حول الحاجة إلي كتلة تاريخية مع إشارة خاصة إلي حالة العراق (تتمة)ہ
لن ينقذ العراق مما يعانيه حالياً ويخرج المحتل إلا العراقيون الوطنيون والجميع مدعو للعمل المشتركالقوي السياسية التي تواطأت مع امريكا ومكنتها من العراق صارت خارج الصف الوطني ومسؤولة عن فظائع الاحتلالحول الحاجة إلي كتلة تاريخية مع إشارة خاصة إلي حالة العراق (تتمة)ہخيـر الديـن حسيـبہأعتقد أننا نحتاج في السياسة إلي هذه الكتلة التاريخية التي تصهر كل المكوّنات في قوةٍ واحدة، ونحتاج علي صعيد الفكر إلي خطابٍ واحدٍ جامع بين أمشاج هذه الأفكار، يكون هو خطاب النهضة وخطاب هذه الكتلة وبرنامجها الفكري الذي تشتق منه برنامجها السياسي. ففكرة الكتلة التاريخية هي الوجه السياسي لفكرة المشروع النهضوي العربي. ومن هنا تأتي أهمية هذا الحوار حولها.إن هذه الكتلة التاريخية لا تلغي الإرث الوطني والقومي للتجمعات (أحزاب، حركات منظمة… إلخ) بل تؤطرها وتستكمل مقوماتها النضالية. إن قيام الكتلة لا يعني إلغاء ونفي الآخر، بل إضافة طاقة جديدة.إن مفهوم الكتلة التاريخية، مفهوم مركزي في هذا البرنامج، بدءاً بعنوانها ووصولاً إلي مطلب قيام كتلة تاريخية بين التيارات الرئيسية في الأمة، وإلي اعتباره خياراً وحيداً متاحاً أمام هذه الأمة. وكي يكون هذا المفهوم قابلاً للتداول في هذا السياق، لا بد من تدقيقه. إذا ما استبعدنا الاستعمال المحلي من نوع كتلة برلمانية، فإن الاستعمال السائد لمفهوم الكتلة التاريخية Historical Blocيشير إلي عوامل وأشكال الربط بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني، بما في ذلك الهيمنة الأيديولوجية، وذلك في مجتمع معين، في لحظة تاريخية محددة. من هذه الوجهة يبدو استعمال مفهوم الكتلة التاريخية علي صعيد الأمة العربية أو العربية-الإسلامية، مثيراً لإشكالات لا يمكن حلها علي صعيد فكري تحليلي. إن العلاقة بين تيارين ليست علاقة إرادية معلقة، بل هي مرتبطة بظروف مادية، وقوي وحركات اجتماعية، وتيارات فكرية وسياسية أخري، يمكن تصنيفها وتحديد مواقعها بدرجةٍ أو أخري، في مجتمع محدّدٍ له علاقة معينة، بين مجتمعه السياسي ومجتمعه المدني، وهو ما يستحيل تحليلياً في مستوي أمة عابرة للمجتمعات.أعتقد أن مفهوم الكتلة التاريخية كما هو مستعمل في البرنامج، هو أقرب إلي مفهوم التوافق التاريخي أو التسوية التاريخية ، الذي يعني التنازل التاريخي المتبادل، أو التواطؤ التاريخي بين قوي أو تيارات متباعدة أو متصارعة أصلاً، لكن ظروفاً تاريخيةً معينة تضطرها للتقارب مرحلياً أو لأبعد من ذلك.هذه الملاحظة حول المفهوم ليست شكلية. فالتسمية هنا تكثيف للتصور، وطريقة للإعلان عنه. وبصرف النظر عن الرأي في صياغة العلاقة، صياغةً سياسيةً، أري في المطلق أن لهذه التيارات الخيار سياسياً بين مفهوم التسوية Compromise وبين مفهوم التحالف الذي أصبح معتاداً عند الحركات والأحزاب العربية.ويجب ألا يغيب عنا أن في كل منها تضحية بمشروع طويل المدي، لصالح مشروع عاجل. ويصح قول ذلك عن التيارات الأربعة وبشكلٍ خاص عن التيارين القومي والإسلامي، لأنه لا يمكن اختزالهما بسهولة في مشروع سياسي. إن لهما بعداً ثقافياً بالمعني الواسع للكلمة، هو بمثابة العمق التاريخي الذي لا يؤتمن جانبه من الجانبين. الحذر واضح من جانب القوميين الذين يركزون علي القوي الإسلامية الثورية ذات الطابع المرجعي العربي والديمقراطي، واستبعاد الحركات الإسلامية ذات المنزع المذهبي أو الديني السري، المعتمد علي الإرهاب، أو ذات المنزع الفاشي. فما هو حذر الإسلاميين عموماً، وحذر الإسلاميين الثوريين من القوميين؟ أن لا يكون الجواب معروفاً علي وجه الدقة، أو أن يكون قابلاً للتأويل في الحوار القومي ـ الإسلامي، فهذا لا يكلف كثيراً، لكن ألا يكون كذلك علي صعيد مشروعٍ سياسي، فهذه قد لا تخلو من مجازفة محسوبة علي المدي البعيد.الدعوة للتلاقي بين التيارين القومي والإسلامي قائمة قبل التحدي الراهن، وعمرها يتخلل حوالي القرن. لكن هذا التحدي يفرض هذا التلاقي بين التيارات الأربعة، في الحدود المشار إليها، لأنه تحدٍ شاملٍ، علي مستويات السياسة والثقافة والهوية والاقتصاد وكل شيء. والأيديولوجية القائمة خلف هذا التحدي واضحة في استهداف الإسلام والعروبة. مواجهة هذه التيارات الأربعة لهذا التحدي تتطلب العمل علي أكثر من صعيد، ولا سيما علي صعيد العلاقة ما بين النخب والجماهير التي تتحرك عادةً بشكلٍ عفويٍ، لمواقف تتصل بالعروبة أو بالإسلام أو بالتقدم. ويتطلب ذلك قيام الكتلة التاريخية علي أسسٍ رئيسيةٍ مشتركة، لا تنفي الاختلاف، فلكل تيار الحرية في تأكيد اتجاهه. فقد يكون هناك من يري إرجاء التأسيس النظري لهذه الكتلة، بدعوي مقاومة الكتل الصلبة لها. فهذا صحيح، لكن القاعدة تقول إن هذه الكتل الصلبة لا تنكسر من تلقاء ذاتها، بل من خلال بدائل عملية تسحب البساط من تحتها، وتطرح للجماهير نموذجاً آخر بديلاً من التشرنق. والكتلة البديلة لن تقوم بالطبع علي التصلب بل علي التفاعل المتبادل المفتوح. ولهذا أساسه، فمثلاً موقف الإسلاميين من قضايا الوحدة والديمقراطية والمجتمع المدني يختلف الآن كثيراً عما كان عليه قبل ثلاثين عاماً مثلاً. وهو ما يقال عن القوميين الذين صححوا موقفهم من مسألة الديمقراطية. كما ينطبق ذلك علي موقف التيار اليساري من العروبة والوحدة العربية، والتي أصبحت من مسلمات هذا التيار اليساري العروبي. كما حصلت تغييرات مماثلة في قطاع مهم من التيار الليبرالي الوطني في اتجاه العروبة والعدالة الاجتماعية. ويعني ذلك أنه قد حصل نوع من الخروج علي ذلك التكوين الصلب المنغلق، وقامت إمكانات ومشتركات التلاقي التي وضعت عناصر المشروع الحضاري النهضوي العربي أسسها.إن مشروع بناء الكتلة التاريخية ليس محدداً بساحة قطرية واحدة، بل هو مشروع قومي لكل الوطن العربي، ويمكن أن يحقق ذلك أيضاً في الساحة النضالية الفلسطينية، كنموذج آخر إلي جوار النموذج العراقي، كما سيشار إلي ذلك فيما بعد.ومن غير المتوقع أن يتم هذا اللقاء والتفاعل بين هذه التيارات الأربعة مرّة واحدة تشمل جميع مكونات تلك التيارات، وفي جميع الأقطار العربية. ولكن أي تقدم ناجح في هذا الاتجاه، في قطر أو أقطار عربية سيشكل قوة دفع لنفس الاتجاه في أقطار عربية أخري، كما أن اشتراك الغالبية من كل تيار من هذه التيارات، في إطار قطر واحد، ستسهم وتساعد في إحداث التحولات الفكرية والسياسية اللازمة لمن تبقي من مكونات كل من هذه التيارات الأربعة. ولذلك فإن أي تفاعل ونموذج ناجح لهذه التفاعلات والتحالفات بين هذه التيارات سيكون مصدر إشعاع لها علي المستوي القطري والقومي.حالة العراق1ـ الحاجة إلي قيام التحالف الوطني العراقي تعتبر حالة العراق أكثر وضوحاً للحاجة الملحة إلي قيام تحالف بين هذه التيارات الوطنية الأربعة، قد يأخذ شكلاً أكثر تطوراً من حالة أقطار عربية أخري للأسباب التالية:أ ـ لم تتح الفرصة لهذه التيارات الوطنية الأربعة للعمل داخل العراق بشكل علني خلال مرحلة النظام السابق، 1968 ـ 2003، حيث لم يكن النظام يسمح بقيام حياة حزبية تعددية، إلا في حالات استثنائية تكون الأحزاب المشاركة في السلطة صورية وملتحقة بالنظام، كما تمت تصفيتها، في مراحل مختلفة من النظام السابق، ما كان لبعض هذه التيارات من تنظيمات قبل وصوله إلي السلطة. ب ـ وخلال تلك الفترة نشأت أجيال جديدة من العراقيين، لم تتح لها فرصة العمل العام والتنظيم السياسي، ولذلك فعندما حصل الاحتلال، وإذا افترضنا أن الوعي السياسي يبدأ في سن الخامسة عشرة، فإن من كانت أعمارهم خمسين سنة فأقل عند الاحتلال، وهم أكثرية الشعب العراقي، لم يكن لهم سابق خبرة سياسية أو تنظيمية. ج ـ ونتيجة لما سبق، لم تتح الفرصة للقوي الوطنية داخل العراق، خارج النظام الحاكم، لتنظيم نفسها، وحتي التواصل مع أتباعها ناهيك عن التعاون فيما بينها. وهكذا عندما تم احتلال العراق في نيسان (ابريل) 2003، لم تكن داخل العراق قوي سياسية منظمة أو ذات خبرة تنظيمية وسياسية فيما عدا أعضاء حزب البعث الذي كان حاكماً للعراق قبل الاحتلال.د ـ أما القوي السياسية العراقية التي كانت تعمل من خارج العراق، وفيما عدا استثناءات قليلة وصغيرة ومحدودة التأثير، فإن تلك القوي السياسية تعاونت بأشكال ودرجات مختلفة مع الولايات المتحدة في تمكينها من احتلال العراق، ثم المشاركة في الصيغ المختلفة التي مارسها الاحتلال في العراق. وبغض النظر عن مدي شعبية القوي التي تحالفت مع الاحتلال أو التحقت به وحجم قواعدها وتأثيراتها الداخلية بعيداً عن الاحتلال، فإنها قد أصبحت جميعاً بتعاونها مع الاحتلال خارج الصف الوطني ومسؤولة بدرجات مختلفة عن الاحتلال واستمراره حتي الوقت الحاضر.هـ ـ وقد بدأت بعد الاحتلال بعض القوي الوطنية العراقية من التيارات الأربعة التي لم تتعاون مع الاحتلال بمحاولة تنظيم نفسها، ولكنها عانت ولا تزال تعاني، وبدرجات مختلفة، من طابعها النخبوي ومن محدودية حجمها وثقلها السياسي ومن نقص الخبرة السياسية والتنظيمية لديها أو لصعوبة الظروف الأمنية أو من طابعها الطائفي والمذهبي. ونتيجة لذلك فقد كان تأثيرها محدوداً علي مجري الأحداث، ولم تستطع حتي الآن تغيير مجري الأحداث السياسية في العراق أو إنهاء احتلال العراق.و ـ وبالنسبة للمقاومة الوطنية العراقية المسلحة وفصائلها الرئيسية، والتي قامت بعد الاحتلال مباشرة، ورغم دورها الوطني وتأثيرها المتزايد علي الاحتلال، فإنها وباستثناء تلك التنظيمات التابعة لحزب البعث، فليس لديها امتدادات سياسية منظمة وفاعلة علي الساحة العراقية.ز ـ ونتيجة لكل ذلك، هناك فراغ سياسي وطني لقوي وطنية سياسية منظمة وفاعلة ضد الاحتلال، تعمل بموازاة وتدعم المقاومة الوطنية المسلحة، وهو فراغ لا يزال كبيراً، رغم محاولة بعض القوي السياسية والدينية والوطنية ملء بعضه، ولكنها لم تنجح حتي الآن في أن يكون لها تأثير في مجري الأحداث المتدهورة في العراق تحت الاحتلال.ح ـ وقد عجزت التيارات الوطنية العراقية الأربعة: التيار القومي العربي، والتيار الإسلامي العروبي، والتيار اليساري العروبي، والتيار الليبرالي الوطني العروبي، عن تنظيم نفسها في تنظيم كل منها في إطار يوحد تلك المكونات علي مستوي العراق كله، وليس في إطار نخبوي، أو طائفي، أو مذهبي، وبدرجات مختلفة من محدودية الانتشار والتأثير، ولذلك تبرز الحاجة إلي “كتلة تاريخية” تجمع هذه التيارات السياسية الأربعة الرافضة للاحتلال وللتعاون معه، وأن تساهم جنباً إلي جنب مع المقاومة الوطنية المسلحة، في تحرير العراق وإقامة نظام ديمقراطي تعددي.ط ـ إن هذه الحاجة لتنظيم وتعاون هذه التيارات الأربعة لا تفرضها فقط حالة الاحتلال وضرورة التعاون في تحرير العراق فقط، وإنما تبرز هذه الحاجة بعد التحرير أيضاً وضرورة الانتقال إلي وضع ديمقراطي تعددي حقيقي.ي ـ إن التعاون بين هذه التيارات الأربعة الرافضة للاحتلال والتي تهدف إلي تحرير العراق، يمكن أن يأخذ إحدي صيغتين:الصيغة الأولي، أن يقوم كل تيار بتنظيم نفسه سياسياً بصورة مستقلة وأن تتحالف مع بعضها في صيغة جبهوية أو غيرها لتحقيق أهدافها المشتركة.والصيغة الثانية، هي أن تبدأ عملها وتعاونها من خلال صيغة تجمع بين مكوناتها ابتداء في تنظيم سياسي واحد، يتبني برنامجاً مشتركاً محدد الأهداف والوسائل.ونظراً للظروف الراهنة في العراق، والحاجة إلي قيام تنظيم سياسي موحد يسد الفراغ السياسي الحالي في العراق، ويساهم في عملية التحرير وبناء عراق ما بعد التحرير، ولأن الصيغة الأولي قد تأخذ وقتاً طويلاً، ولأن هذه التيارات غير منظمة حالياً في أطر حقيقية تشمل كل تيار، لذلك فإن الاختيار الأفضل في ظروف العراق الحالية يتمثل باعتماد الصيغة الثانية لاعتبارات عملية، وعلي أساس صيغة اتحادية تجمع بينها وفق برنامج واضح المعالم لمرحلتي ما قبل التحرير وما بعده.ك ـ وتهدف هذه الصيغة المقترحة إلي قيام تحالف وطني عراقي يجمع في تنظيم واحد هذه التيارات الأربعة في كتلة تاريخية تتبني برنامج عمل سياسي وفكري موحد، ويضم القوي الوطنية المناهضة للاحتلال في داخل العراق وخارجه، حيث تتواجد عناصر وطنية عراقية كثيرة في مختلف الساحات العربية والأجنبية، علي أن يكون التأكيد علي الداخل في العراق إضافة إلي الاستعانة بالخارج كعامل مساعد.ل ـ وواضح أن هذه الصيغة تستبعد من عضويتها أية مجموعات سياسية منظمة، إلا إذا دخلت في التنظيم المقترح علي أساس فردي وتخلت عن عضويتها في التنظيمات القائمة المنتمية إليها. ولكن ذلك لا يمنع التحالف الوطني العراقي من التعاون، بعد قيامه، مع قوي سياسية وطنية عراقية أخري منظمة في إطار جهة أو أية صيغة وطنية مناسبة أخري.م ـ أن يتم الاتصال بين هذه العناصر والقوي من التيارات الأربعة للاتفاق المبدئي علي ذلك، ولمناقشة مسودة البرنامج المقترح، تمهيداً لعقد مؤتمر تأسيسي لها، يناقش ويصادق علي البرنامج النهائي لها، وعلي نظام داخلي لهذا التحالف يحدد أطر عمله، وخطة عمل مرحلية لما قبل التحرير وبعده.ن ـ أما اختيار تعبير الوطني ضمن اسم هذا التحالف، فالغاية منه أن يكون مفتوحاً أمام كل العناصر الوطنية المناهضة للاحتلال والتي تتبني العناصر الستة للمشروع الحضاري النهضوي، والتي تنتمي إلي جميع مكونات الشعب العراقي من عرب وأكراد وتركمان وجماعات إثنية أخري.2 ـ البرنامج المقترحيعتبر البرنامج الذي أُعد لمستقبل العراق بعد إنهاء الاحتلال، والذي تمت مناقشته من قبل ندوة ساهم فيها عدد كبير من العراقيين من داخل العراق وخارجه، وتم إعداده بشكله النهائي علي ضوء تلك المناقشات، وتم نشره في كتاب مستقل، وتضمن ما هو مقترح للعراق بعد إنهاء الاحتلال وتحريره من: دستور ـ قانون للانتخاب ـ قانون للأحزاب ــ برنامج لإعادة البناء ـ وللسياسة النفطية ـ وللإعلام ـ وللجيش ـ وللقضية الكردية ـ وللتعويضات، ويجري حالياً استكماله خلال الأسابيع القليلة القادمة بإضافة مشروع قانون لمكافحة وتحريم الطائفية والعنصرية، وبرنامج للتربية والتعليم في العراق، بمثابة منطلق أو كقاعدة أو مبادئ عامة للعمل الوطني العراقي المشترك.وانطلاقاً من هذا البرنامج المشار إليه والتوجهات العامة فيه، وأخذاً بنظر الاعتبار الاستفادة من البرامج المختلفة التي أطلقتها المقاومة الوطنية العراقية والهيئات العراقية المناهضة للاحتلال، دون التقيد بكل ما ورد فيها، يمكن تلخيص الأهداف العامة للبرنامج المقترح للتحالف الوطني العراقي، كما يلي:أ ـ الاحتلال الأجنبي وإفرازاته(1) رفض الاحتلال الأجنبي للعراق رفضاً باتاً وكل ما ترتب ويترتب عليه من نتائج، والعمل بكل السبل والوسائل المتاحة والمشروعة لمقاومة هذا الاحتلال وخروجه كاملاً من العراق، وبأسرع ما يمكن، ورفض أية اتفاقات عسكرية وتواجد أية قواعد عسكرية له في العراق بعد خروجه.(2) الرفض الكامل للعملية السياسية الجارية في العراق، والتي أفرزها ورعاها الاحتلال، ورفض كل ما ترتب عليها من دستور وقوانين وانتخابات ومجلس للنواب.(3) دعوة بعض القوي الوطنية المناهضة مبدئياً للاحتلال والتي لم تساهم في مجيئه، والتي التحقت بالعملية السياسية بعد الاحتلال، إلي الخروج من العملية السياسية والالتحاق بالقوي الوطنية الرافضة للاحتلال وللعملية السياسية، وإلا فإنها ستتحمل ما يترتب علي استمرار مشاركتها في العملية السياسية من إطالة أمد الاحتلال والأضرار التي قد تلحق بالعراق نتيجة لاستمرار تلك المشاركة.ب ـ المقاومة العراقية(1) تأييد ودعم المقاومة الوطنية بكل أشكالها المسلحة والسياسية، الموجهة ضد الاحتلال والمتعاونين المباشرين معه، واعتبارها حقا مشروعا وأنها الوسيلة الرئيسية لإنهاء الاحتلال وتحرير العراق.(2) الرفض الكامل والإدانة للأعمال التي تستهدف المدنيين الأبرياء، ولأعمال الخطف والتعذيب والانتقام والاغتيالات الطائفية والمذهبية والعنصرية واعتبارها خارج المقاومة الوطنية ومسيئة ومضرة بها.(3) الشعب العراقي هو مصدر السلطات وهو الممثل الشرعي للعراق، والمقاومة الوطنية بأشكالها المختلفة هي جزء من هذا الشعب. ولا يجوز لأية قوة من المقاومة الوطنية الانفراد في تقرير مستقبل العراق بعد تحريره.(4) دعوة المقاومة الوطنية المسلحة، باستثناء القوي المشار إليها في الفقرة (2) أعلاه، إلي التعاون والتنسيق والتخطيط وإقامة تحالفات فيما بينها كلما دعت الضرورة إلي ذلك، والتركيز علي مقاومة الاحتلال وإخراجه من العراق، وأن لا تنشغل الآن بمرحلة ما بعد التحرير وأن تستشار ويكون لها رأيها في مرحلة ما بعد التحرير، وأن يترك للشعب العراقي في انتخابات حرة تجري بعد التحرير لاختيار ممثليه علي ضوء ما تطرحه القوي الوطنية المختلفة من أهداف ووسائل.(5) الانتباه والحذر من محاولات الاحتلال لإقامة اتصالات مع بعضها بهدف إثارة الخلافات فيما بينها وإشغالها عن الهدف الرئيسي العاجل وهو مقاومة الاحتلال وإخراجه من العراق.ج ـ أهداف عامة(1) العراق جزء لا يتجزأ من الأمة العربية، والتأكيد علي هوية العراق العربية وانتمائه الإسلامي، وهو جمهورية ديمقراطية ذات سيادة لا تتجزأ، وعضو مؤسس وعامل في جامعة الدول العربية، يلتزم بميثاقها واتفاقاتها، وعضو مؤسس وعامل في منظمة الأمم المتحدة وملتزم بمواثيقها.(2) الشعب العراقي يتألف من قوميتين عربية وكردية وأقوام أخري متآلفة في إطار حقوق الإنسان والحريات العامة والمساواة في الحقوق والواجبات.(3) الالتزام المطلق بوحدة العراق أرضاً وشعباً وسيادة، ورفض أية محاولات لتقسيمه علي أساس عرقي أو مذهبي.(4) العمل علي التداول السلمي للسلطة وإعادتها إلي صاحبها الشرعي والوحيد شعب العراق، ورفض الدكتاتورية.(5) تأكيد وتكريس روح الولاء للوطن العراق وتحريم الولاء لغيره.(6) أن تكفل لجميع المواطنين حرية الفكر والتعبير والعقيدة والعبادة، والعدالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتكافؤ في الفرص، ومساواة أمام القانون.(7) تلتزم الدولة بحقوق الإنسان المكرّسة في المواثيق والاتفاقيات الدولية، بما فيها حقوق المرأة.(8) اعتبار كل دعوي أو تصرف أو سلوك من شأنه زرع الفرقة وبث الفتنة في صفوف الشعب علي أسس عرقية أو مذهبية أو دينية جريمة ترقي إلي مستوي الخيانة العظمي للعراق، وتشريع قانون يحرّم الطائفية ويحدد كيفية محاربتها والقضاء عليها سياسياً وتربوياً وثقافياً.(9)إلغاء أية قوانين تؤدي إلي تهميش أو حذف أو إلغاء دور أية فئة سياسية أو شعبية.(10) تكون الثروات الطبيعية بما فيها النفط والغاز والمعادن الأخري سواء في باطن الأرض أو في المياه الإقليمية وجميع مصادرها وقواها ملكاً للدولة، مع مراعاة مقتضيات الاقتصاد الوطني والأمن القومي.(11) تطوير قانون الحكم الذاتي لكردستان العراق بما يضمن الحقوق القومية والثقافية لإقليم كردستان ضمن إطار وحدة العراق وسيادته، ومناقشة هذه الأمور بروح الثقة والحوار البنّاء والتفاعل مع القوي الكردية ضمن ثوابت الحرص علي العلم والسيادة والثروة الوطنية والسياسة الخارجية والأمن القومي للعراق، والذي يوضحه ما هو مقترح في مشروع “الدستور” في البرنامج لمستقبل العراق بعد إنهاء الاحتلال.(12) العربية هي اللغة الرسمية، وإلي جانبها اللغة الكردية في إقليم كردستان وللأقوام الأخري استخدام لغاتها في ثقافتها ومعارفها. ويكون تعليم اللغة العربية إلزامياً في إقليم كردستان، ويكون تعليم اللغة الكردية اختيارياً في المدارس الرسمية العراقية خارج إقليم كردستان.(13) العراقيون متساوون في شغل الوظائف العامة في الدولة، ويشترط في من يعمل في الوظائف العامة للدولة في إقليم كردستان أن يجيد اللغة الكردية قراءة وكتابة إضافة إلي اللغة العربية.(14) يحق للعراقيين، بغـــض النظر عن أية اعتبارات أخري، التملك والسكن في أي أرض أو جزء من العراق، وفي حدود القانون الخاص بحقوق التملك.(15) التأكيد علي أن القضية الفلسطينية هي قضية العرب والمسلمين المركزية الأولي، وأن من واجب ومسؤولية العراق، ثنائياً وكذلك بالتعاون مع الدول العربية الأخري، تقديم كل ما يستطيع تقديمه للشعب الفلسطيني لتحقيق أهدافه الرئيسية.(16) الخدمة العسكرية إلزامية، وفقاً للقواعد التي يحددها القانون. والدولة وحدها تنشئ القوات المسلحة وليس لغيرها إنشاء أية تشكيلات عسكرية أو شبه عسكرية أو تنظيمات مسلحة. كما تمنع منعاً باتاً جميع الأحزاب والقوي السياسية الأخري في العراق أن تعمل حزبياً وسياسياً داخل مؤسسة الجيش والقوي الأمنية الأخري في العراق.(17) مهمة القوات المسلحة الدفاع عن الوطن ووحدته وسيادته واستقلاله. ولا يجوز لمنتسبي القوات المسلحة وقوي الأمن والشرطة ممارسة العمل السياسي، ويحظر عليهم الانتساب إلي الأحزاب والمنظمات السياسية.د ـ المرحلة الانتقالية بعد التحرير(1) تكون هناك مرحلة انتقالية لمدة سنتين، تبدأ بعد إقرار انسحاب قوات الاحتلال.(2) يتم تشكيل حكومة وطنية عراقية انتقالية من كفاءات وطنية مستقلة حيادية وغير حزبية، وبالتشاور مع المقاومة الوطنية العراقية المسلحة والسياسية.(3) يتم إطلاق سراح جميع الموقوفين والمعتقلين والمحجوزين والمحكومين لأسباب سياسية خلال فترة الاحتلال، ولا يشمل ذلك الذين تم اعتقالهم أو احتجازهم والحكم عليهم لأسباب إجرامية غير سياسية.(4) تلتزم الحكومة المؤقتة بتعويض جميع المتضررين من الاحتلال، بأشكاله المختلفة، من أرواح وممتلكات وغيرها، ودون انتظار للتعويضات من دول قوات الاحتلال للعراق، ودون إسقاطها.(5) تشمل التعويضات المشار إليها في الفقرة السابقة الفلسطينيين الذين كانوا موجودين في العراق وتعرضوا إلي أضرار من الاحتلال وأثنائه وتم تهجير بعضهم، وتوفير كل المستلزمات اللازمة لحمايتهــم وعودة من هاجر منهم ممن يريدون العودة.(6) العمل بكل الوسائل السياسية والدبلوماسية والدولية السلمية، المتاحة والممكنة، لتعويض العراق عما لحقه من أضرار وخسائر مختلفة من قبل قوات الاحتلال ومن الأنظمة العربية وغير العربية التي ساعدت في احتلال العراق وتسببت مباشرة أو غير مباشرة في تلك الخسائر والأضرار.(7) تلتزم الحكومة خلال الفترة الانتقالية بالسياسة النفطية المشار إليها في الأهداف العامة ، وتعتبر جميع الاتفاقات النفطية التي تمت خلال فترة الاحتلال ملغاة شرعياً لمخالفتها قرارات مجلس الأمن رقم 1483 و1546، كما تعتبر جميع الاتفاقات التي عقدها الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني خلال الفترة 1991 ـ 2003 وكذلك كل ما عقد من اتفاقات أثناء فترة الاحتلال مع شركات أجنبية لاكتشاف وتطوير الإنتاج النفطي في محافظات السليمانية وأربيل ودهوك غير قانونية وملغاة، وتطلب من تلك الشركات إيقاف أية عمليات لها في تلك المحافظات، كما ستكون خاضعة للملاحقة القانونية داخل وخارج العراق علي تعاقدها مع جهات عراقية غير شرعية لاستثمار النفط في تلك المحافظات.(8) يلتزم رئيس الوزراء والوزراء في الحكومة الانتقالية بعدم الترشح لأية انتخابات قادمة.(9) تُخول هذه الوزارة، خلال الفترة الانتقالية، بالصلاحيات التشريعية والتنفيذية والمالية اللازمة لتنفيذ واجباتها، كما يحق لها إعادة النظر بإلغاء أو تعديل جميع القوانين والأنظمة والأوامر الصادرة منذ احتلال العراق حتي تاريخ تشكيلها، وكذلك أية قوانين وأنظمة وتعليمات صادرة قبل الاحتلال.(10) تشكيل مجلس استشاري من (100 ـ 150) عضواً من القوي السياسية والشخصيات والكفاءات العراقية التي لم تتعاون مع الاحتلال.(11) يعتبر الدستور الذي تم إعداده تحت الاحتلال ملغي لافتقاده الشرعية وتلغي جميع القوانين والإجراءات التي تمت استناداً إليه.(12) تبدأ الوزارة الانتقالية فور تشكيلها، وبالتشاور مع المقاومة الوطنية العراقية والقوي الوطنية الرئيسية المعارضة للاحتلال، بإعادة تشكيل الجيش العراقي والقوي الأمنية الأخري، حسب الأسس والمعايير التي تراها مناسبة. ويتم تزويد الجيش والقوي الأمنية الأخري بأحدث الأسلحة المختلفة التي تحتاجها ومن المصادر التي تراها مناسبة. كما يتم حل جميع الميليشيات الموجودة في العراق بالطريقة التي تحددها الحكومة.(13) تقوم الحكومة الانتقالية خلال مدة لا تزيد عن سنة من تاريخ قيامها بإعداد قانون للانتخابات، وقانون للأحزاب، وأن تُجري انتخاباً لمجلس النواب (مستفيدة من مسودة الدستور المؤقت المعد لمرحلة ما بعد التحرير) من دون أن تكون ملزمة به حصراً، وبالتشاور مع المجلس الاستشاري ومع أكبر عدد من العراقيين في داخل العراق وخارجه.(14) أن تتم الانتخابات خلال السنة الثانية من الفترة الانتقالية، وتحت إشراف الأمم المتحدة، والجامعة العربية، والاتحاد الأوروبي، والمنظمة العربية لحقوق الإنسان، ومنظمة العفو الدولية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، والمنظمات الدولية والعربية الأخري ذات العلاقة، لضمان حريتها ونزاهتها وشفافيتها، وعلي أساس القوائم النسبية وعلي أساس المحافظة، وكما هو وارد في مسودة الدستور المشار إليها في الفقرة (12) أعلاه.(15) يضع البرلمان العراقي المنتخب خلال السنة الثانية من الفترة الانتقالية، مسودة دستور ومستفيداً من مسودة الدستور المشار إليها سابقا، ثم يعرض علي استفتاء شعبي عام لإقراره.(16) يقوم البرلمان المنتخب باختيار رئيس للجمهورية حسب الدستور الذي سيتم إقراره في الاستفتاء الشعبي.(17) تلتزم الحكومة العراقية الانتقالية بالطرق السلمية وعدم اللجوء إلي استعمال القوة في أية خلافات بينها وبين الدول العربية الأخري والدول المجاورة غير العربية والتي حرّضت أو ساعدت أو ساهمت في احتلال العراق بشكل أو آخر، في ما عدا حالات الدفاع عن النفس وفي حدود ميثاق الأمم المتحدة وميثاق جامعة الدول العربية.(18) تُشكل الحكومة العراقية الانتقالية لجنة قضائية عراقية مستقلة، مع الاستفادة من الكفاءات القانونية العراقية والدولية المحايدة، للتحقيق في جميع الشكاوي عن قضايا ارتكاب جرائم وانتهاكات لحقوق الإنسان في العراق والتواطؤ مع الاحتلال وإرهاب الدولة وأعمال الخطف والقتل علي الهوية والابتزاز وغيرها من الجرائم منذ ما بعد ثورة 14 تموز/يوليو 1958 وحتي مغادرة قوات الاحتلال وقيام حكومة وطنية منتخبة، وتتولي لجنة التحقيق جمع المعلومات عن جميع هذه الجرائم، ويتولي البرلمان المنتخب تحديد طريقة البت فيها في ضوء التجارب العالمية في التعامل مع هذه الجرائم.هـ ـ مراحل إنشاء التحالف الوطني العراقي (1) تم خلال الأشهر الأخيرة عقد اجتماعات لعدد من العراقيين المتواجدين في بريطانيا وأوروبا عموماً، لبحث الفكرة والصيغ المختلفة لإخراجها.(2) ويحتاج الأمر إلي توسيع هذه اللقاءات وأن تشمل مراكز تجمعات أخري للعراقيين الوطنيين المستقلين في الأردن وسورية ومصر بشكل خاص.(3) توسيع الاتصالات مع العراقيين المهتمين والمؤهلين للعمل في هذا التحالف في داخل العراق.(4) إن الأصل هو أن يكون الداخل العراقي هو أساس هذا التحالف، وأن الخارج سيكون عاملاً مساعداً ومكملاً لعمل الداخل وليس بديلاً عنه.(5) بعد استكمال الاتصالات، وبعد حصول قناعة واسعة بالاقتراح، يمكن أن يتم عقد مؤتمر تأسيسي لقيام التحالف الوطني العراقي خارج العراق لمناقشة وإقرار اسم التحالف وبرنامجه والنظام الداخلي الذي سيعد ويعرض علي المؤتمر التأسيسي، وكذلك مسألة تمويل التحالف، وأن يضم المؤتمر التأسيسي أعضاء مؤسسين من داخل العراق وخارجه.(6) أن ينتخب المؤتمر التأسيسي قيادات التحالف، حسب النظام الداخلي الذي سيعده.(7) ونظراً للأوضاع الأمنية الحالية في العراق، وفي حالة استمرارها، أن ينشأ في بيروت مؤقتاً، بعد إنهاء المؤتمر التأسيسي وإقرار الوثائق الرئيسية للتحالف، مكتب تنفيذي للتحالف يقوم بالاتصالات والتنسيق وبالجانب الإعلامي للتحالف.(8) أن تتم حملة إعلامية واتصالات واسعة وندوات وحلقات نقاشية لعرض المشروع علي أوسع نطاق ممكن داخل العراق وخارجه.(9) يمكن مناقشـــــة هذا المشــــروع، علي المستويين القومي والعراقي من خلال الرسائل الالكترونية بين المهتمين بالموضوع، ومن خلال وسائل الإعلام الأخري، كعقد ندوات لمناقشته من خلال بعض الفضائيات العربية، أو من خلال بعض الصحف العربية.كما يمكن، علي المستوي العربي، طرح هذا المشروع علي المؤتمر القومي – العربي القادم، وكذلك علي المؤتمر القومي – الإسلامي القادم.خامساً: خاتمةإن ما حصل ويحصل في العراق يمثل تحدياً لكل القوي الوطنية العراقية، في داخل العراق وخارجه، وليس هناك من سينقذ العراق مما يعانيه حالياً ويحقق إخراج المحتل إلا العراقيون الوطنيون أنفسهم مهما كانت التضحيات المطلوبة منهم، وهم مدعوون إلي العمل المشترك لمواجهة التحديات بشجاعة ونكران ذات. كما أن ما يقال عن العراق ينطبق علي بعض الساحات العربية الأخري، تفادياً لتجنب أوضاع مماثلة لما حدث في العراق. ہ وستنشر هذه الدراسة في عدد شباط (فبراير) 2007 من المستقبل العربي ہہ مدير مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت7
حول الحاجة إلي كتلة تاريخية مع إشارة خاصة إلي حالة العراق
ssنحتاج الي خطاب تاريخي تركيبي يعيد تأليف اللحظات الفكرية العربية في خطاب واحد: الخطاب النهضوي الجديدsssttالحرب علي الإرهاب هي حرب استئصال جسدية وفكرية وتربوية مباشرة تستهدف التيارين القومي والاسلاميtttppخيـر الديـن حسيـبہہتواجه الأمة العربية شعوباً وأنظمةً سياسيةً، مأزقاً شاملاً، لم يعد التغيير فيه ممكناً علي الطريقة السابقة، أي علي طريقة الثورة الشعبية، أو طريقة الانقلاب العسكري. فتكاد تكون الثورة الإيرانية آخر أنماط الثورة الشعبية، بينما لم يكن ممكناً للانتفاضة الشعبية في إندونيسيا وهي حالة خاصة أن ترحّل الجنرال سوهارتو دون تحييد الجيش، ودون الدعم الأمريكي لهذا التحييد. ولكن ما يهمنا هنا الحديث عن الحالة العربية، إذ كانت الحركات الوطنية العربية أحد عوامل التسبب في الانقلابات العسكرية، بسبب قصر نفسها، واعتقادها أن اللجوء إلي مؤسسة الجيش بوصفها مؤسسةً وطنية مركزية، يمكن أن يختصر عملية التغيير. لكن الأنظمة العربية تبدو اليوم في الوضع الراهن، من دون إنكار تفاوت الحالة بين هذا القطر أو ذاك، وكأنها قد أخذت لقاحاً أو اكتسبت مناعةً ضد الأمراض الفتّاكة التي تهددها، أي بصورةٍ رئيسيةٍ ضد الحركات الشعبية وضد الانقلابات العسكرية علي حدٍ سواء. ويعود ذلك إلي أسباب عديدة، يأتي في مقدمتها توسع دور الدولة الاقتصادي، وتكريس السيطرة علي الإعلام، ومضاعفة حجم وقوة الأجهزة الأمنية… إلخ. وبالتالي بات من الصعب تصور قيام ثورة شعبية في الوطن العربي علي طريقة الثورة الإيرانية، بل حتي علي طريقة الحالة الإندونيسية الخاصة، التي لم تنجح لولا الدعم الخارجي الأمريكي لتحييد الجيش، وبالتالي نحن هنا إزاء دور العامل الخارجي.pppففيما يتعلق بالانقلابات العسكرية، ثبت أنه ليس كل ضابط انقلابي يرفع شعاراتٍ كبيرة هو عبد الناصر، بل هناك ملاحظات حتي علي تجربة عبد الناصر وما حصل لها بعد غيابه. ولكن علي الرغم من سوء أداء الأنظمة العربية، وفشلها علي المستوي القطري في تحقيق أي إنجاز حقيقي علي مستوي تحقيق الأهداف الوطنية، فإن مأزق الشعوب بات يكمن علي الأقل في أن الحل إما أن يأتي من الداخل أو يأتي من الخارج. وتجربة العراق تبين لنا نتائج الاستعانة أو الاعتماد علي العنصر الخارجي. فما هو البديل من الاعتماد علي هذا العامل؟ وإذا كانت تجربة موريتانيا الأخيرة تشير إلي حالة جديدة تتم عن طريق انقلاب عسكري يدير مرحلة انتقالية للانتقال إلي وضع ديمقراطي وينسحب بعدها من الحياة السياسية، فإن التجربة لا تزال في مراحلها الأولية الناجحة حتي الآن، إلا أنه من الصعب الحكم النهائي عليها كنموذج يمكن الاقتداء به قبل أن تنتهي المرحلة الانتقالية وتنتقل موريتانيا إلي وضع ديمقراطي سليم، وأن لا تنتكس كما حدث في حالة السودان والرئيس سوار الذهب. وبانتظار النتيجة النهائية للتجربة الموريتانية، فإنه لا يمكن إسقاط هذا النموذج للتغيير كلياً.وهكذا فإن مأزق الشعوب العربية بات يكمن علي الأقل في أن الحل إما أن يأتي من الداخل أو يأتي من الخارج، بالاستعانة بقوي خارجية في عملية التغيير الداخلي. وتجربة العراق تبين لنا نتائج الاستعانة أو الاعتماد علي العنصر الخارجي. فما هو الحل البديل من الاعتماد علي هذا العامل الخارجي؟ تساعدنا تجربة نلسون مانديلا علي تصور هذا الحل. يروي مانديلا في مذكراته معاناة الأشغال الشاقة الحقيقية التي أمضاها علي مدي سبعة وعشرين عاماً في المعتقل. كانوا يذهبون يومياً منذ الصباح إلي الجبل لنحت الصخر في هذه العقوبة، لكنه توصل بعد ذلك وهو في هذه الظروف إلي نتيجة هي أنه ليس بإمكانهم القضاء علي حكومة التمييز العنصري، كما أن تلك الحكومة غير قادرة علي أن تقضي عليهم. وبالتالي لا بد من حوار واتفاق علي صيغة معينة، دون التنازل عن القضايا المبدئية. ونقرأ في مسيرته الطويلة، أنه بدأ بالكلام مع مدير السجن ثم مع موظفين من الدرجة الثانية والثالثة، إلي أن وصل إلي رئيس الوزراء كليرك الذي اقتنع هو أيضاً بوجهة النظر هذه، وأبرم معه الصفقة التاريخية، لكن من دون أي تنازل عن أي من الثوابت، ليصبح رئيساً للجمهورية، وينتهي النظام العنصري. وللمفارقة وقّع ياسر عرفات في العام نفسه ((1993 اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل مع تنازلات رئيسية في الثوابت. وحدث شيء من ذلك في أنظمة أمريكا اللاتينية التي كانت كلها قبل سنوات التسعينيات دكتاتورية، حيث تحولت أغلبيتها الساحقة من حكم الدبابة إلي حكم صندوق الاقتراع. وتم ذلك في معظم الحالات عبر صفقة تاريخية بين قوي المعارضة الوطنية وبين الأنظمة الحاكمة.كما أن عملية التحرر الوطني من الاستعمار وتأسيس الدولة القطرية في الوطن العربي، بعد الحرب العالمية الأولي والثانية تحقق بفعل كتلة تاريخية جسّدها تداعي النخب التي اندفعت لعمل وطني شامل وامتزجت عبرها مراحل التحرر الوطني بمتطلبات البناء الاجتماعي. حدث في بعض أقطار الوطن العربي شيء من هذه الصفقة، وربما كانت التجربة المغربية أكثرها وضوحاً من ناحية البداية، لكننا لا نستطيع الجزم بمستقبلها، بينما حدث تراجع في كل من البحرين والأردن عن مثل هذه البداية. كما تخوض موريتانيا تجربة جديدة، إذاً فكيف نتصور الحل؟ الثورة الشعبية غير ممكنة، والانقلاب العسكري غير مرغوب فيه وغير ممكن في وقت واحد. وبالمقابل فإنني لا أعتقد أنه يمكن لأي تيار سياسي لوحده، سواء كان قومياً أو إسلامياً أو يسارياً أو ليبرالياً، أن يقوم بعملية التغيير، بسبب وطأة الأنظمة، وعدم قدرة كل تيار وحده علي إحداث عملية التغيير، وكذلك ضرورة عدم تكرار تجربة الصراع الداخلي واستنزافها في مرحلة الخمسينيات والستينيات بين بعض هذه التيارات، حول قضايا لا يمكن التوصل إلي حلها إلا علي المدي البعيد حيث كنا جميعاً، أي أبناء هذه التيارات، ضحايا لها.ومن هنا تصبح الحاجة للقاء وتعاون هذه التيارات الوطنية الأربعة أكثر إلحاحاً في حالة احتلال أي قطر عربي، نتيجة الاستعانة بالخارج لإحداث التغيير المطلوب أو تعاون بعض القوي الداخلية مع الخارج لتحقيق أهداف خاصة به، مهما كانت الشعارات التي يطرحها. وينطبق ذلك عربياً، في الوقت الراهن، علي حالة العراق بشكل خاص، كما سنري فيما بعد، إذ يعجز أي تيار وطني لوحده عن إخراج الاحتلال وتحرير البلد ناهيك عن الانتقال إلي وضع ديمقراطي.علي المستوي العربيلم يعد خافياً علي أي مراقب محايد حجم الحملة التي تستهدف القومية العربية والإسلام معاً باعتبارهما إطارين للتوحيد والتواصل الحضاري في منطقة تمتلك حيوية استراتيجية فائقة بالنسبة إلي القوي الطامحة إلي الهيمنة علي مقدرات العالم اليوم. وإذا كانت هذه الحرب لم تتوقف يوماً واحداً، ومنذ قرون، ضد العروبة والإسلام إلا أنها تميزت في هذه المرحلة بأمرين بالغي الخطورة: الأمر الأول: إنها تأخذ طابعاً بالغ الحدة والشراسة، علي المستويات الأمنية والعسكرية والسياسية والثقافية، حيث تجري باسم الحرب علي الإرهاب حرب استئصال جسدية وفكرية وتربوية ضد الأمة تصل إلي استهداف مباشر للعقيدة الدينية والهوية القومية.الأمر الثاني: إنها تأخذ حالياً طابع الحرب المباشرة علي التيار القومي العربي والتيار الإسلامي في آن معاً، بعد أن سعت ولعقود خلت لاستخدام الصراع بين التيارين كإحدي الأدوات الرئيسية في حربها علي العروبة والإسلام. وإذا كانت الشراسة التي تتسم بها هذه الحرب يمكن تفسيرها بمدي الصلابة التي تواجه بها الأمة مخططات أعدائها، وبعمق الروح الجهادية التي تتجلي في كل مواقع المقاومة في الأمة العربية والإسلامية، فإن مرد الاستهداف المزدوج للتيارين القومي العربي والإسلامي يعود إلي أن التيارين قد نجحا في السنوات الأخيرة، وتحديداً مع بداية التسعينيات، في بناء قدر من علاقة تفاعلية وتكاملية بينهما أدت إلي سد الكثير من الثغرات التي طالما نفذ منها أعداء العروبة والإسلام من أجل ضربهما معاً. ولقد وقف وراء هذا التطور الإيجابي في العلاقة بين التيارين الإدراك المشترك لقواهما ورموزهما الأبرز، للمخاطر الجسيمة التي تواجه الأمة، وللتطور الخطير في مستوي المجابهة مع الأعداء، ولا سيما حين بدأت بعض الدوائر الغربية، الفكرية والسياسية والثقافية، تعتبر صراحة أن الخطر القادم، بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، هو ذلك المتمثل بالإسلام والعروبة، وتتصرف فعلاً علي هذا الأساس. وقد واكب هذا التطور دخول التيار اليساري العروبي إلي دائرة التيار القومي في عملية بدأت في النصف الأول من الستينيات وتعززت كرد علي الهجمة التي تعرضت لها الحقبة الناصرية في مصر، ولم يعد بين التيار القومي العربي والتيار اليساري العروبي أية خلافات جوهرية تتعلق بالمستقبل، ولكنها، إن وجدت، تتعلق بالإرث التاريخي للتيارين وأحداث التصادم بينهما في الماضي، وهي عقد وترسبات لا يمكن شطبها مهما بُذل من جهد حولها، وكل ما يمكن عمله هو الاستفادة من عبرة تلك الخلافات للمستقبل.كما ينطبق نفس الأمر علي التيار الليبرالي الوطني العروبي، بغض النظر عن حجم هذا التيار في العراق أو في غيره، طالما اشترك مع التيارات الثلاثة الأخري في رؤية مشتركة للمستقبل.وقد عزّز هذا الإدراك أيضاً، مبادرات حثيثة قامت بها قوي ورموز قومية وإسلامية مستنيرة رفضت الصدام المفتعل بين العروبة والإسلام، مشددة علي أن الإسلام هو مكوّن رئيسي للمحتوي الحضاري والروحي للحركة القومية العربية، بما يجعل للإسلام موقعاً مميزاً لدي كل عربي، حتي لو كان غير مسلم، باعتباره يري في الإسلام حضارة له وثقافة وتاريخاً يعتز بهما، ومشددة كذلك علي أن لغة القرآن الكريم، وهوية الرسول العربي، وأغلبية رواد الدعوة الأوائل، تجعل للعروبة، كما للعربية، مكانة خاصة لدي كل مسلم، حتي لو كان غير عربي، ولا سيما أن معارك العرب ضد الغزاة هي معارك المسلمين كلهم، وأنهم بدفاعهم عن المقدسات إنما يدافعون عن مقدسات الأمة كلها، بالإضافة إلي مشاركة كل العرب وكل المسلمين في صياغة النسيج الحضاري للأمة.وقد ارتبط هذا الاهتمام بقراءة مستقبلية للواقع العربي تمثل بـ مشروع استشراف مستقبل الوطن العربي الذي قام به مركز دراسات الوحدة العربية في أواسط الثمانينيات، ونشر تقريره العام في أواخر عام 1988 في كتاب صادر عن المركز بعنوان: مستقبل الأمة العربية: التحديات… والخيارات، حيث دعا المشروع في مشهد (سيناريو) الوحدة الاتحادية الذي اقترحه، إلي قيام حركة قومية جديدة تتفادي الأخطاء والرواسب التي علقت في أذهان الكثيرين، بحق أو بغير حق، حول الحركات القومية التي وصلت إلي السلطة في عدد من الأقطار العربية خلال العقود الخمسة السابقة. لذلك فإن الحركة القومية الجديدة لا بد أن تكون ديمقراطية في منطلقاتها الأيديولوجية وفي ممارساتها العملية قبل الوصول إلي السلطة، وبالقطع أثناء توليها السلطة. كما لا بد لها من أن تجد صيغة أكثر ملاءمة وتعاطفاً ووضوحاً مع المحتوي الحضاري للدين، وبخاصة الإسلام، كقوة حضارية أصيلة متعمقة في الوجدان الشعبي العربي، وأن تتبني المشروع الحضاري القومي العربي الذي دعا المشروع إلي إعداده، بمطالبه الستة المتمثلة في:ـ الوحدة العربية، في مواجهة التجزئة بكل صورها القطرية والطائفية والقبلية.ـ الديمقراطية، في مواجهة الاستبداد بكل صوره وأشكاله.ـ التنمية المستقبلية، في مواجهة التخلف أو النمو المشوّه والتابع.ـ العدالة الاجتماعية، في مواجهة الظلم والاستغلال بكل صوره ومستوياته.ـ الاستقلال الوطني والقومي، في مواجهة الهيمنة الأجنبية الإقليمية والدولية.ـ التجدد الحضاري، في مواجهة التجمد الذاتي من الداخل والمسخ الثقافي من الخارج.كما أكد المشروع علي أن تكوّن هذه المطالب الستة في ما بينها مشروعاً قومياً، مترابطاً وعضوياً، ومتسقاً منطقياً، وملهماً جماهيرياً، وهو لا يصلح أساساً لإجماع عربي جديد فحسب، ولكن أيضاً كمخرج وحيد من حالة التردّي العربي التي عجزت كل الدول القطرية العربية عن الخروج منها. كما أكد المشروع علي أن تؤخذ مقترحات هذا المشروع الحضاري القومي العربي ككل، ومن دون مقايضات زائفة بين بعض توجهاته علي حساب البعض الآخر.كما بيّن المشروع أنه لا بد من أن يقوم برنامج عمل وتحالفات هذه الحركة القومية الجديدة علي فهم لحقيقة قوي التغيير والتحول الحالية في الوطن العربي، من منطلق الإبداع في التعامل مع الحقيقة، وليس مجرد التسليم بالامتدادات الخطية لها. ومن هنا تأتي ضرورة الحوار الجاد مع فصائل القوي التقدمية العربية الأخري، وبخاصة مع التيار اليساري العروبي، التي حصلت لديها خلال الأربعين سنة الأخيرة تحولات مهمة وأساسية في قناعاتها ومواقفها، وبدرجات مختلفة، من القومية العربية والوحدة العربية. ولم يعد هذا الموضوع مجرد شعار تكتيكي لدي الكثير منها بقدر ما يمثل قناعات أملتها الخبرة التاريخية التي مرت بها. ومما يمكن أن يساعد في بدء نجاح هذا الحوار، هو أن يكون التركيز فيه علي تطلعات وأهداف المستقبل، حيث يتوافر اتفاق كبير حولها، أكثر مما يدور حول تقويم وتفسير أحداث الماضي، حيث هناك اختلافات شديدة حولها. كما أن نجاح هذا الحوار منوط بمدي اقتناع فصائل الحركة التقدمية العربية الأخري هذه بالديمقراطية ومتطلباتها؛ من تعددية سياسية، واحترام الرأي الآخر، وقبول التعايش والصراع السلمي الديمقراطي. ومن دون توفر جو حقيقي من هذه الثقة والاعتراف المتبادل بحقيقة الوجود وحق الاستمرار والتعبير عن الرأي، يصبح الحوار ـ حتي إذا حصل ـ مجرد هدف مرحلي لا يلبث أن تتخلي عنه الجماعات التي تتاح لها فرصة الوصول أو القرب من السلطة.كما لا بد للحركة القومية الجديدة من أن تتفاعل وتتحاور مع القوي الثورية الإسلامية، كقوي اجتماعية، وكحقيقة موجودة، شرط أن يكون إطارها المرجعي عربياً، وأن تكون ديمقراطية، بما تتضمنه من إقرار للتعددية السياسية والاجتماعية، واحترام هذه التعددية، والتهيؤ للتعايش معها، حتي يمكنها أن تلعب دوراً إيجابياً في هذا المشهد، أي أن تتوجه بصوتها أصلاً إلي كل الوطن العربي، حتي إذا كان في مخططها البعيد أن تتجاوز هذا الإطار إلي ما هو أوسع، ذلك أن حركة إسلامية ثورية معادية للعروبة أو ذات توجهات خارج هذا الإطار، من شأنها أن تثير من الفرقة والانقسام الديني والطائفي والعرقي الشيء الكثير، حتي داخل مجتمع الدولة القطرية نفسه، ناهيك عن المخاوف والهواجس التي يمكن أن تنشأ في الأقطار المجاورة. وهذا يستبعد من الحوار بالضرورة الحركات الإسلامية المذهبية، وكذلك الحركات الدينية السرية التي تلجأ إلي العنف الإرهابي كوسيلة للوصول إلي السلطة، والحركات الدينية الفاشية في تنظيمها الداخلي أو في منطلقاتها في التعامل مع المجتمع ومع القوي السياسية الأخري. الحوار القومي ـ الدينيولقد اكتسبت ندوة الحوار القومي ـ الديني ، التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية عام 1989 التي عقدت في القاهرة، أهمية مضاعفة لا لمجرد كونها جمعت قوميين وإسلاميين في إطار تحاوري مثمر، ولا لأنها أتت بعد الحرب العراقية ـ الإيرانية التي حاول الكثيرون تصويرها، عن جهل أو عن قصد، بأنها حرب بين العروبة والإسلام فقط، بل أيضاً لأن رموز كل تيار قاموا خلال الندوة بعملية نقد ذاتي للممارسات الخاطئة التي ارتكبها تيارهم ضد التيار الآخر، مما عزز الثقة بينهم وفتح الباب واسعاً أمام الرغبة المشتركة في الاستمرار في الحوار وترجمته في مؤسسات عمل مشترك أخذت تتشكل علي المستويين القومي وداخل كل قطر.ولقد أتت توجهات المؤتمر القومي العربي الأول الذي انعقد في تونس عام 1990، لتستكمل هذا المنحي الحواري السليم عبر الدعوة إلي تأسيس مؤتمر قومي عربي ـ إسلامي، فجري بمبادرة من المؤتمر تشكيل لجنة تحضيرية مشتركة من التيارين نجحت بعد ثلاث سنوات في عقد أول مؤتمر قومي ـ إسلامي في بيروت في خريف عام 1994، ليتحول إلي مؤسسة دائمة للتحاور والتشاور والتفاعل والتلاقي حول برنامج سياسي وفكري محدد أقره المؤتمر، وكان أهم ما تضمنه هذا البرنامج ما يلي:1ـ رفض التسويات المطروحة لإنهاء الصراع العربي ـ الصهيوني.2 ـ دعم الانتفاضة المجاهدة في فلسطين والمقاومة الباسلة في لبنان.3 ـ رفض التطبيع مع العدو الصهيوني.4 ـ رفض الوجود الأجنبي وأشكال الهيمنة الأجنبية كافة.5 ـ متابعة النضال والجهاد والكفاح لتحقيق هدف الوحدة العربية، والعمل لإيجاد الحقائق الوحدوية علي أرض الواقع في وطننا العربي الكبير، بما ينعكس علي الحياة اليومية لأبناء أمتنا إقامة وتنقلاً وعملاً في نطاق التعبير عن مبدأ المواطنة العربية .6 ـ الدعوة إلي مصالحة عربية شاملة تبدأ بمصالحة بين الحكومات العربية وشعوبها، والانتقال مباشرة إلي تفعيل وإحياء مؤسسات العمل العربي المشترك.7 ـ المطالبة بالرفع الفوري للحصار (الذي كان مفروضاً حينذاك) علي العراق بشكل كامل وكلي.8 ـ التمسك بالوحدة الوطنية.9 ـ التأكيد علي حق كل القوي السياسية في مباشرة العمل العام في ظل الشرعية الدستورية، والمشروعية القانونية.10 ـ إدانة كل انتهاك للحريات وحقوق الإنسان.11 ـ طرح قضية المدنيين المحتجزين والمعتقلين الإداريين في السجون الإسرائيلية علي الرأي العام العالمي.12 ـ التأكيد علي خطورة سياسة الخصخصة، وكذا خطورة إنهاء دور الدولة في تأمين التنمية الداخلية، والخضوع لسياسة المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية.13 ـ العمل علي توثيق العلاقات بين الأمة العربية وشعوب الدائرة الحضارية العربية والإسلامية.وبالإضافة إلي الاتفاق علي البرنامج السياسي الموحّد، عمل التياران علي استحداث مؤسسات العمل المشترك بينهما، وكان من أبرزها مؤسسة القدس التي ولدت إثر مؤتمر للقدس الذي انعقد في بيروت بعد عام ونيف علي انطلاقة الانتفاضة الفلسطينية، وهي المؤسسة التي ضمت إلي المشاركين العرب من التيارين مشاركين من دول إسلامية غير عربية أيضاً.ولقد ساهمت أمور ثلاثة في تعزيز هذا التوجّه: أولها، الاتفاق بين التيارين علي تبني المشروع الحضاري النهضوي العربي بعناصره الستة (الوحدة، الديمقراطية، الاستقلال الوطني القومي، العدالة الاجتماعية، التنمية المستقلة، التجدد الحضاري) واعتبار الالتزام بهذا المشروع شرطاً لعضوية المؤتمر.أما الأمر الثاني، فكان تنامي الهجمة الأمريكية ـ الصهيونية ضد الأمة بكل تياراتها، وخصوصاً في فلسطين والعراق، مروراً بالحرب علي أفغانستان، والتهديدات المتواصلة لسوريا ولبنان وإيران والعديد من الأقطار العربية والإسلامية، مما وفّر قاعدة عمل مشترك للتيارين تمثلت في هيئات التضامن مع الانتفاضة، ورفض الحصار والعدوان ضد العراق، وصون المقاومة في لبنان، ومقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني، ومقاطعة كل داعمي الكيان الصهيوني من دول ومؤسسات وأفراد.والأمر الثالث أنه علي الرغم من أن التلاقي بين التيارين لم ينعكس دائماً، وفي كل الساحات، تعاوناً في الانتخابات التشريعية أو المحلية أو النقابية، لكن النتائج كانت تشير بوضوح إلي أنه حيث كان يتم مثل هذا الاتفاق كانت النتيجة تأتي كاسحة لمصلحة التيارين.التيار اليساري العروبيوأما بالنسبة للتيار اليساري العروبي، فقد جرت أكثر من محاولة لتنظيم حوار قومي ـ يساري، وتبين أنه لا توجد خلافات فكرية أساسية بين التيارين، بعد أن تبني التيار القومي قضية العدالة الاجتماعية والديمقراطية، وبعد أن تبني معظم التيار اليساري، فكرياً علي الأقل، قضية العروبة والوحدة العربية والديمقراطية، وأن الخلافات التي لا تزال قائمة بينهما تتعلق بالماضي أكثر مما تتعلق بالحاضر والمستقبل وكذلك بالنسبة للنظر والمواقف من بعض التيارات الأخري خارج هذين التيارين. وتم الاتفاق بين بعض قيادات هذين التيارين علي أن يتم الحوار الفكري بينهما من خلال الإعداد ومناقشة وصياغة المشروع الحضاري النهضوي العربي وهو ما يتم فعلياً.أما بالنسبة للتيار الليبرالي الوطني العربي، فقد حدثت تحولات في قطاع واسع من هذا التيار في اتجاه الاهتمام بقضية العدالة الاجتماعية وكذلك بموضوع التجدد الحضاري بدلاً من الاغتراب والاستلاب الثقافي والحضاري، وهو ما يجعل الحوار والتفاعل واللقاء مع تلك الأطراف من هذا التيار أمراً ممكناً.لماذا الكتلة التاريخيةإن قيام الكتلة التاريخية بين التيارات الرئيسية في الأمة: التيار القومي العربي، والتيار الإسلامي العروبي، والتيار اليساري العروبي، والتيار الليبرالي الوطني العروبي، والتي توصّل مشروع استشراف مستقبل الوطن العربي إلي إدراك أهميتها، لم يعد في اللحظة الراهنة أحد الخيارات المتاحة أمام الأمة فقط، بل بات خيارها الوحيد لمواجهة الهجمة التي تستهدف وجودها وهويتها واستقلالها ومواردها في آن معاً.فمسيرة التلاقي بين هذه التيارات ينبغي أن تستمر في كل اتجاه، وفي كل ساحة، وعلي كل مستوي، وفي كل إطار عمل، وفي كل انتخابات نيابية أو بلدية أو نقابية، لا كمجرد تعبير عن الإحساس المشترك بالمخاطر التي تواجه الأمة، بل أيضاً كتعبير عن مستوي النضج الذي وصلت إليه قيادات الأمة، ومفكروها، ومناضلوها بعد مسلسل التجارب المريرة التي مرت بالأمة، والتي كان الانقسام والتناحر بين قوي الأمة وتياراتها، بل داخل هذه القوي والتيارات نفسها، هما العنوانين البارزين والسببين المباشرين لتلك النكسات.واليوم، وأكثر من أي وقت مضي، فإننا نقترب من تحقيق مهمات التحرير والتغيير والتطوير في الأمة بقدر ما نتقدم علي طريق توحيد تيارات الأمة وطاقاتها.إن الطريق إلي تعميق التحالف بين هذه التيارات، وهذا ما تستدعيه كثيراً اللحظة الراهنة، يستدعي التذكير بالمهام المرحلية التي أقرها المؤتمر القومي ـ الإسلامي الأول وقطع شوطاً في تنفيذ بعضها، وتعثر تنفيذ البعض الآخر، وهي مهام يمكن الاستفادة منها والعمل من أجلها في إطار التيارات الأربعة:فعلي صعيد التفاعل الفكري:1 ـ السعي إلي تنظيم سلسلة من الندوات والحوارات علي المستوي القومي بين هذه الأطراف حول القضايا الفكرية التي تهمهما، وفي مقدمتها صياغة المشروع النهضوي العربي بجميع أبعاده الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والإعلامية، بما في ذلك مواضيع العلمانية و تطبيق الشريعة ، ويعد مركز دراسات الوحدة العربية ندوة فكرية لمواصلة الحوار الفكري بين هذه التيارات خلال خريف عام 2007، في مصر أو لبنان.2 ـ السعي إلي تنظيم حوارات علي المستوي القطري بين هذه التيارات الأربعة للخروج بتصورات مشتركة منبثقة من حاجات المواجهة للتحديات المطروحة في كل قطر.3 ـ بذل كل الجهود للارتقاء بمستوي الخطاب، خاصة في أجهزة الإعلام، بما يساعد علي دفع الحوار وإثرائه، وتركيزه علي القضايا والمصالح الأساسية للأمة مع العمل علي فتح المنابر الإعلامية المتوافرة للأطراف المختلفة وحتي توحيدها، جزئياً أو كلياً، من أجل الإسهام في مزيد من التفاعل الفكري بينها.كما يمكن الاستفادة من توصيات ذلك المؤتمر علي صعيد العمل السياسي.وعلي الرغم من أن تطورات هامة حصلت علي مدي العقد الفاصل بيننا اليوم وبين إقرار تلك المهام، ولا سيما في ظل الاحتلال الأمريكي للعراق وما يتطلبه من رفع وتيرة المقاومة، بكل أشكالها ومستوياتها، ضده، بما في ذلك رفض التعامل مع الاحتلال وكل إفرازاته ونتائجه وتداعياته، وإنجاز مصالحة تاريخية داخل المجتمع العراقي، وتكريس الديمقراطية والتعددية كمرجعية للعلاقات بين العراقيين، إلا أن هذه المهام الفكرية والسياسية ما زالت صالحة حتي الآن لتشكل برنامج العمل الفاعل لتطوير العلاقة بين هذه التيارات وتطويرها، ونقلها من القوي القيادية والنخبوية إلي مستوي القواعد الشعبية والشبابية بشكل خاص.ہ ہ ہلا شك في أن الحد من حجم الخسائر التي نجمت عن إطلاق المشروع الأمريكي علي المنطقة العربية وجوارها الإسلامي، لن يكون ممكناً إلا بالارتقاء بأساليب الممانعة والرفض بين أطراف الأمة كافةً، وتركيزها في برنامج عملي مشترك. لكن هذا لا ينفي الحاجة إلي حوار عميق بين تيارات الأمة، وصولاً إلي استيلاد كتلة تاريخية، هو مما تفرضه أوضاعنا الذاتية. فإذا ما تبصرنا في تاريخنا الحديث في القرن الماضي علي الأقل، فإننا نلحظ أنه تاريخ تعاقُب نخب علي السلطة السياسية أو علي السلطة المعنوية المتعلقة بسلطة الإنتاج الفكري والثقافي للأفكار الكبري. ولقد استهلكنا في هذا التاريخ أربعة أنواع من النخب: نخبة ليبرالية خاصة في مرحلة ما بين الحربين، ونخبة قومية بدءاً من مطالع الخمسينيات، ثم نخبة يسارية ماركسية بعد هزيمة حزيران/ يونيو 1967، ثم نخبة إسلامية أخذت زخماً واندفاعةً كبري بعد قيام الثورة الإيرانية.في كل حقبة من هذه الحقب، هيمنت فكرة محورية أو أساسية بالمعني الغرامشي لمفهوم الهيمنة (Hegemony). وكان لها الغلبة بوسائط السياسة أو بوسائط الفكر. في الحقبة الليبرالية كانت قضية الديمقراطية أو المشاركة أو المؤسسات أو الدستور أو الحزبية أو التعددية أو غيرها هي الفكرة المهيمنة، ولم تكن النخبة الليبرالية يومئذ معنيةً بمسائل الوحدة العربية أو العدالة الاجتماعية، وأعقبت ذلك لحظة ثانية هيمن فيها الخطاب القومي الذي سيدخل مفهوم الوحدة العربية في المجال التداولي، وأحياناً مقترناً ـ كما في التعبير الناصري ـ بمفهوم التنمية الوطنية المستقلة وما في جواره، كالتحرر الوطني والاستقلال القومي.. وغيرهما. استبعدت في هذه المرحلة شعارات نهضوية كبري دشنت منذ زمن الإصلاحيين الاجتهاديين، كان من أهمها قضية الديمقراطية، التي برر تغييبها بفساد الأحزاب في المرحلة الليبرالية وتشتيتها للأمة، وضرورة رص الصفوف في مواجهة العدو الصهيوني والاستعمار. ثم تكرر ذلك مع صعود اليسار بعد هزيمة حزيران/يونيو 1967، حيث أنتج قراءة عدمية لكل التراث الذي سبقه، منطلقاً من فرضية قوامها بأن المفتاح السحري للتاريخ لحل قضايا الأمة يكون بالاشتراكية، ثم جاء التيار الإسلامي فغلّب صون الهوية الحضارية للأمة في وجه المسخ والتبديد.في كل مرحلة من هذه المراحل الأربع، كان كل تيار يحسب نفسه صاحب فكرة صحيحة ووحيدة، وكان ثمن هذه الرؤية هو إقصاء الآخرين، وترجمة ذلك سياسياً بالاحتراب ما بين هذه التيارات. أعتقد في ضوء المراجعات الكبري، والتي كان لمركز دراسات الوحدة العربية دور كبير فيها، أن الحاجة قد باتت ماسة لإعادة النظر بهذا التاريخ الثقافي-السياسي العصبوي، المنغلق والمتنابذ. لا يمكن القول إن كل نخبة من هذه النخب كانت علي خطأ، لكنها علي صواب فقط في ما إذا اجتمعت وليس إذا ما تفرقت. وهكذا لم نحقق الديمقراطية ولا التنمية ولا الوحدة القومية ولا العدالة الاجتماعية، ولم نصن شخصية الأمة من التبديد والمسخ الثقافي. مع ذلك، لا نستطيع حذف أية مرحلة من تلك المراحل، لكن ما نحتاج إليه هو خطاب تاريخي تركيبي يعيد تأليف اللحظات الفكرية التي عبرت عنها في خطابٍ واحد، تجمع عليه كل قوي الأمة. هذا الخطاب التاريخي هو ما نسميه بالخطاب النهضوي الجديد، الذي تتجاور فيه الديمقراطية والتنمية والوحدة والاستقلال الوطني والقومي والتجدد الحضاري والعدالة الاجتماعية، وغير ذلك، ولا تتنابذ.ملاحظة:أرجو أن يكون واضحاً أن معد هذه الورقة لا يهدف إلي أن يكون عضواً في التحالف المقترح في العراق، ولا يستطيع أن يكون كذلك. فمنذ مجيئه إلي بيروت مكرهاً في صيف عام 1974، وبعد رياضة نفسية للفترة التي مرّت منذ عام 1960 حتي عام 1974، اتخذ قراراً بالتفرغ للعمل الفكري والابتعاد عن السلطة في العراق، وأنه لا يزال مقتنعاً بصواب ذلك القرار وملتزما به. وإضافة إلي ذلك، فإن النظام الأساسي والداخلي لمركز دراسات الوحدة العربية وبيان تأسيسه يؤكد علي أن المركز ليس حزباً ولا يهدف لأن يكون حزباً وأنه ممنوع علي جميع العاملين فيه العمل الحزبي حرصاً علي استقلالية المركز، وأن مصير هذا الاقتراح متروك للعراقيين الوطنيين المستقلين حالياً.ہ تمت الاستفادة في إعداد هذه المقالة من ورقة العمل التي سبق أن قدمتها إلي الحلقة النقاشية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية حول الحاجة إلي كتلة تاريخية للأمة العربية وبعض المناقشات التي دارت فيها، والتي نشرت في المستقبل العربي ، العدد 300، شباط (فبراير) 2004، ص ص 91 ـ 127. الآراء الواردة في هذه المقالة تمثل وجهة نظر الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر مركز دراسات الوحدة العربية. وستنشر هذه الدراسة في عدد شباط (فبراير) 2007 من المستقبل العربي .ہ ہ مدير مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت7