مهرجان العُجيلي الثاني للرواية العربية: غواية الراحل الكبير تخطف الضوء من المداخلات النقدية
مهرجان العُجيلي الثاني للرواية العربية: غواية الراحل الكبير تخطف الضوء من المداخلات النقديةالرقة ـ القدس العربي ـ من أنور بدر: للعام الثاني علي التوالي تقيم مديرية ثقافة الرقة مهرجان العُجيلي للرواية العربية، الذي عُقدت ندواته العلمية ما بين 17 و20/12/2006، برعاية وزير الثقافة الدكتور رياض نعسان آغا، مكرسة اياه كأحد أهم الفعاليات الثقافية في حقله علي المستوي العربي، وللعام الثاني علي التوالي أيضا تشكل شخصية عبد السلام العُجيلي وابداعه غواية تستقطب جل المداخلات في موضوع الرواية العربية، خاصة وأن المهرجان الأول أقيم قبل اشهر من وفاة العُجيلي، وهذا المهرجان الثاني هو الأول بعد وفاته، فجاءت أغلب الدراسات تحمل شحنة من التقدير لهذا الرائد في حقول الطب والسياسة كما هو رائد في فنون الكتابة والابداع الأدبي، بدأها سنة 1936، بنشر قصة نومان وأنهاها بكتابة جيش الانقاذ سنة 2000. وما بينهما أنهي العجيلي دراسة الطب سنة 1945، وعاد لمدينة الرقة كأول طبيب أكاديمي، لينتخب سنة 1947 نائباً في البرلمان السوري عن مدينته، وفي العام الثاني كان أحد ثلاثة نواب سوريين تطوعوا في جيش الانقاذ لتحرير فلسطين، وهي التجربة التي قادته الي غمار السياسة مبكراً، فشغل وزارات الخارجية والاعلام والثقافة قبل أن يعود للرقة مع مجيء ثورة 8 آذار (مارس) سنة 1963، حيث ربحته تلك المدينة طبيباً، وربحته الانسانية أجمع أديباً.ہ ہ ہباستثناء حفلي الافتتاح والختام، شارك 12 كاتباً وناقداً عربياً وأكثر منهم قليلاً من سورية، في ثماني جلسات علمية، اضافة لجلسة هامة شارك فيها خمسة أدباء أتراك، وأخري كانت عبارة عن ندوة مفتوحة لبرنامج كاتب وموقف الاذاعي الذي يعده ويقدمه الأستاذ عبد الرحمن الحلبي. في جلسة الافتتاح ألقي السيد محمود الموسي مدير المهرجان كلمة ترحيبية باسم ثقافة الرقة، تحدث فيها عن أهمية المهرجان الذي ينعقد تحت عنوان خصوصية الرواية العربية هذه الخصوصية التي أسس لها العُجيلي في تلمسه سؤال الهوية، كما ألقي الشاعر بسام البليبل كلمة أصدقاء الثقافة آملاً من المهرجان أن يتجاوز تطبيق النظريات النقدية علي الأعمال المطروحة الي التحريض والتفعيل والتفسير للرواية السردية العربية، لتكون وسيلة للتكامل في دراسة المجتمع والطبيعة الانسانية. كذلك ألقي الدكتور عبد الله ابراهيم من العراق كلمة شكر باسم المشاركين في المهرجان، مستذكراً تاريخ الرقة وأهمية التجربة الابداعية لابنها عبد السلام العُجيلي… كما ألقي الشاعر مجيب السوسي قصيدة رثاء في الأديب الراحل. وقام السيد محافظ الرقة أحمد شحادة خليل بتكريم الأديب خليل جاسم الحميدي لابداعاته في القصة القصيرة ونشاطه الثقافي، كتقليد من المهرجان تجاه أدباء الرقة، ثم قدمت فرقة الرقة للفنون الشعبية مجموعة من اللوحات الفنية والأغاني التراثية. الي جانب ذلك تم افتتاح مجموعة من الفعاليات الموازية للمهرجان، كمعرض الفن التشكيلي لتجمع فناني الرقة، ومعرض صور للراحل عبد السلام العُجيلي، مع معرض لابداعات كُتاب محافظة الرقة بالتوازي مع معرض الكتاب العربي الذي أقامته دار الحوار للطباعة والنشر، كما أقيم علي هامش هذه الفعاليات حفل توقيع رواية عين الهر للدكتورة شهلا العُجيلي، ثم زار المشاركون في المهرجان ضريح الدكتور عبد السلام العُجيلي في مقبرة حطين.ہ ہ ہالجلسات العلمية تضمنت قرابة ثلاثين مشاركة، توزعت بين سبع شهادات ذاتية في الكتابة، كانت ثلاث منها لكتاب من مصر هم سمير الفيل ويوسف أبو رية وميرال طحاوي، اضافة لأربع شهادات من سورية قدمها الأدباء خليل الرز وفيصل خرتش وابراهيم الخليل وسمير عامودي، فيما ذهبت عشر دراسات نقدية للاهتمام بأدب الراحل عبد السلام العجيلي، تراوحت ما بين الببلوغرافيا التي قدمها د. عبد الله أبو هيف وصولاً الي الشهادة التي تناولت تجربته في الطب، أو ما كتبه الأستاذ ابراهيم علوش عن علاقة العجيلي بقضية الحرية في مواجهة الاستبداد السياسي، وصولاً الي دراسات أكاديمية في أدب العجيلي مثل ارتحال النص ـ دراسة في الخطاب الروائي للعجيلي التي قدمها الدكتور محمد سالم سعد الله من جامعة الموصل، أو دراسة عبد السلام العجيلي أيقونة القوة الصامتة للدكتور واسيني الأعرج من تونس، ودراسة الدكتورة ماجدة حمود من سورية عن العجيلي وسؤال الهوية ، الي دراسات اشتغلت علي نصوص للراحل عبد السلام العجيلي كدراسة الدكتور فيصل حصيد من الجزائر عن الذات والمرأة في رواية أجملهن ، بينما توقف كل من د. ابراهيم خليل من الأردن ود. نضال الصالح من سورية مع رواية أرض السياد الأول من خلال دراسة شعرية الأمكنة ، والثاني من خلال دراسة الخصوصية في عالم الروائي ، وأخيراً تقصي الدكتور جمال شحيد ترجمات أدب العجيلي الي اللغة الفرنسية بعنوان العجيلي مترجماً الي الفرنسية .أما في مجال دراسات في الرواية العربية خارج محور العجيلي، فقد رأينا أبحاثاً هامة جدل الكاتب والسارد في الرواية التونسية للدكتور محمد الباردي، رواية الجيل الجديد في الجزائر ـ الخصوصية والطموح آسيا موساي، خصوصية الرواية العربية ـ رؤية ثقافية د.شهلا العجيلي من جامعة حلب، عن أي خصوصية نبحث للدكتور سيد بحراوي من مصر، المنظومة الفكرية لرواية عربية جديدة ـ مساهمة في التنظير للدكتور مصلح النجار من الأردن، وأخيراً العامية سلطة بدون نص لياسر عبد الحفيظ من مصر. ربما يكون من الصعب جداً تناول هذا الكم الهائل من الدراسات والأبحاث في هذا المقام، لكننا بالعودة الي عنوان هذه الدورة من المهرجان خصوصية الرواية العربية سنكتشف فيها محورين أساسيين: أسئلة الهوية والحداثة والخصوصية في الرواية العربية. الرواية السردية الأنثوية للعالموهذان المحوران ما سنحاول تقصي نتائجهما في الأبحاث التي تليت خلال ثماني جلسات علمية في هذا المهرجان. ہ ہ ہينطلق الدكتور نضال صالح من مقدمة تقول علي الرغم من أن ذلك المنجز لم يؤصل، أو لم يسهم في التأصيل علي نحو أدق، لكتابة عربية لها هويتها الخاصة بها، اذ ظل علي امتداد نحو أربعة عقود رهين تقاليد بعينها ويقصد بعبارته المنجز الروائي للدكتور العجيلي، فان الباحث يحاول استجلاء ملامح الخصوصية في عالم العجيلي الروائي ووسائل بنائها في روايته أرض السياد 1998 باعتبار الخصوصية في الأدب تعني ارتباط النص الأدبي بالبيئة التي ينتمي اليها المبدع، أو بالفضاء الجغرافي ـ الثقافي للكاتب، ليكتشف في كل روايات العجيلي وفي ارض السياد أيضاً ارتباط العجيلي بقضايا مجتمعه الوطنية والسياسية كخلفية لعلاقات الحب المخفقة دائماً باعتبارها الموضوع المركزي لتلك الروايات- ويعني العجيلي في روايته بالحديث عن جملة من الرموز الاجتماعية والدينية ذات دلالة علي ارتباط النص بواقع الكاتب. لكن الناقد نضال صالح يعتبر أن ملامح تلك الخصوصية التي يبحث عنها في أدب العجيلي تتجاوز الارتباط بالأحداث التي عاشتها المنطقة الي البناء الفني للنص الروائي، اذ لم ينبهر بالمنجز السردي وأساليب القص الغربية ـ رغم اطلاعه عليها ـ بل بقي محافظاً علي أسلوبية متجزرة بتراثها ونابعة منه ومجددة له. بالمقابل ركز الدكتور ابراهيم خليل من الأردن علي شعرية الأمكنة في رواية أرض السياد باعتبار المكان يمتلك حضوره الأثير عبر اللغة التي تربطه بباقي عناصر الخطاب الروائي، مؤكداً أن نص العُجيلي يحفل بالمكان في مستوياته الثلاثة المجازية والهندسية والمعيشية، وبالتالي جاء المكان في أرض السياد تعبيراً عن ارتباط الحاضر بالماضي، دون أن تؤشر بذلك علي مصطلح الخصوصية. وكذلك دراسة واسيني الأعرج عن العجيلي في علاقته بالآخر وتجلي ذلك في خطابه أو نصه الأدبي الذي عبر في كل أعماله عن مخاض أمة عايشها طوال القرن الماضي، ابن زمانه بامتياز دون أن يرتبط هذا الامتياز بتميز في الخصوصية، كمصطلح نقدي، وهو ما يستعيد الدكتور محمد سالم سعد الله الشغل عليه في دراسته ارتحال النص متخذاً من دراسة عناصر السرد،بناء الحدث، الوصف،الحوار، الفضاء، الشخصية في رواية قلوب علي الأسلاك للعجيلي توطئة لتحديد منظومة الذات الروائية التي رسمت للعجيلي خصوصيته الفنية . الدكتورة ماجدة حمود من سورية تقول ان سؤال الهوية لدي العجيلي جاء في سياق لحظة وعي الذات العربية بهويتها في صراعها مع الآخر المعتدي الاستعمار – الصهيونية، لكنه كان سؤالاً فاعلاً عند العجيلي بدءاً من تطوعه في جيش الانقاذ، وصولاً علي تمسكه بالعمل في عيادته ضمن الرقة، أي كان مثقفاً عضوياً عمل علي صياغة هوية تسعي الي مواجهة الأنا المتخلفة، كما تعمل علي مواجهة الآخر، لذلك أصبح سؤال الهوية لديه هو سؤال الحداثة. من جهة أخري قدمت آسيا موساي قراءتها لموضوعة الخصوصية والطموح من خلال دراستها لرواية الجيل الجديد في الجزائر، والتي ابتدأت وتبلورت مع اندلاع أحداث العنف السياسي والأهلي في الجزائر عام 1988، وتسارع المد الأصولي، وانعكاس كل ذلك في المجتمع وفي الأدب. حيث شاهدنا تباينا في التجارب الفنية التي شكلت مرجعيات الكتاب الجدد، كما شاهدنا تعدداً في طرائق السرد الروائي، وصولاً الي اشكالية الهوية والتباساتها. وأشارت في هذا الصدد الي تزايد كمي في الابداع الروائي، حيث يصدر سنوياً في الجزائر ما يقرب من 20 رواية، كما لاحظت تزايدا موازيا في الأصوات النسوية التي كادت تقتصر علي أحلام مستغانمي سابقاً، لكنها الآن تحفل بأسماء ياسمينة صالح ورشيدة خوازم وزهرة ديك وشهرزاد زاغز وأخريات. الدكتور محمد الباردي من تونس درس بالمقابل أحد عناصر الخصوصية في الرواية التونسية من خلال موضوعة جدل الكاتب والسارد في تلك الرواية باعتبار التداخل بين مقام الكاتب ومقام السارد داخل هذا النص اشكالية تؤشر علي حضور الكاتب داخل نصه، بعكس الدراسات التي تذهب الي القول بموت المؤلف/ الكاتب. ويضيف الدكتور الباردي، أن الحداثة الروائية في التجربة العربية أنجزت مهمتها، والاشكالية الجديدة مطروحة في سياق نصوص تجريبية في الرواية العربية. الرؤية الثقافية التي قدمتها الأديبة شهلا العجيلي لخصوصية الرواية العربية تنطلق من اشكالية الفرد الحداثي في مواجهة مدنية تذرره وتسحقه بالانتقال من مرجعيات ثقافية متعددة في القرن العشرين الي سيرورة باتجاه مرجعية واحدة متناقضة في القرن الواحد والعشرين. هذا الانتقال وجد صداه في الثقافة العربية بالانتقال بعد حرب الخليج الثانية عام 1991 من كون القومية العربية منظورا شاملا أيديولوجيا في المنطقة، الي اعتبارها منظورا إثنيا فقط، بتأثير رؤية الآخر اليها كما يقول رينيه جيرار. الخصوصية بدأت بتفكيك الآخر المستعمر في آداب الشعوب التي تعرضت لتجربة الاستعمار لكنها استمرت في تمظهرات لاحقة: تفكيك الأقلية للأكثرية، الطرف للمركز، المواطن للسلطة السياسية، المجتمع للظاهرة الارهابية، الأصوليات لارهاب الدولة.. ولذلك نجد أن الكتابة الصادرة عن مفهوم الخصوصية تؤكد علي الملامح المعززة للشعور بالاختلاف عن المركز سواء كان استعمارياً، أم سلطة، أم أكثرية، والتمسك بمعايير علم الجمال الوطني أو الطائفي أو الديني أو القومي أو العرقي، سيما في نسخته غير العالمة . يبقي أمامنا ثلاثة أوراق تعاملت مع موضوع الخصوصية بشكل مختلف، نبدأ بورقة أو مداخلة الذات والمرأة في رواية أجملهن لعبد السلام العجيلي التي قدمها الدكتور فيصل حصيد نافياً مفهوم الخصوصية الذي يقوم علي مواجهة الآخر، فهذه الرواية برأيه لا علاقة لها بما يسمي حوار/ صراع الشرق والغرب، بعكس الكثير من الدراسات والآراء التي طرحت، وانما هي صورة للمكاشفة الذاتية في مرآة الآخر، لكنه يؤكد أن منهج التأويل يتجاوز القراءة الذاتية الي اعتبار النص أو قراءته هي طقس من طقوس الجماعة، وبالتالي كان الكاتب يري شخصيته بهذا المعني في محاور الحب والدين واضطراب القرار التي عكسها في روايته ضمن مرآة الآخر الحبيبة الأجنبية وهي مرآة صادقة وعارفة وباحثة.الورقة الثانية للدكتور مصلح النجار وهي مساهمة في التنظير انطلقت من وضع الأنا في مواجهة الآخر، ورؤيته لنا، لتطالب الرواية العربية بمجموعة من الاشتراطات والضوابط الأيديولوجية تساهم في تحميل النص الأدبي لمشروع ترسيخ الهوية في حدود الحالة التي تعيشها الأمة، متجاهلاً أن الابداع يسبق التنظير، وأن مهمة النقد هي دراسة الابداع وليس وضع اشتراطات أيديولوجية مسبقة عليه. فهو يطالب باسم المرحلة أن يتعلم الأدباء الموهوبون، والمحترفون كيف يكونون مفكرين لا أدباء فحسب لأنه يلقي علي عاتق هؤلاء مسؤولية تسويق الذات وتسويق النص الروائي لدي الآخر طبعاً! الورقة الثالثة والمهمة جاءت علي صيغة استفهام استنكاري عن أي خصوصية نبحث؟ للدكتور الناقد سيد البحراوي الذي اعتبر سؤال الخصوصية سؤالاً طرح بشكل خاطيء، من خلال البحث عن جذور الرواية العربية في تقليدها للنص الغربي باعتباره النموذج الأصل، ولم تستطع هذه الرواية اكتشاف خصوصيتها المتعلقة بالقيم الجمالية للشعوب العربية وأساطيرهم الكامنة وأشكالهم التعبيرية. وبقيت كالنخب السياسية كوزموبوليتية تابعة في الشكل والمحتوي، لذلك هو يري الحل عبر خروج المثقفين من اطار طموحاتهم الطبقية للصعود عبر السلطة أو المال أو العالمية، والوعي بجماليات مجتمعاتهم، لأن هذا هو الطريق الوحيد الي الخصوصية أي العالمية . وهذا الشرط كما أكد في نقاش ورقته غير متوفر، لذلك فاجأ الجميع بقوله الجريء أنا أستطيع القول أنه لا توجد رواية عربية أصلا . ہ ہ ہالمحور الثاني في الندوة جاء بعنوان الرؤية السردية الأنثوية للعالم، وهو لا يقل أهمية عن المحور الأول وان لم يحظ بذات الاهتمام من حيث كم الدراسات التي اشتغلت عليه، مع بعض الاشارات الهامة كما ذكرت آسيا موساي عن تزايد الأصوات النسوية في الأدب الجزائري، والتي يعممها د. عبد الله ابراهيم من العراق علي الرواية العربية في اطار علاقة هذه الظاهرة بتنامي مكانة المرأة في الحياة الاجتماعية والثقافية، وتنامي وعيها بتاريخ طويل من التمييز والاستبداد الذي تعرضت له المرأة في ظل ثقافة ذكورية. ثم يتوقف د. ابراهيم مع انعكاس ظاهرة الوعي النسوي بالذات وبالعالم في الرؤية السردية الأنثوية، التي تقف بالتعارض المعلن أو المضمر مع الثقافة الذكورية السائدة. ويروي بهذا الصدد أن بعض الأصوات النسوية سارت في هذا التعارض حد المغالات والاندفاعات المتطرفة باتجاه الاعلاء الهوسي للخصائص النسوية، فيما البعض الآخر سار باتجاه البحث عن نقاط تقاطع مشتركة مع الرؤية الذكورية بما يتيح رؤية أغني وأشمل للمجتمع والأفراد، بينما البعض القليل ظل متماهياً في الرؤية الذكورية باعتبارها نمطا ثقافيا مهيمنا في المجتمع. علي العموم يري الدكتور عبد الله ابراهيم أن التمثيل السردي للرؤية الأنثوية اتخذ مساراً صاعداً أغني مدونة السرد العربي الحديث من خلال جملة من الموضوعات كنقد الأبوية الذكورية دون طرح بديل، العنف المركب، فضح المؤسسة الزوجية القائمة علي استبعاد الزوجة كشريك، اكتشاف العذرية وعلاقتها بنظرة الآخر.. في كل هذه الموضوعات تتشكل هوية الأنثي، ما بين دور اصلاحي في بنية المجتمع التقليدي وبين تكرار النسق الثقافي السائد، وبينهما نجد رفضاً معلناً أو مضمراً لدي بعض النساء باختراق حواجز الأديان والطوائف. من جانبها رأت الدكتورة أسماء معيكل من جامعة حلب أن الرواية لا تنتسب الي جنس المؤلف ذكراً أو أنثي بل الي مضمون العمل الذي يتناول صورة المرأة ومعالجة همومها وقضاياها، ولذلك اختارت المقارنة بين نموذجين: رواية جورة حوا للكاتبة منهل السراج، ورواية سمر الليالي للكاتب نبيل سليمان، لدراسة الفوارق بين رؤية الكاتب أو الكاتبة لموضوعات محددة في الأدب النسوي، فرأت أن منهل السراج تنطلق من رؤية سياسية هجائية للعالم علي خلفية الحرب الأهلية التي شهدتها مدينة حماة في وسط سورية عام 1982 وما أفرزته، حتي أن النماذج النسائية /الانسانية ما هي الا نتاج طبيعي لتلك المرحلة. كذلك سمر الليالي تنطلق من رؤية سياسية واضحة المعالم، تسلط الضوء علي ما يحدث داخل المعتقلات والسجون (نموذج السجون النسائية)، لكن الفرق بين الرؤيتين أن سمر الليالي تقول مضمونها بأسلوبية تسجيلية ومباشرة، بينما تلجأ جورة حوار الي الايحاء والتلميح. كذلك في تناول الروايتين لصورة المرأة، اذ نجد أن منهل السراج لم تتوقف مع وصف جسد المرأة أو مظهرها الجمالي مع تباين النماذج النسائية التي اشتغلت عليها، فهي صورة حية وواقعية تعكس قضايا المرأة بشكل عام في مجتمعنا، بينما صورة المرأة عند نبيل سليمان تبدو متحررة ومتمردة، لكن مع تركيز واضح علي مظهر الجسد الاغوائي عند المرأة، وحتي بعض المشاهد الساخنة التي لا يتوقعها القاريء في السجن مثلاً. لم تكتف الدكتورة معيكل بالتقاط هذه التباينات بين الروايتين، بل تذهب للتأكيد أن اللغة عند منهل السراج كانت تمور بالحركة والتخييل، وهي لغة ذات مستويات تتباين بتباين الشخصيات في العمل، بينما اللغة عند نبيل سليمان جاءت حادة وجارحة وذات مستوي واحد عند كل الشخصيات، حتي أن الدراسة تتساءل: هل هي حقاً لغة الشخصيات أم أنها لغة الراوي /الراوئي نفسه؟ .الكاتبة ربيعة ريحان من المغرب تحدثت عن ظهور الرواية النسوية وما عانته من تشويه وسوء فهم نتيجة تمرد الرائدات علي القيود الاجتماعية السائدة والمعيقة، وابراز مشاعرهن النسائية المتفردة، وطرحهن لقضايا الوعي والهوية، لأن تهميش النساء الذي يحرمهن الحق في أشكال السلطة الثقافية يمنحهن نظرة انتقادية للقيم السائدة. الجيل الثاني رفض أن يكتب وهو يفكر بجنسه، لأن الدفاع عن أية قضية لا يتوقف علي جنس الكاتب أو الكاتبة، لذلك ظهرت روائيات عربيات شكلن اضافة نوعية في النسيج الروائي العربي، تمتد الأسماء من حنان الشيخ وسحر خليفة علي خناثة بنونة وسلوي بكر وليلي العثمان وهدي بركات وعروسية النالوتي وغيرهن، حتي أن البعض يقول ان فن الرواية يستعيد أصوله الأنثوية . وتثير ربيعة ريحان السؤال حول الفارق بين رواية نسوية تحتفي بالجسد واللغة الشعرية والاعلان عن البيولوجيا والرغبات، ونصوص أخري لا تقول ذلك، أو هي محايدة تكتبها المرأة بصيغة المؤنث لكنها تتكلم بصورة مختلفة ، لنؤكد في المحصلة علي قدرة النص النسوي علي التحول في فعل الكتابة أو تطويع القوالب السائدة في الرواية حسب الحاجة الذاتية للكاتبة وليس وفق التصنيفات النقدية في الثقافة الذكورية، وصولاً الي كتابة انفجارية قوية فاقدة لجنسها أحيانا ومنفتحة علي رؤية أكثر انسانية وعمقاً. هذا يعيدنا الي التمييز الذي طرحه أكثر من باحث بين نص أنثوي يعبر عن هواجس نسوية محضة، وبين نص تكتبه امرأة لكنه يعبر عن هواجس وقضايا عامة من وجهة نظر امرأة في هذا المجتمع؟ لنجد أن كلا النصين مكتوبان من وجهة نظر امرأة وبقلمها، لكننا جردنا في هذا السياق بعض النصوص التي تهتم بقضايا نسوية محضة لنطلق عليها اسم الأدب النسوي، وتركنا الجزء الآخر والاهم مهملاً، أو كما قال عنه بعض النقاد أدب مسترجل نسبة للرجل، وفي هذا ظلم للمرأة، وتسييد للنظرة النقدية والقيمية الذكورية، التي تري المرأة غير جديرة بنقاش قضايا خارج حدود كينونتها الجنسية والبيولوجية. مع أن دراسة استقصائية للكتابات النسائية في سورية علي سبيل المثال، تفيد عكس ذلك، ففي مسابقة حنا مينة للرواية العربية في سورية عام 1985 فازت ثلاث كاتبات في نصوص رائعة تعالج قضايا عامة من وجهة نظر نسوية جريئة في اقتحام المحظورات، وفي لغة السرد، وهن عبير اسبر وسمر يزبك وروزا حسن، وبالتالي اعتقد أن هذا المحور ظلم في مهرجان العجيلي الثاني للرواية العربية، ولم يعط حقه من الدراسة ومن الشهادات النسوية التي كان يمكن لها أن تغني هذا الحدث بشكل جيد. 0