كــولاج
سمر الأشقركــولاجالركض جيد، مهم، مريح، محرر للجسد. كنت كلما خرجت الي الشارع صحبة أبي أشرع في الركض علي الرصيف. في المرات الأولي كان ينهاني عن ذلك. يلحق بي، يقبض علي يدي ولا يتركها تنفلت منه، لكن بعد ذلك حين رأي اصراري، أطلق سبيلي وهو يؤكد التحذير المعتاد: لا تنزلي عن الرصيف.كنت أركض حتي اختفي وأتعمد ذلك وأحيانا اختبئ عند منعرج وأفاجئه بصيحة أو بحركة من تلك الحركات التي يؤديها الممثلون في أفلام الرعب. وحدث أن ابتعدت عنه ذات يوم مسافة طويلة وغبت عن أنظاره جيدا حتي تكتمل المفاجأة.. لكنه لم يأت. يومها هاجمته نوبة، وفي لحظة توغلي بعيداً عنه، سقط مغشياًعليه ونقله المارة الي المستشفي.ضعت يومها في الزحام، وأحببت تسكعي. المهم أنني لم أنزعج، ولم أخف، كنت أمشي بحثا عن أبي، ذلك البحث الذي يخالطه توجس طفيف، حتي لو كنت بين مئات العصافير الأنيسة، لا بد من صوت مديد يناديك باسمك، ويكون الصوت بشريا أليفا متقوسا مثل احتضانة.حين أعياني المشي اتكأت الي حائط حديقة عمومية أمام أحد الباعة المتجولين. تقدم مني وسألني عما بي وحين أجبته أنني أضعت الطريق الي بيتنا، أخذني من يدي الي المخفر وهناك سألوني عن اسم أبي وعائلتي و أخذوني من يدي ذاتها الي البيت. لم ينتبه أحد لغيابي أو قدومي فالكل منشغل بأمر الرجل المحاط بالجمهور.. هل يمكن أن تكون وحدة موحشة أكثر من وجودك واضحا ووحيداً بين جمهور يخلي سبيلك كيما تذهب وحدك وحسب؟ كم أنت متميز اذن.. لأول مرة.. ولآخر مرة. الركض.. لم يمنعني هذا من العودة الي الركض وهأنذا أركض.لم تثر واقعةُ موتي ـ علي عكسِ ما تصوّره الكثيرون ـ أيّ ضجة تذكر.كنتُ لم أزلْ مسجاة علي سريرِ المشفي الأبيضْ.. حين لمحتُ من خلالِ السديمِ الذي غلفني في حجرةِ العنايةِ المركزةْ دموع أمي صامتة.خُيِّل لي أني سمعتُ شهقتَها. وهي تُغمض عينيَّ بأصابع مُرتبكةْ، وكمنْ لدغتهُ أفعي.. فرّتْ بأصابعِها وغطّتْ وجهَها وبدأتْ بالنحيبْ.كنتُ عاجزةً تماماً عن الأخذِ بيدها.. رغم أننا كنا قريبتين جدّاً جسديا.أربكني حزنها وجزعها. أردتُ من أعماقي مواساتها، والشدّ علي يدها، واعطاءها حقها التاريخي المقدس: الغفران، عن جملة أخطاء صغيرة، كبيرة.. من حقها التاريخي هي أن تحدد المقدار.أردت ان تفرح لموتي.. فقد انتهيت للتو من طقس البكاء.الا أنَّ الموت لم يُتح لي تلك الفرصة. وها أنا أقفُ خلف حدود هذا البرزخ أرقبُها مُثقلة بالندمِ والخساراتِ الفادحة.وددتُ أن أصرخ.. لكن فقداني مفاتيح الجسد وخروجي السريع منهُ لم يترك لي فرصة. مرت اجراءات الوفاة بهدوءٍ تام، روتينية فارغة من أيّ معني، كان لا بدّ من انجازِها بسرعة لاغلاق ملفي، قبل أن تتيبس أعضائي وتظهر عليها علامات الموت، لم يأت أحد ليعزيني في روحي، كنت أنتظر أن يأتي أبي ويعدل مزاج طقس الموت حولي، كنت أنتظر أن ينتشلني من الخوف كما كان يفعل، ولكن ما شأني وأنا مسجاة بين موتين أن أفتقد الأحياء وأفتقد الموتي أيضا.أحسست وأنا هناك وجوها كثيرة تحاصرني: مدورة، مستطيلة، مكعبة، مثلثة، فارغة لا معني فيها، لم أتبيّن ملامحها، وكلمات عزاء مبتورة، تسمع مبتورة. بدا لي أن أمي لا تسمع جيداً. الضجيج يوفر فرصة لعدم التركيز، عدم النظر جيداً في الميت، ثم يوفر المشاركة، ويوزع الميت بين قبيلة التأمت فجأة علي باب المشفي.شقيقتي الكبري احتضنت أمي. هي أيضا لا تصدق وتبكي بانتظام، وتتابع حركةَ الممرضة التي شدّت وثاقي الي السرير قبل أن تُغطيني كليا بملاءة بيضاء. أدركت انني أغادر علي هذا النحو الجديد. هناك صرير عجلات يجرني في ممر طويل. لم يرف لي جفن أثناء ارتطام حواف جسدي بما خلته مصعدا حديديا.. هبط بي الي الأدوار السفلية من الـ (لا أظن أن اسمه ظل: مشفي) أعقبه خروج آخر ودخول. كان الصرير المتعالي يشير الي السرعة المتضاعفة في دفعي قدما الي منفاي.يبدو أنهم يجرون الميت برزانة فقط أمام الأهل، وحالما يهبطون الي الأسفل يعامل الزائر الجديد كمادة عضوية يركضون بها بسرعة.. بسرعة يا أخي (خشية ان تتلف). ما أن تم دفعي داخلا حتي أحسست بجثوم ـ لم يكن لفحة ـ جثوم البرد. كان مفزعا وكلياً وشاذاً. وصار للملاءة حفيف، وأدركت عجزي التام عن التعبير أو عجزي عن ايصال اللغة الجديدة التي لم أتدرب عليها بشكل جاد.أريد القول: أنا أموت من البرد. عن مراسلنا في بغداد.. أربعون (..) مقطوعة الرأس مجهولة الهوية.. بالقرب من دجلة.ذكرت وزارة في العاصمة الجزائرية (تجاذب كلامي فج مع موظف آخر يحتج علي جدول المناوبات).. (ثلاثون راحوا ضحية انفجارغامض في القاهرة).. (عبوة.. شارع الحمراء..) تعقيب من وليد العمري: (طائرة دون طيار قتلت خمسة عشر فلسطينيا.. وليس 13).كان هذا صوت المذياع الخاص بالموظف المسؤول عن المشرحة. لساني ثقيل ولكنك ستفهم لاحقا من غيري أن مذياعك تافه، والارسال ضعيف هنا، فضلا عن أنك تناقش أمورا وظيفية تافهة ليس مكانها هنا.في ثلاجة الموتي، تشبعت بجرعة زائدة من الأخبار المختلطة برائحة الكافور الراسخة.وينفض الجميع. يبدو أن نهاية الدوام الرسمي للأحياء قد أزفت. الي أين يذهبون؟ أنصتُ لوقع أقدامهم المنسحبة بخفة وهي تتسارع مبتعدة، أعقبتها انغلاقة قوية للباب الرئيسي. يبدو انني الوحيدة التي مت هذا اليوم، بلا زملاء طازجين، يفكرون في النهوض والرقص مغمضي العينين حتي في الظلام.ناديت الموظف صاحب المذياع، ليتريث وقد عاد لأجل أغراض كما بدا من خرفشة الجوارير.. وسمعت ـ ربما ـ أو غنيت أنا حوارية فاتنة:سلمي: يا بو مرعي.ابو مرعي: ايه ايه.سلمي: أنا سلمي. ابو مرعي: شو قلتي؟زبون: هيدي سلمي يا بو مرعي. أبو مرعي: كيفك كيفك يا سلمي؟سلمي: نشكر الله.أبو مرعي: شو قلتي؟زبون: عم بتقولك نشكر الله.سلمي: يا مسكين يا بو مرعي شو سمعو تقيل! ابو مرعي: يا مسكينة يا سلمي.. شو سمعها تقيل!كاتبة من فلسطين0