كاملا بعد توقيعه اتفاقات كامب ديفيد. صدام حسين حظي بتعاطف شعبي واسع خارج بلده لانه استهدف من قبل التحالف الانكلو ـ أمريكي الذي أسقط نظام حكمه، ثم اعتقله واعتبره من غنائم الحرب. هذا التحالف هو الذي وفر للرئيس العراقي السابق ذلك التعاطف، وشوه صورة قضاته الذين حاكموه وفق ما توفر لديهم من أدلة ضده في محاكمة علنية شاهد العالم وقائعها علي شاشات التلفزيون. قال الكثيرون عن تلك المحاكمة انها عدالة المنتصر وهو مصطلح ينال من مصداقية المحاكم التي تعقدها القوي المنتصرة في الحرب ويتضمن غياب روح العدالة عن تلك المحاكمات. وقال آخرون ان قرار الاعدام جاء لمنع صدام حسين من الاستمرار في المحاكمة الثانية حول قضية الانفال، وذلك حفاظا علي الجهات الغربية التي وفرت له الاسلحة الكيماوية، وربما كانت شريكة له في ما فعل. لقد تساقط حلفاء الغرب ومنهم بينوشيه وسياد بري والسادات وشاه ايران، بدون ان يتمكن العالم من الاطلاع علي الادوار التي لعبها الغرب في تسليحهم ومدي تورطه في ما مارسوه من اعمال وحشية ضد شعوبهم. الفرق بين اولئك وصدام حسين انهم بقوا علي تحالفهم مع الغرب حتي وفاتهم. صدام حسين لم يكن كذلك، بل استطاع الاستفادة من المنابر الاعلامية التي توفرت له خلال المحاكمة، واظهار نفسه زعيما عربيا ليس مستقلا عن الغرب فحسب، بل عدوا له، مستهدفا من قبله، وضحية له. ولذلك لم يتوفر لشعبه شعور بنشوة النصر، بل ما يزال يدفع ثمن الفشل السياسي والعسكري والامني للتحالف الانكلو ـ أمريكي الذي خسر الموقف الاخلاقي علي الصعيد الشعبي، سواء في حياة صدام حسين او بعد اعدامه. ہ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن9