سياسة انتقامية لن تغير من حقائق الواقع شيئاً ملموساً
د. بشير موسي نافعسياسة انتقامية لن تغير من حقائق الواقع شيئاً ملموساً أعدم الرئيس العراقي السابق صدام حسين في يوم عيد عند أغلبية المسلمين؛ وأعدم وأغلبية العرب والمسلمين يأملون أن يسود العقل وأن تطوي صفحة النظام السابق بدون ثارات وأحقاد؛ وأعدم بعد محاكمة شابتها أسئلة لا أول لها ولا آخر؛ وأعدم أيضاً والإدارة الامريكية تحاول إعادة بناء سياستها في العراق وإنقاذ ما يمكن إنقاذه. وحتي لو لم يكن إعدام صدام حسين محل جدل وانقسام داخل العراق وخارجه، فما كان لأن يطلق لغريزة الانتقام العمياء العنان بإعدام الرجل في يوم عيد الأضحي والمسلمون يرقبون حجيجهم يهبطون من صعيد جبل الرحمة. ولكن غريزة الانتقام هذه المرة تسلحت بنزوع طائفي لا يقل عمي، بحيث لم ير رئيس حكومة الاحتلال الرابعة عيد ذلك الجزء من شعبه الذي لا ينتظم في صفه الطائفي. وفي افتراق صارخ مع منظومة القيم المدعاة للعراق الجديد، قيم العدالة والديمقراطية والحرية، كان قرار الإعدام الحلقة الأخيرة في محاكمة أسس لها الغزو والاحتلال، وأدارتها رؤية طائفية قصيرة النظر، وأريد لها تحقيق أهداف سياسية لا إحقاق الحق.بيد ان قرار الإعدام هو أيضاً، وفي شكل رئيسي، قرار امريكي. ومن زاوية النظر الامريكية، يحمل القرار حزمة من الغايات. ترتبط الأولي بمغزي احتلال العراق. ففي حين توزعت قراءات المشروع الامريكي في العراق بين الدائرة الاستراتيجية والنفطية والنزعة التبشيرية الامريكية لنشر قيم الحرية الليبرالية والديمقراطية، فإن واحداً من أهم الدوافع خلف المشروع قلما يشار إليه. هذا الدافع تجسده الرواية التالية. بعد أسابيع قليلة من أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) استضاف نائب الرئيس الامريكي ديك تشيني المؤرخ اليهودي الامريكي، البريطاني الأصل، برنارد لويس، ليوم كامل في عطلة نهاية الإسبوع. كان لويس قد طور خطاباً معادياً لتاريخ العرب والمسلمين منذ ما بعد حرب حزيران (يونيو) 1967، بعد أكثر من عقدين من العمل الأكاديمي البارز في بريطانيا. في حديثه مع تشيني، أعاد لويس التوكيد علي مقولته التي كان قد نشرها في كتاب صغير له من قبل. قال لويس ان العرب، الكتلة المركزية من حاملي الميراث الإسلامي، لم يعترفوا بهزيمة الإسلام النهائية في مواجهته الطويلة مع الغرب. وفي حين أدت الهزائم التي أوقعها الغرب الليبرالي بأمم مثل اليابان وألمانيا إلي ان تعيد هذه الأمم بناء ذاتها علي أساس الانضواء في العالم الجديد، العالم الذي تقوده الكتلة الأطلسية، فإن العرب ما تزال تحركهم أمجاد الماضي. ويتلخص علاج لويس لهذه الإشكالية، التي يري أنها في أصل التوتر الذي يثيره المسلمون داخل النظام العالمي، في إيقاع هزيمة قصوي بالعرب، هزيمة يستحيل عليهم تجاهلها أو نسيانها لأجيال قادمة. غزو العراق واحتلاله كان أحد تجليات هذه الرؤية. وما شهده العراق المحتل خلال السنوات القليلة الماضية ليس فقط شيطنة صدام حسين، بل وإدانة العرب كأمة وإدانة الفكرة القومية العربية وميراثها. وإعدام صدام حسين هو في أحد وجوهه أخذ هذه الإدانة إلي أقصاها.ويحمل إعدام صدام حسين رسالة من نوع آخر، رسالة إلي دول الجوار العراقي، والعربية منها علي وجه الخصوص. طبقاً للمواثيق الدولية، يعتبر الرئيس العراقي السابق وأركان حكومته جميعاً أسري حرب، لم يكن للولايات المتحدة الحق في محاكمة أو معاقبة أي منهم في أي صورة من الصور. تماماً كما ان القانون الدولي لا يمنح القوة المحتلة إجراء أي تغيير في بنية البلد المحتل. ولكن غزو العراق واحتلاله، الذي تم أصلاً بدون غطاء قانوني دولي، مضي ليطيح بكل الشرائع المتعلقة بتنظيم العلاقة بين قوة الاحتلال والشعب والبلاد المحتلة. ما يريد الامريكيون إيصاله إلي دول المنطقة، وإلي حكامها في وجه خاص، الخصم منهم والعدو، ان المصير الذي لاقاه الرئيس العراقي السابق قد يصبح مصيرهم هم أيضاً. الطريق الوحيد لتجنب مثل هذا المصير هو الوفاء المطلق والنهائي للسياسة الامريكية. في وقت من الأوقات التقت مصالح عراق صدام حسين بالمصالح الامريكية، ولكن هذه العلاقة التحالفية القصيرة لم تحمه من قرار الإعدام بعد ان اصطدمت طموحاته بحدود المصالح الامريكية. بيد ان الرسالة الأهم التي يحملها إعدام الرئيس العراقي السابق تتعلق بالمراجعة الامريكية الاستراتيجية للوضع العراقي. بدأت هذه المراجعة كما هو معروف منذ شهور، وقد تسارعت وتيرتها بعد تطورات امريكية داخلية في تماس مع المسألة العراقية. ليس ثمة طريقة للتيقن من الملامح الأساسية للسياسة الامريكية الجديدة، إلا بعد ان يعلنها صاحب القرار، أي الرئيس الامريكي نفسه. وربما لن يأتي الإعلان شاملاً وتفصيلياً علي أية حال. أغلب ما طرح خلال الأسابيع الأخيرة، بما في ذلك تقرير بيكر – هاملتون، هو محاولات للتأثير في المراجعة الجارية وقد لا يكون بالضرورة جزءاً من السياسة الجديدة. ولكن من الممكن ربما تلمس التوجه العام لهذه السياسة من خلال رؤية التوجهات الامريكية الأخيرة في عدد من المناطق الساخنة.بخلاف الاعتقاد الذي ساد المنطقة العربية بعد إعلان تقرير بيكر ـ هاملتون، واستقالة رامسفيلد وبولتون، فإن الواضح حتي الآن ان السياسة الامريكية لا تتحرك نحو الاعتدال والعقلنة والتفاوض مع الخصوم. ثمة محاولة جديدة لإطاحة الحكومة الفلسطينية التي تقودها حماس، إفشال لجهود عمرو موسي للتوصل إلي حل عربي للأزمة اللبنانية، هجوم كاسح تقوده إثيوبيا بتشجيع امريكي يؤدي إلي إخراج اتحاد المحاكم الإسلامية من العاصمة الصومالية مقديشو، ثم الإعدام الفج والمثير للاستفزاز والانقسام للرئيس العراقي السابق. ما يحدث هو في الحقيقة تصعيد امريكي عسكري جديد في عدة مواقع وعلي عدد من الجبهات. ولم يعد من المستبعد، في ظل هذه التطورات، ان تحمل المراجعة الاستراتيجية للوضع في العراق دفعاً امريكياً في اتجاهين علي الأقل: قوي ومناطق المقاومة العراقية، من ناحية، وما يعرف بجيش المهدي، من ناحية أخري. عندما يكون هناك تباين بين ما هو واقع وما هو أيديولوجي فإن هذه الإدارة تقدم الأيديولوجي علي كل شيء آخر. وما قد تشهده الشهور القليلة القادمة محاولة هجوم امريكي واسع النطاق في الشرق الأوسط، ابتداء من العراق، للخروج من مناخ الإخفاق الذي أحاط بالسياسة الامريكية في المنطقة خلال العام المنصرم.هذا الهجوم الإنقاذي للسياسة الامريكية، وليس إعدام الرئيس العراقي السابق، هو العامل الهام الذي ينبغي ترقب أثره علي الأوضاع في العراق والمنطقة. إعدام صدام حسين لن يحبط وضع المقاومة المعنوي، وكل تصور مخالف ليس أكثر من وهم يعيد التوكيد علي جهل الامريكيين وحلفائهم بما هو العراق. ما يحرك العراقيين (وغير العراقيين) الذين يقاومون الاحتلال وشركائه ليس الولاء لصدام حسين (بالرغم من وجود هذا الولاء لدي مجموعات منهم)، ولكن الولاء للعراق ولتقاليد مقاومة الغزاة المغروسة في إيمان شعوب هذه المنطقة وفي بنيتها التاريخية. وإعدام صدام حسين لن ينقذ القوة السياسية العراقية المتحالفة مع الاحتلال من الهوة التي هبطت إليها، بعد ان انتهي كل أمر تعهدته إلي الكارثة، وكأنها مسكونة بلعنة لا فكاك منها: الغزو الأجنبي الذي شاركت فيه وبررته ضد وطنها تحول إلي مجزرة يومية، الديمقراطية والحريات أصبحت طائفية مقيتة، ووعود الازدهار تكشفت عن أكبر حالة نهب للثروة الوطنية عرفها أي بلد في العصر الحديث. وإن كان لحادثة إعدام صدام حسين أن تؤشر إلي أمر محدد، فقد أشرت إلي ان المجموعة الحاكمة في المنطقة الخضراء لا تصلح ولن تستطيع مطلقاً حكم العراق. إضافة إلي ذلك كله، لن يغير إعدام صدام حسين من التوتر الطائفي في العراق والمنطقة (بل ربما يزيده تفاقماً)، ولا من التمحورات السياسية التي تعصف بالمنطقة العربية.ما سيغيره إعدام صدام حسين ربما هو رؤية العرب، حكاماً ومثقفين وأهل رأي، للعراق، وإدراكهم لما يعنيه العراق ليس لتاريخهم فقط ولكن أيضاً لواقعهم ومستقبلهم. عندما بدأت التحضيرات الأنكلو ـ أمريكية لغزو العراق واحتلاله، كان هناك ثمة استهتار أو تجاهل أو ربما فقدان ذاكرة أحاط بالموقف العربي من المسألة العراقية. يقع العراق علي الطرف الشرقي الأقصي للمجال العربي، ولكنه كان الحاضنة التاريخية، ومنذ بداية التاريخ العربي ـ الإسلامي، لعناصر الهوية والذاكرة والوعي الجمعي لما هو عربي وإسلامي. ويمثل العراق علي نحو كبير، وبعد أربعة عشر قرنا من المسيرة العربية ـ الإسلامية، صورة مصغرة للاجتماع العربي ـ الإسلامي كله. هنا يحضر عدد كبير من المجموعات الإثنية المشرقية، وهنا تحضر كل الطوائف والمذاهب تقريباً. يرمز حفاظ العراق علي وحدته إلي قدرة شعوب المجال العربي ـ الإسلامي الحفاظ علي وحدتهم، وإن سكت العرب والمسلمون عن تمزق العراق وتفتيت وحدته، فالأغلب ان تطالهم قوي التمزق والتفتيت عاجلاً أو آجلاً. وربما بدأ العرب الآن بالفعل، وبعد هذا القدر الكبير من الموت والدمار، يدركون خطر ما يحدث في العراق علي مستقبلهم ككل. لقد مضي صدام حسين إلي ملاقاة وجه ربه، مضي في لحظة دراماتيكية بالغة، أججت عواطف العرب والمسلمين داخل العراق وخارجه. وككل الشخصيات الكبري، مضي، تصاحبه موجتان متناقضتان من التنزيه والشيطنة. ولكن صدام لم يكن لا هذا ولا ذاك؛ لم يكن منزهاً، لأنه ككل الزعامات العربية التي برزت في الفترة بين 1952 و1970، الزعامات التي حملت طموحات الوحدة والتنمية والاستقلال، ارتكب أخطاء عدة ووظف قدراً هائلاً من القوة للحفاظ علي الحكم وتحقيق الأهداف. ولكنه لم يكن شيطاناً بأي حال من الأحوال، والذين يشيطنونه اليوم يحاولون محاولة هزيلة تغطية العار الذي يجللهم والكارثة التي جلبوها علي العراق. حافظ صدام حسين، ما استطاع، علي وحدة العراق والعراقيين، حافظ علي استقلال العراق، وحاول ان يعيد للعراق دوره الذي يستحقه في الإقليم والعالم. وسواء استعاد العراق عافيته في المستقبل القريب أو تعاظمت المأساة التي تحيط به، فإن إعدام صدام حسين سيبقي رمزاً لواحدة من لحظات التحول الرئيسية في تاريخ المنطقة والعالم، لحظة تجلت ملامحها بعد أسابيع قليلة فقط من احتلال العراق. ہ كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث9