تمثيلات الآخر وخطاب ما بعد الاستعمار
يحيي بن الوليدتمثيلات الآخر وخطاب ما بعد الاستعمارليس من شك في أنه لم يعد بوسع الباحث أن يواكب جميع ما يصدر في الحقل النقدي والثقافي العربي بسبب كثرة ما يصدر علي امتداد العالم العربي وعلي الرغم من النقص الذي لا يزال يطال المطبوعات/ مطبوعاتنا اذا ما ذكرنا بأن مجمل ما يصدر في العالم العربي لا يعادل ما يصدر في بلجيكا بمفردها وهي أصغر بلد أوروبي. ويمكن أن نرد العجز سالف الذكر عن المواكبة الي دخول ما يمكن نعته، وتجاوزا، بـ الصناعة الثقافية بلداناً تنتمي لما كان ينعت في فترات سابقة بـ الهامش ، بلداناً أخذت تطل علينا بأسماء نقدية وثقافية وازنة ولا يمكن التغافل عنها في سياق النظرة المتكاملة لـ الواقع الثقافي . ومن ثم لم تعد القاهرة وبيروت وبغداد والرباط… العواصم الثقافية الوحيدة والخالدة علي امتداد العالم العربي في جغرافياته المتنوعة وتداعياته المتشابكة وقاماته الفكرية المختلفة.ولا تخفي أهمية خطاب ما بعد الاستعمار في سياق حقل النظرية النقدية المعاصرة في العالم ككل، وبما أبداه هذا الخطاب من مقاومة علي أرض هذه النظرية ذاتها. وحتي ان كان هذا الخطاب قد صيغ، وفي جانبه الأغلب، في الغرب ذاته، ومن قبل نقاد كبار منفيين ينحدرون من بلدان العالم الثالث ، فانه كشف، في الوقت ذاته، عن جاذبيته داخل الخطاب النقدي والثقافي العربي خلال العقدين الأخيرين؛ وكل ذلك في تزامن ، وان لاحق، مع بروز الكاتب الفلسطيني والأكاديمي الأمريكي ادوار سعيد (1935 ـ 2003) في سياق ما يصطلح عليه بـ فك الاستعمار (Dژcolonisation). وسيكون من السخافة ادعاء تقديم هذا الخطاب المتشابك في مثل هذا الحيز الضيق، غير أن ذلك لا يحول دون تشديد هذا الأخير علي الثقافة باعتبارها شكلا من أشكال التمثيل الذي لا يفارق وهاد التخييل ، ومن ثم تكون حصيلة القولبة و التنميط علي صعيد التعامل مع الآخر . وبدافع من اهتمامنا المتواضع بهذا الخطاب أرسلت في طلب دراسة تمثيلات الآخر ــ صورة السود في المتخيل العربي الوسيط (2004) لصاحبها الباحث البحريني نادر كاظم الذي أخذ يشق لخطابه مكانا محترما في الخطاب النقدي العربي المعاصر. ويظهر أنها دراسته الثانية بعد دراسته الأولي حول المقامات والتلقي ــ بحث في أنماط التلقي لمقامات الهمذاني في النقد العربي الحديث (2003) الذي أشرت علي تورطه (بالمعني التأويلي) في قارة التراث . ودون أن نتغافل عن أن تمثيلات الآخر متبوعة بدراسة حول الهوية والسرد ــ مقدمات في النقد الثقافي (2006)، وهي جديرة بأن تعكس السند النظري الذي يستند اليه الدارس في دراسة مواضيعه. فمن الجلي، اذا، أن الدارس يتكئ، وفي خطابه النقدي ككل، علي مرجعية قرينة أطروحة متعينة تستند الي نهج قرائي/ تأويلي يحمي مشروعه من تلك الوصفية التي هي قرينة النمطية التي لا تزال تلازم العديد من القراءات التي تدعي الانتساب لـ قراءة التراث . وفي الحق فان ما حفزني، وأكثر، الي التعرف الي منجز الدارس هو الحوار المطول معه في أحد الملاحق الثقافية المغربية، حوار/ نص علي قدر بالغ من الوضوح والأهمية وكاشف عن فورة أو حماسة الشباب التي نستند اليها في التعاطي للاشكالات الكبري التي تعصف بالنقد والثقافة العربيين ككل. وكما بدا الدارس، في الحوار نفسه، مشدودا الي خطاب النقد الثقافي وضمنه خطاب ما بعد الاستعمار الذي نستند بدورنا اليه في هذه التداعيات. غير أن ما شدني، في الحوار، وأكثر، هو كتاب تمثيلات الآخر سعيا مني الي الوقوف عند مواطن الاضافة وبالنظر الي محاولات سابقة سعت بدورها الي تأصيل النقد الثقافي علي صعيد التراث الذي لا وجود له من خارج دائرة القراءة بمعناها الفلسفي الاصطلاحي المعاصر.وعلي هذا المستوي الأخير، مستوي قراءة التراث واعتمادا علي منظور النقد الثقافي، لا يمكن القفز علي دراسة النقد الثقافي ــ قراءة في الأنساق الثقافية العربية (2000) التي افتتح بها صاحبها الناقد السعودي محمد عبد الله الغذامي مسار النقد الثقافي، وبمعناه المنهجي والتصوري، وعلي صعيد قراءة التراث، في الخطاب النقدي العربي المعاصر. وقد أثارت هذه الدراسة نقاشا قل نظيره في الخطاب النقدي العربي المعاصر حتي وان لم يكن قد بلغ الضجة التي كان قد أثارها كتابه الأول الخطيئة والتكفير (1985) الذي أنجزت حوله خمسة كتب موازاة مع ما يقرب من مائتي مقالة كما أحصي الغذاني نفسه. غير أن دراسة تمثيلات الآخر ، ومقارنة مع النقد الثقافي ، تبقي، في تصورنا، أكثر انتظاما داخل فضاء النقد الثقافي . فالقراءة التي تنتظم دراسة الغذامي موغلة في التأويل المفرط حتي نميز بين هذا التأويل ونوع آخر من التأويل (غير المفرط) الذي لا يسلم منه النقد الثقافي ذاته (وفي أرقي نماذجه) بل والخطاب النقدي عامة في حضوره المستقل . هذا بالاضافة الي أن دراسة الغذامي لم تسلم من تأثير التفكيكية أو التشريحية كما يترجمها الغذامي، وهي التي دشن بها هذا الأخير مساره النقدي المتميز. ولا تبرز التفكيكية (العدمية لا الايجابية التي تتحدث عنها غياتري سبيفاك)، في دراسة الغذامي، من ناحية الاصرار علي نفي المركزية و كشف التناقضات فقط، بل ومن خلال نبرة زرع الشك (القوية) التي تطبع القراءة من أولها الي آخرها؛ مما يعطي نوعا من الانطباع بأننا بازاء نمط قرائي أو نزوع نحو الهدم : هدم التراث ، وهو ما كنا قد سعينا الي تبيانه في دراسة لنا ملاحظات حول النقد الثقافي عند عبد الله الغذامي (مجلة علامات ، النادي الثقافي، جدة، المجلد 14، الجزء 55، 2005). وخلاصة القول، في هذه النقطة، ان التفكيكية لا تزال، ومن ناحية صلتها بالنقد الثقافي، أو امكانية انتظامها في فضائه، موضع شك وتساؤل؛ وهو ما يشير اليه نادر كاظم بدوره (ص 293). ومصدر هذا التساؤل هو مفهوم التمثيل (Reprژsentation) الذي يبدو مفهوما قاعديا في النقد الثقافي، وهو ما تشكك فيه التفكيكية.وتجدر الملاحظة الي أن أهمية دراسة تمثيلات الآخر لا تتحدر من ناحية المنهج فقط، وانما من ناحية ما يمكن نعته بـ الأفق القرائي ذاته الذي يستوعب المنهج والتصور في الوقت ذاته. وفي هذا المنظور بمكن أن نشير الي المفهوم/ المحور في الدراسة: مفهوم السود الذي يبدو، وعلاوة علي كونه تمثيلات جماعية ، مقولة فكرية كاشفة عن الاختلاف الأنثروبولوجي وعن تمفصلات المعرفة والسلطة في قلب التمثيل الذي يغذيه المتخيل . وقد اتسم حضور السود ، في التمثيل، بـ التحقير أو الازدراء الذي يشير اليه أحد أقطاب ما ينعت بـ الثالوث المقدس في نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي الناقد الهندي هومي باهابها في كتابه الأساسي موقع الثقافة (1994) في أثناء الحديث عن السود من الأمريكيين. لقد تم عدم دمج السود في المتخيل العربي الوسيط، بل وتم اقصاؤهم من دائرة الثقافة العربية ككل. ولقد أسهم، أو بالأحري، تواطَأ الجميع علي هذا الاقصاء ؛ ولعل في ذلك أحد تجليات ما نعته هومي باهابها، في كتابه السالف، بـ العنف الابستيمي . وعلي الرغم من بعض التقطعات ، واذا جاز مفهوم ميشال فوكو الذي يوظفه في حفريات المعرفة، وعلي مستوي التمثيل… وعلي الرغم من بعض أشكال المقاومة أو التمثيل المضاد ، بدليل أنه لا وجود لسلطة بدون مقاومة ، فان الصورة النهائية كانت هي قولبة السود، بل ان الأمر تجاوز القولبة نحو اخراج هؤلاء من دائرة الحضور الانساني . فـ ليس لهم سوي وجه الانسان كما يقول لمَارمُولْ كرْبَخالْ في كتابه افريقيا (الجزء الأول، ص 51).ولا يخفي أن موضوع السود و ثورة الزنج و العبيد و القرامطة … كانت من المواضيع الأثيرة في المناهج الماركسية التي كانت قد هيمنت في النقد العربي في فترات المد القومي والغليان الايديولوجي. والنقد الثقافي هو، ومن بعض الوجوه، تجاوز لـ النقد الماركسي بمعناه الأرثوذوكسي وبالقدر نفسه تجاوز لـ البنيوية في انحسارها الشكلاني ، وهو ما يشير اليه الدارس بدوره منذ نص المقدمة. غير أن النقد الثقافي، وهنا تكمن أهميته، لا يتوقف عند هذا الحد، وانما يعمد الي المزج بين مناهج ونظريات وقراءات أخري. وفي هذا الصدد لا تخفي، في الدراسة، الأهمية البالغة لـ حفريات المعرفة ولا من ناحية الاتكاء علي مفاهيم مثل مفهوم الخطاب ومفهوم الأرشيف و تواطؤ المعرفة والسلطة و رد المقاومة … بل وتبرز هذه الحفريات، وأول ما تبرز، من ناحية الحفر ذاته وبمعناه الحرفي أيضا. وما أسعف الدارس علي البرهنة علي النجاعة الابستيمولوجية للحفريات المتون والأشعار والمصنفات المتنوعة التي احتكم اليها في تدبر دلالات السود في المتخيل الذي يرادف، ومن وجوه عديدة، مفهوم الخطاب ذاته الذي سلفت الاشارة اليه قبل قليل. وتنسحب هذه المتون/ متون الدارس علي مجالات متنوعة تشمل الأدب والتاريخ والجغرافيا والطب والفلك والتنجيم… أو التمثيل التخييلي و التمثيل التخييلي الذي انبنت عليه الأطروحة الناظمة للدراسة، هذا وان كان من الصعوبة الاقرار بالتمييز بين ما هو حقيقي وما هو خيالي كما يقول الدارس (ص 298)، وهو ما تقرره العلوم الانسانية كذلك. وثمة الأنثروبولوجيا الثقافية أو التاريخية التي يفيد منها الدارس وسواء علي مستوي فهم الدين أو علي مستوي الأنساق الثقافية الأخري التي كانت تتأطر بدورها داخل المتخيل عامة. هذا بالاضافة الي السيميائيات التي استند اليها الدارس وان في مواضع محدودة.ان تمثيل السود، وبالصورة التي أومأنا اليها سالفا، لا يفارق دلالات الاستعمار . ولا يرتبط هذا الأخير، وبالضرورة، بالقرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن العشرين وبالامبراطوريات التقليدية التي كانت قد كرست ظاهرة الاستعمار ، فهو مصاحب أو كامن في استرسال التاريخ ذاته كما أومأ الي ذلك المؤرخ المغربي البارز عبد الله العروي. ولا تتضح افادة الدارس من خطاب ما بعد الاستعمار من ناحية القراءة الطباقية التي أشار اليها في أكثر من موضع (ص28، 451) والتي وظفها في نطاق دراسة التمثيل و التمثيل المضاد ، وهي القراءة التي تبدو بارزة في التلقي العربي لهذا الخطاب. لقد تجاوزها الي ذلك الوصل الفريد الذي أقامه بين الاستشراق و الاستفراق (Africanisme). ومن هذه الناحية اذا كان الاستشراق قد ارتبط بـ الظاهرة الاستعمارية ، وهو ما شرحه بتفصيل ادوار سعيد في كتابه السابق، فان الاستفراق ارتبط بـ الغلبة الحضارية . يقول الدارس هنا: وفي سياق هذه الغلبة ترعرع ما يمكن أن نسميه هنا خطاب الاستفراق (Africanism) العربي، أي هذا التمثيل العربي للسودان، وهذا التمام العربي المحموم بالتعرف علي أجناس السودان والزنوج الأفارقة وثقافاتهم المتنوعة، وذلك علي غرار الاستشراق في علاقته بالشرق . وعلي الرغم، كما يضيف، من أن الاستفراق العربي لا يبلغ في خطورته مبلغ الاستشراق من الناحية السياسية والاقتصادية والمؤسساتية، فانه، كالاستشراق، خطاب تمتزج فيه ارادة القوة السياسية الحضارية[…] بـ ارادة المعرفة والبحث والرغبة في الاستكشاف، كما أن كلا من الاستشراق و الاستفراق كان يمارس عملية تمثيل نشطة وعنيفة لآخر خارجي مختلف عنه دينيا وثقافيا ولغويا وحضاريا (ص 45). بل ان ما سلف تجاوز ما تسميه نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي بـ الحرب الثقافية الي الابادة الثقافية التي يشير اليها الدارس أيضا (ص 209). اجمالا ثمة ملاحظات كثيرة يمكن بلورتها في سياق آخر حول دراسة تمثيلات الآخر التي قلما يجود الزمن الثقافي العربي الشاحب بأمثالها. ويبقي أن نختم بأنها، وبسبب من خلفية خطاب ما بعد الاستعمار التي تؤطرها، وعلي صعيد قراءة التراث، احدي العلامات اللافتة علي طريق فك الاستفراق/ الاستعمار .ناقد وباحث من المغرب0