قراءة في كتاب حازم صاغية هذه ليست سيرة

حجم الخط
0

قراءة في كتاب حازم صاغية هذه ليست سيرة

نساء القرية انقسمن حول وسامة جمال عبد الناصر وكميل شمعون والجدة حسمت الامر لصالح ابو خالدعن الطائفية والحرب الاهلية.. والتردد بين العروبة والقومية السورية.. والخمينية واخيرا الارتداد علي الثوريةقراءة في كتاب حازم صاغية هذه ليست سيرة عرض: سمير ناصيف يضعنا حازم صاغية في كتابه الاخير هذه ليست سيرة ، الصادر عن دار الساقي في لندن، في الاجواء الصعبة التي يواجهها المثقف اللبناني والعربي في سعيه للالتزام السياسي والانساني في مجتمع يرتكز علي الطائفية والاقطاعية ووراثة الادوار ولا يعرف الي أين يتجه.ويضع الكاتب كل ذلك في قالب ساخر، مرورا بطفولته حيث تأثر بجدته وتعاليمها وتربيتها، ثم في مراحل انتقاله من منظمة ثورية الي اخري، وبينها الناصرية والقومية السورية والشيوعية في لبنان، واخيرا في عمله في الصحافة في جريدة السفير اللبنانية قبل انتقاله الي موقعه الحالي في جريدة الحياة في لندن حيث تبدلت توجهاته بشكل كبير وصار ينبذ الفكر الثوري الايديولوجي.وخلال هذه المراحل يقدم صاغية وصفا انسانيا مؤثرا للحرب الاهلية اللبنانية التي عاشها بشكل وثيق خلال عمله في السفير ، واحس بالمآسي الانسانية التي احدثتها.الكتاب، ليس كبيرا في حجمه ويروي حياة صاغية منذ طفولته وحتي بلوغه الاربعين، أي مباشرة قبل انتقاله الي لندن حيث اختارها مكانا لسكنه في السنوات الـ15 الاخيرة. وفي تلك المرحلة الاولي من حياته عاش صاغية في قرية في منطقة عكار الواقعة في طرف لبنان الشمالي في كنف عائلة مسيحية تقدمية قدمت احد ابرز افرادها خالد صاغية شهيدا حيث قضي برصاص الاقطاعيين المسيطرين علي تلك المناطق وازلامهم.ومن اكثر فصول الكتاب طرافة الفصل الذي يتحدث فيه الكاتب عن فترة وجد نفسه فيها في موقع قيادي في عائلته لم يكن جاهزا لاحتلاله، بحيث كان عليه ان يلتقي وجهاء القرية والمنطقة والرد علي اسئلتهم بالطريقة التقليدية المعهودة، والقيام بالزيارات للزعماء الآخرين المؤيدين للموقف الوطني للشهيدالراحل (الذي كان خال حازم) واتخاذ موقف صارم من اجل التحقيق الفاعل في الجريمة، فيما كان هو يعيش في عالم آخر متأثر الي درجة كبيرة بالايديولوجيات الماركسية الغربية والقومية العربية التقدمية بحيث يدور النقاش في دماغه حول الصراع الطبقي وحل الجدليات بين اللينينية والتروتسكية، ومحاولة تجاوز واقعه الديني المسيحي في مجتمع اسلامي تقدمي. ويقول في احدي صفحات الفصل الاول من الكتاب: هكذا كانت جدتي من سليلات دون كيخوته. ابطالها ليسوا مثقفي جبل لبنان وساسته العائدين من المنافي الفرنسية والمصرية، يلغطون بأدونيس وعشتروت وطائر الفينيق المنبعث من رماده… فشقيقها الذي كنت ادعوه خالي سليم، هو من أقدم، ذات مرة، علي قلع شجرة ارز صغيرة كانت في حديقة البيت لأن الارز رمز لبنان والموارنة. وبعد سنوات، حولت شقيقتها جمال عبدالناصر روحا ووجها، يقاس بهما الجمال والبشاعة، الصواب والخطأ… وحتي رحيلها، في السبعينات، ظلت تسمي العملة التي تتداول ليرة سورية . (ص 13). ويقول في موقع آخر عن الموضوع نفسه: فهي (جدته) ربما زوّجت المسيح الي (البطلة) الجميلة بوحيرد، المناضلة الجزائرية التي وصفت بالصمود في زنازين الفرنسيين، او ربما طلقت امه مريم عن يوسف وعن الله معا، لتزوجها الي عمرو بن كلثوم. (ص 16). ويتحدث في الفصل الثاني عن تأثير احداث المنطقة والعالم عليه وعلي اصدقائه وعائلته في القرية العكارية التي نشأ فيها، حيث يقول: وما لبثت احداث الكونغو ان صارت شاغلا بيتيا. فأنا وعلي طالب كنا مطمئنين الي الاصدقاء الذين اورثتنا صداقتهم صداقة عبد الناصر لهم. فلم يكن تيتو ونهرو وسوكارنو ونيكروما مدعاة لقلقنا، يكفينا ان تذاع اسماؤهم وهم يزورون منشية البكري في القاهرة، او يزورهم الزعيم المصري في قصورهم، كي نحس ان الكون يسير بموجب الخطة المرسومة (ص 24). ايام احمد سعيدوفي حديثه عن علي طالب، صديقه الذي نشأ معه، يصف وضعا مرّت به مناطق في لبنان وغيره من الدول العربية وشعوبها وشبابها خصوصا حيث يقول: فهو (أي علي) كان يسمّر الترانزيستور الصغير علي احدي اذنيه فيتنقل به هازا رأسه، متأسفا تارة وطورا يغالب الهيجان، وربما فوت القليل من نشرات الاخبار، إلا انه حتما لم يفوت ايا من حلقات البرنامج الذي اداه احمد سعيد ومحمد عروق واعطياه عنوان، اكاذيب تكشفها حقائق … ولإدمانه احمد سعيد، بات علي يردد الاوصاف التي يطلقها كما لو انها مسلمات مجمع عليها. فوزيرة خارجية اسرائيل عجوز شمطاء، والملك الاردني قزم عمان، وتشومبي ذنب الاستعمار وعميله، وهؤلاء كلهم سوف يتعرضون تباعا لحذاء ابي خالد (ص 25).وتبدو النزعة الساخرة في اوضح معالمها عندما يصف صاغية انقسام النساء في قريته حول وسامة عبد الناصر وجاذبية ندّه اللبناني الرئيس كميل شمعون، حيث يقول: وبدا الانقسام علي اعنفه بين النساء، فحسم بعضهن، بقيادة جدتي، بأن عبد الناصر الاجمل بلا قياس، ومالت الاكثرية الي انه شمعون الذي يشبه الانكليز. (ص 27).وفي وصفه لناصرية الجنبلاطيين خلال فترة اواخر الخمسينات، يقول صاغية: فهم كما تبدّوا لي، لا يملكون الذاكرة والصور القومية العربية المزروعة في نخاعنا، ولا تحركهم اسماء خالد بن الوليد وصلاح الدين الايوبي وصحبهما. وقد تراءي لي ان حبّهم جمال عبد الناصر، مشروط ونابع من تحالف كمال جنبلاط معه، إلا انه مما لا ينجرّ عنه اكتراث لاوضاع جنوب اليمن او افتخاره بثورة الجزائر. (ص 36).ويقدم صاغية تحليلا عميقا للفوارق بين الجهات التقدمية والوطنية علي الساحة اللبنانية في الستينات وبعدها، ولكنه يفعل ذلك في قالب ساخر ومتحسر في الوقت عينه. من العروبة للقومية السوريةوفي الفصل الرابع، يتحدث الكاتب عن انتقاله من العروبة الي القومية السورية. ومع انه يصف الزعيم انطون سعادة مؤسس الحزب وقائده بنفس التهكمية التي يصف بها الزعماء الآخرين ويعتبره: شخصية شابلينية (نسبة الي الممثل الامريكي تشارلي شابلن) سما به محازبوه الي مصاف رباني، فهو عندهم مثل داود النبي اذ يكلم الطير والوحش. (ص 50)، فانه لا يتورع عن السخرية من ذاته ومن انتقاله من موقع ايديولوجي الي آخر، وكأن القضية مسألة تسوق في سوق للخضار، حيث يقول: لكن بحثي عن وسط لم يوفره البعث، ولا وفرته الطليعة القومية كان يومذاك طاغيا، جرفتني قوته الي التزحلق شيئا فشيئا الي الدرك القومي. فحين اصطحبني بعض الرفقاء الي امين في الحزب (القومي) مشهود له باتمام العقيدة، بانت المعرفة العقائدية المنسوبة اليه وقد خانته تماما، (فجهله) لم يغير شيئا (اذ) لم تنقض غير اسابيع حتي وجدتني أقسم اليمين لسورية وسعادة. (ص 50).