هؤلاء هم الشعراء فأين الغاوون؟
مريم بنت زيدونهؤلاء هم الشعراء فأين الغاوون؟لكأن شنقيط أرادت وهي تجمع الشعراء أن تكون في الموقع الذي لم تدخله يوما، شنقيط التي ظلت قرونا تصدر الشعر والشعراء شمالا وشرقا وجنوبا، ها هي اليوم تستوردهم ليستعرضوا بضاعتهم فوق أرضها التي بلغت في تلك الصنعة الذروة وأوتيت من ملكوتها ما لم يكن لمن قبلها.ليس الأمر بيد من كانوا سادته، ولم يكن الموريتانيون ليغيروا ما قسم لهم، وعندما وصلت طلائعهم الأولي لهذه الصحراء تحمل عقيدة وأفكارا تريد أن تملأ بها الكون رضوا بنصيبهم وهم ينسلون سلالة جديدة مزجت العرب القادمين بالبربر أصحاب المنطقة ليتحولوا بعد ذلك الي تلك الشعوب التي ظلت تبهر كل واصل للمنطقة بذكائها وعلمها وقدرتها علي الحفظ وبراعتها في نسج القريض.في فترة وجيزة وجدت الأجيال الجديدة من هذا الخليط العجيب نفسها وهي تكدس بضاعة برعت في انتاجها فلم يكن منها الا أن سافرت شرقا تحمل مديحا وشوقا الي منطقة المشرق التي كانت تعيش آنذاك ما يعرف بعصور الانحطاط فكانت من الرابحين وعادت وقد عرفت قيمة منتوجها.وسافرت شمالا جالبة للسلاطين العلويين عقودا من درر القريض وعاد الشناقطة وهم محملون بما كان سيدخل أصنافا جديدة، ويثري شعرهم الذي أصبح فيه وصف الادلاج والخيل العتاق، والحرير، والجواهر، والشاي، وكلها أمور جديدة تثير المخيلة وتساعد علي تطوير هذا الشعر الذي أصبح أهم ثروة للمنطقة.ثم اتجه الموريتانيون جنوبا وبالتحديد للسنغال يحملون قريضهم الذي راق الطبقات العلمية التي تتقن اللغة العربية، وجلبوا المال والمساجلات الأدبية وحملوا شوقا وحنينا لأوطانهم التي ما ان يعودوا اليها حتي تتفتح القرائح عن مزيد من الابداع.متي كانت للشعر قائمة دون التكسب؟ ومتي كان للشعراء استمرار دون الغاوين الذين يهيمون خلفهم وفي أوديتهم؟ لقد كان الشعر دوما ثروة تصدر ان وجدت مستهلكين يلهثون خلفها لكن تلك الثروة ما عادت لها من يريدها اليوم، لذا ليس غريبا أن يتراجع الشعر وتتقلص مواهب الشعراء وتضمر عضلات الابداع.أي حظ سيلقي أمرؤ القيس لو بعث اليوم؟ لن يطول به الأمر حتي يتحول الي مندوب مبيعات أو وكيل أسهم في احدي البورصات العربية وربما لو شاهد يوما وهو يأخذ قيلولة في شقته الضيقة احدي قنوات الفيديو كليب لكان نسي فاطم ولكان نسي دلالها، ولن تحتاج هيفا ولا نانسي ولا روبي لغزله لتصبح من المشاهير، ربما يتكفل المصور أو المخرج بذلك، أما هو فما سيعزيه قليلا أنه لا قبيلة هذه أو تلك ستتصدي له بأنه شبب بابنتهم. لو سافر الأعشي عبر الزمن ووصل به المطاف الي حيث حل النفط محل الشعر هل سيجد من يدخله مجلس أحد الملوك أو السلاطين أو الرؤساء في جزيرة العرب؟ أم سيجد من يفهم عنه شعرا بروعة:لعمري لقد لاحت عيون كثيرةالي ضوء نار باليفاع تحــرقتشب لمقرورين يصطليانهاوبات علي النار الندي والمحلقرضيعي لبان ثدي أمٍ تحالفابأسحم داجٍ عوض لا نتفـرقماذا لو قرر فرسان من شعراء العرب السفر الي رئيس الغرب الذي يملك الحصون والقلاع وله جولاته وصولاته وقد تغلغل شرقا يبغي فتح آخر جزء من العالم وهاهي جيوشه ترفع راياتها حول الكون بعد أن رفعتها فوق القمر لا شك أن بلاط هذا القائد يتسع لكل شعراء العرب، هل سينالون ما كانوا ينالونه في أيامهم من مثله؟ ربما سيرجعون وهم يرددون المقولة الشهيرة: ما ربحنا من سفرنا غير ما قصرنا من صلاتنا .كيف يلام الشعراء اليوم علي تراجع الابداع؟ لم تعد الوجوه مخفية تتفتح القريحة حين يماط عنها اللثام، لقد امتلأت الشوارع بصور الحسان اللواتي تعاونت ألوان التصوير وأضواء الفلاشات علي تحويلها الي حور عين واكتسحت الملاح نشرات الأخبار في القنوات الفضائية وترامت الفاتنات في الفيديو كليبات علي أسرة النوم فماذا بقي للشعراء؟ كيف السبيل للأمل والشوق والوجد والوله؟ أين جميل بن معمر الذي يقول:واني لأرضي من بثينة بالذيلو أبصره الواشي لقرت بلابلهبلا وبألا أستطيع وبالمنـيوبالأمل المرجو قد خاب آملهوبالنظرة العجلي وبالحول تنقضيأواخره لا نلتقي وأوائلهفي كل ليلة من ليالي مهرجان الشعر العربي بنواكشوط كنت أخجل وأنا أري الشعراء يلقون قصائدهم الواحد بعد الآخر دون أن ترمي عليهم الحلل والــــــدرر ويقتطعو الضيعات، لقد كانوا أشبه ما يكونون بالممثـلين في الكرنفالات أولئك الذين يلبس أحدهم درعا ينفخ صـــدره ويملأ رسغيه وساقيه بصفائح توهم الرائي أنها ذهب ويثقل جسمه بحلق المعادن الرخيصة متقمصا شخصية لاسكندر المقدوني.لو لم يكونوا في الزمن الخطأ لكان هناك الغاوون ولتباشر أغنياء البلد بهؤلاء الشعراء ولكان اعترض أحدهم وهو يخرج من المطار رسول يحمل ظرفا يمتلأ بالمال وهو يقول: الوزير الفلاني أو التاجر الفلاني يقرئك السلام ويقول لك لقد علمت بقدومكم وهذا هو القري ولتعذرونا ان حصل تقصير .لو كان هناك غاوون للشعر لما جلس الشعراء بأدب وغض بصر ولكان شيطان الشعر زين لهم التغزل بالرئيسة أو الوزيرة، أم تراهم أفضل حالا من النابغة الذي تحدي النعمان بن المنذر قائلا في زوجته:لو أَنها عرضت لأَشمطَ راهب عبد الالَه صرورة المتعبدلَرنا لبهجتها وحسنِ حديثها ولَخالَه رشدا واِن لَم يرشدأم من عمر بن أبي ربيعة الذي تغزل بزوجة عمر بن عبد العزيز قائلا:بعيدة مهوي القرط اما لنوفلأبوها واما عبد شمس وهاشمكلهم مساكين، كانوا شعراء آخر زمن ، وفي زمنهم، هذا الزمن الرديء، أجد بعض الانصاف للشاعر الكبير أحمد مطر في اختفائه الذي يثير الكثير من العتب لدي محبيه، ذلك الاختفــاء الذي أتاح له العيش مع جمهوره، فقط بكلماته وكأنه ينتمي لفترة أخري غير التي كتبت له، وأقول لي ولهم الي أن نجد غاوين للشعر فلا يحق لنا أن نطالب مطر بالمشاركة في كرنفالات الشعر العربي.كاتبة موريتانية0