وبعد عام، يقول صاغية، ارسل استقالته الي الحزب فطردته قيادة الحزب لأن الاستقالة ممنوعة منه عملا بتعاقد ابدي بين انطون سعادة والمقبل علي دعوته. (ص 53).وفي وصفه (في الفصل الخامس) للطراز الخاص من الشيوعية الذي انتشر في لبنان في منتصف القرن الماضي، يتحدث صاغية عن شخص اسمه نعمان من ضيعته (قريته) قائلا عنه: فنعمان شيوعي في حالة فولكلورية تقربه من الرفيق سجعان ، كما صنعه المسرحي اللبناني جلال خوري. فهو ظن ان الشيوعيين وحدهم المسيحيون الصادقون، وان روسيا تتبع التعاليم الحقيقية للارثوذكسية (المسيحية) وانها كانت ايضا تتبع التعاليم الحقيقية للاسلام، وكل ما هو صالح وحق علي هذه الارض. (ص 56).ويتحدث صاغية عن اساطير رواها الشيوعيون في القرية اللبنانية التي نشأ فيها، وربما في قري اخري، ومنها ان الزعيم الصيني الراحل ماوتسي تونغ قال مرة لعبد الناصر: خذوا سكاكينكم، انتم العرب، وسيروا بملايينكم باتجاه اسرائيل، ولتقتل منكم ما شاءت، فالانتصار لكم في النهاية. (ص 58).ويتناول الرأي الآخر الذي اشاعه العم ابو مروان من ان الصهيونية حرّكت المتظاهرين في تشيكوسلوفاكيا (في اواخر الستينات) انتقاما من موسكو علي تأييدها العرب. (ص 59).اما بالنسبة للعلاقة مع الفلسطينيين لدي ابناء الشمال اللبناني، في تلك المرحلة، فيقول الكاتب عنها: وظلت الحماسة للمقاومة الفلسطينية الجسر الأقوي الذي يربط بالافكار… وفي منطقتي، في الشمال، بدا القرب من مخيم نهر البارد سببا خفيا في تمتين ربط كهذا. فأخبار المعاناة التي ينزلها رجال الدرك بأهل المخيم، كانت كثيرة التداول في بيتنا، كما شكّلت احد اسباب الادانة لكميل شمعون، ومن بعده فؤاد شهاب. اما في المرحلة التالية، فغدت فلسطين رافعة لما هو تقدمي وما هو ثوري… والسبب الفعلي الذي جذب امثالنا الي الماركسية لم يكن إلا تطلّب الكرامة التي تحضّ علي تحرير فلسطين ومقارعة الغرب الامبريالي بعدما اخفقت العروبيات التقليدية في انجاز المهمة تلك. (ص 60). في لندنواكتمل انتساب صاغية الي اليسار الماركسي بعد رحلته الاولي الي لندن للدراسة. وهناك ايضا، يصف الكاتب تلك الحقبة من حياته وحياة المجتمع الذي زاره بحساسية وكاريكاتورية تضع القارئ في الجو العام وتنتقل بهذا الكتاب ـ السيرة الي الحيّز المسرحي فيشعر وكأن الشخصيات التي يتحدث عنها صاغية ماثلة امامه علي الخشبة وهي تتناقش فيما بينها حول النظريات المختلفة والايديولوجيات اليسارية المتباينة امام اعين المهاجر اللبناني المسيّس المشدوهة، فيقول: لكن اكثر ما فاجأني هناك في بريطانيا، الوجود الكثيف لناشطين وناشطات يهود في المناسبات التي تخصّ القضية الفلسطينية. فما كانت لندن تشهد تظاهرة تنديد باسرائيل وبالرجعية العربية إلا كان شبان وشابات من ماتزبن (اليسار اليهودي المناهض لاسرائيل) في عدادها… اننا لم نرد ان تحرر فلسطين لذاتها ولا من اجل ردّها الي الملاكين الزراعيين الحسينيين والنشاشيبيين، ففلسطين كما انتقيناها واوصينا عليها، مدخل الي تحرير منطقة بكاملها. (ص 62).ولكن صاغية، الثوري اللبناني الذي يعشق التظاهرات الصاخبة والتي تتم فيها المواجهات، تضايق من تظاهرات لندن وطبيعتها السلمية المختلفة حيث يقول: فكانت أعلي درجات النضال التظاهرة في شوارع لندن، تسير مؤدبة عموما وتطلق هتافات انكليزية مضجرة وغير موقعة، فيما يحيط بها رجال الشرطة من الجانبين، هادئين مراقبين. حتي الاجتماعات القليلة التي حضرتها اصابني معظمها بالملل، وانتابني برم مما تراءي لي تكرارا للبديهي او نقاشا في ما لا يغني ولا يسمن. (ص 63).ويركز الفصل السادس من الكتاب علي مرحلة اغتيال خاله خالد صاغية برصاصتين اخترقتاه من بعد امتار قليلة، بعدما حرّض احد بكوات المنطقة علي قتله ردا علي صراع اختلطت فيه السياسة بالدم . ويقول صاغية في وقع هذا الحدث عليه: يومذاك اقترب الموت مني للمرة الاولي فاكتسب شكلا وهيئة ملموسين. واذ انهي ذاك الاحساس بالخلود الذي ينتاب اليافع، نشر الموت نفسه احتمالا راهنا. فهو وقد اقتصر من قبل علي بشر بعيدين وعلي اسماء عامة لزعماء وممثلين ومفكرين، توقف عن تطوافه ليستقر في بيتنا. والحال اني لم اكن مهيأ بعد للموت الفعلي رغم اقامة الموت النظري في افكار احملها. (ص 65).وكثيرون مرّوا في مثل هذه المرحلة الوجدانية، ولا بد ان يتفاعلوا مع مشاعره في ذلك الاختبار بيد ان دور صاغية الاجتماعي تبدّل بعد مقتل خاله، اذ اصبحت العائلة تعقد الآمال عليه ليحتل الموقع القيادي النضالي ضد الاقطاعيين الذي كان يحتله الشهيد خالد صاغية، علما انه آنذاك كان يعمل في جريدة السفير التي انتسب اليها، بعد عودته من بريطانيا، وخلال تركيز مقالاته علي الصراع الطبقي في لبنان ونضال مزارعي التبغ وعمال مصانع غندور ، فضلا عن الثورة الفلسطينية وحركة التحرر العربية. ولعل هذا الفصل من الكتاب اجمل ما ورد فيه، أكان في الاسلوب الساخر او في وصف تلك المرحلة من تاريخ لبنان او في تفاعل انسان وجد نفسه في دور اجتماعي لم يكن مستعدا للقيام به، ألا وهو دور الزعيم الاقطاعي. وهنا تختلط الفكاهة بالواقع، وفي مثل هذه المناسبات يجود قلم حازم صاغية اكثر مما يفعل في اي ضرب آخر. ويصف الكاتب الزملاء والاصدقاء في السفير وتحول الجريدة بالنسبة اليه الي اخوية نضالية حيث كان وجود سلاح المقاومة الفلسطينية بالنسبة لهذه الاخوية يمنح الزملاء: القوة الداخلية التي تكتمل يقينا مستحوذا علينا، نحن امراء النظرية الصغار، ومن امكنة قصية، كان ينهمر فيتناميون وكمبوديون وبرتغاليون وانغوليون يطبقون علي الامس البائد ملوحين كنا بموعد تحت راية حمراء. ، ص 66). وعندما اراد الكاتب الانتساب الي تنظيم شيوعي ناشط في لبنان، اقنعه اصدقاؤه في العقيدة بأن فائدته ستكون اكبر اذا تحول الي شخصية وطنية تملأ الفراغ الذي خلفته وفاة خاله في منطقته. وهنا رسم صاغية لوحة مضحكة ومحزنة في الوقت عينه حيث يقول: وحسب التصور الذي رسمه الرفاق، فان العناصر الأذكي والأشد راديكالية التي تلتف حولي، ستجد في زعامتي جسر عبورها الي المنظمة. وكان من شروط الشخصية الوطنية بضعة رشاشات زودتها كي اوزعها علي الشباب ومعها مسدس خاص أعطي اليّ شخصيا. لكني لم اتخيل نفسي اربط المسدس بخصري، فكيف اتخيلني اطلق منه النار علي شخص آخر، انعزاليا كان ام غير انعزالي؟ لم تطل بي الحيرة، فأودعته جرارا آمنا ثم تخلصت منه، في اول فرصة سنحت… وورائي سار مرافق، واحيانا مرافقان، تفصلني عنهما خطوتان، فكنت اتلكأ في السير كي اقصر تلك المسافة، كما يزداد اعوجاجي وانحنائي فلا يعود الجسد يطاوعني فيما اناكف صورة الوجيه الذي هو انا. (ص 68 ـ 69).وهنا يروي صاغية واقعة طريفة جدا سأله فيها احد زوار القرية من مؤيدي الوجيه الجديد عن رأيه في الانكليز. وتردد في الجواب، اذ كان ما زال يفكر انه من الخطأ التحدث عن الانكليز عموما من دون تقسيمهم الطبقي، مما ادي الي احراج والده الجالس في قاعة الاستقبال حيث رمقه بنظرة كأنها تقول له بأن ارساله الي الخارج اضاعه. كما كان الوجيه الجديد يسأل الزوار عن طبيعة اعمالهم لكي يصنفهم في منهجه الطبقي، ولكنه صُدم بأن قلة قليلة هناك هم من الذين يعملون… فكان احدهم يجيبني بأن الله ساترها ويجيب آخر بأن المقهي قريب من منزله يقضي فيه معظم وقته. وهكذا فقد انطوت زعامته علي خلل عظيم وقد فاقم الخلل: انني كنت حين يزورني وفد من قرية ما، اترك كباره واجالس شبانه الذين يقاربونني عمرا، لاقتناص الرفاق من اوساطهم، وهذه نقيصة تكفي لتدمير زعامة عريقة، فكيف بزعامتي التي لم ينبت لها ريش بعد؟ ثم انني خجلت بالتمايز وهم لم يريدوني إلا متمايزا، فأنا لم المس في شخصي القوة التي يتوهمونها فيّ، او يتمنونها لي كي تشعرهم بقوة ليست فيهم. فاذا دخلت بيتا، وسعوا لي صحن الدار فآثرت الجلوس في مكان غير متصدر. (ص 70).وبعد هذا الوصف الوجداني والاجتماعي الحساس لحالة المأزق التي وجد نفسه فيها، ينتقل صاغية الي الصعوبات التي واجهها في لقاءاته مع قادة الحركة الوطنية اللبنانيين وكبار حلفائهم فيقول: رئيس الحكومة الذي زرته كي اطالبه بالحزم في تعقب قاتل خالي، باغتني بسؤاله: هل لديكم اسلحة؟ هل تعطيكم سورية سلاحا؟ وفيما انا متلعثم امام مسؤول يفوقني ربع قرن عمرا، قال: خذوا ما استطعتم من السلاح فالموارنة لا يؤتمن لهم. (ص 70). ويعلق قائلا: تافهة هي المعارك التي يكون فيها شخص كهذا عدوا، واتفه منها المعارك التي يكون فيها حليفا .وعن دوره لدي اندلاع الحرب الاهلية في لبنان يقول صاغية: وما لبثت الحرب اللبنانية واندلعت وغدونا جميعا مشروطين بحجميها، في كبائر الحياة وصغائرها، وكاد يقتصر دوري السياسي علي اطلاق مخطوفين مسيحيين احتجزتهم منظمات فلسطينية في مخيمي البارد والبداوي، وادفع ضريبته مجادلات متحذلقة مع مسؤولي المنظمات تبدأ بالوضع الدولي وتنتهي باثبات براءة مخطوف… وحضرت بضعة اجتماعات لما كان يسمي احزابا وشخصيات وطنية وتقدمية، حيث يضيع صادقون قلائل بين تجار ماشية ومهربين عبر الحدود السورية ـ اللبنانية… وصار السعي الي اطلاق المخطوفين يستغرق وقتا متعاظما من زملاء واصدقاء يستغربون الممارسات تلك التي تشوه صورة الحرب. ولم يراودنا يومذاك ان الاستغراب ليس في محله، اذ كيف لحرب بين الطوائف ألاّ تقوم علي الطائفية، وكيف لها الا تتغذي علي الخطف وما يشبهه من ممارسات؟ ص 71).ومن هناك فصاعدا، يشن صاغية حربا علي الحرب الاهلية اللبنانية وعلي جميع الحروب الطائفية في المنطقة واصفا حالة الانحطاط والوحشية التي وصل اليها الشعب اللبناني بسبب هذه الحرب والتي يصل اليها كل من يختار القيام بمثل هذه الحروب في اي مكان في العالم. وكان قاسيا وشرسا في وصفه للتجاوزات وسمّي حرب الفنادق حرب تدمير قلب العاصمة وبتر شرايينها واحالتها اطلالا. (ص 72).وقال: لربما أسّست يومذاك عبادة الشهداء والجثامين والخراب فيما كل واحد من التنظيمات يتباهي بشهدائه يبيع بهم ويشتري… أما بيروت في عمومها فأطّرت معلبات امنية طائفية حدودها حدود الانتصار الذي تحققه هذه الجماعة او تلك ثم تتسمر وراءها (ص 72).ومن هناك، ينتقل صاغية الي موقفه السياسي الحالي الذي يعارضه فيه كثيرون ويوافق معه عليه آخرون، مرّوا في تجاربه. والموقف هذا يلخصه في الصفحة 81 من الكتاب حيث يقول: ولم يستوقفني مثلا ولا استوقف حفنة من الصغار (نحن كنّا بينهم) بأن الاسلام اكبر واخطر من ان نستخدمه، نحن الذين انجزنا للتوّ حلاقة ذقوننا لغرض غير غرضه… وما فعلناه كان يفعله آخرون في ايران ليبراليون او يساريون اكبر منا سنا وأوسع تجربة… ظنا منهم ان الثورة الدينية سوف تنقلب مهدا لديمقراطية عصرية او جسرا لبر امان اشتراكي، استهواهم الدور المركزي للدين في تعبئة الجماهير، والمواجهة بين اسلام تقدمي واسلام رجعي… وهذه اوهام شاركنا فيها مفكرون وصحافيون غربيون كبار استمالتهم نظريات توظيف الاسلام علي انواعها كما لو كان الله عاملا لدينا ولديهم بالاجرة. (ص 81).ويعترف صاغية بأن الثورة الخمينية اثرت فيه بعد حرب السنتين في لبنان وعلي اثر خسارة الحركة الوطنية فيه، وبأنه قذف اليها لفترة، ربما بحثا عن القائد الأب الجديد الذي سيحل في مكان جمال عبد الناصر، ويقول في ذلك: وهطل الخميني علينا، فمن الذي يسأل بعد ذاك عن موقف السيد الجليل من المرأة او الاصلاح الزراعي؟ ص 84).وفي الفصلين الاخيرين، يتحدث صاغية عن حالة الغربة التي واجهتها عائلته خلال اقامتها في منطقة الاشرفية المسيحية، خلال بعض فترات الحرب الاهلية اللبنانية، ويصف شخصيات اهل تلك المنطقة بكاريكاتوريته المعهودة. ويتجلي في هذين الفصلين جانب اساسي من شخصية الكاتب ألا وهو بحثه المستمر عن الهوية بعدما ولد وترعرع في منطقة حدودية هامشية من لبنان وتربي تربية عربية عروبية، ولكن مسيحية ارثوذكسية في الوقت عينه، ثم اكتسب حساسية انسانية اوصلته الي الطور الاسمي (حسب المسيح ونيتشه) وهو طور الطفولة الصادقة بالاضافة الي الموهبة الادبية والمسرحية الخارقة.ہ صحافي لبناني يقيم في لندن7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية