أبوكاليبتو ميل غيبسون وانهيار حضارة المايا: مغامرة في الغابة تعيد انتاج العالم الاكزوتيكي.. وطرواة الشحم ووصول الغزاة

حجم الخط
0

أبوكاليبتو ميل غيبسون وانهيار حضارة المايا: مغامرة في الغابة تعيد انتاج العالم الاكزوتيكي.. وطرواة الشحم ووصول الغزاة

ابراهيم درويش أبوكاليبتو ميل غيبسون وانهيار حضارة المايا: مغامرة في الغابة تعيد انتاج العالم الاكزوتيكي.. وطرواة الشحم ووصول الغزاةميل غيبسون الممثل المعروف، كان حديث الاعلام العام الماضي حول عبارات قالها وهو سكران عن اليهود لاحد رجال الشرطة، وجاءت الاتهامات بالعداء للسامية ثم الاعتذار، وغيبسون شخصية غير محببة لليهود علي خلفية فليمه الساعات الاخيرة للمسيح او آلام السيد المسيح، الذي يصور بطريقة طرية وطازجة بدون رتوش رحلة السيد المسيح للصلب.غيبسون فنان/ مخرج معروف يحب التاريخ، تاريخ ما قبل الحداثة، في افلامه نزعة لتصوير العنف واثر الحرب، والحنين الي عالم بدائي انتهي، وفيها ايضا مسحة دينية واضحة كون غيبسون متدين وملتزم بالكاثوليكية وله سبعة اولاد. ومن هنا ففي احيائه للعالم القديم او اثر الحداثة المدمر علي العالم الذي تعيده للعصر الحجري لا يعمل علي احياء العالم الذي انتهي بالعمل علي مضمون الفيلم ولكن يعيد الصياغة بنفس وهج العالم هذا وضروراته، وافلامه من ماكس المجنون ((1979، اسلحة فتاكة ((1987، وفيلمه التاريخي عن البطل الاسكتلندي بريفهارت/ القلب الشجاع ((1995، وآلام المسيح ((2004 الذي استخدم فيه غيبسون اللغتين الارامية واللاتينية واخيرا فيلمه ابوكاليبتو ((2006 الذي بدأت عروضه في دور السينما البريطانية الاسبوع الماضي. والذي اعاد فيه لغة حضارة المايا يوكاتيك التي يتخاطب بها والمشاهد يتابع الحوار من خلال الترجمة علي الشاشة. اهتمام غيبسون باللغة الميتة لا علاقة له بالبحث عن الاصالة بل هو جزء من الحنين للعالم الذي باد بعد ان ساد. غيبسون الذي كتب نص الفيلم بالتعاون مع فرهاد سافينا، ربما كان واعيا ان ما يقدمه في فيلمه ليس كل الحقيقة التاريخية لما حدث لحضارة المايا، وبالتأكيد فالكثير من المؤرخين قد يجدون السرد البصري لعنف المايا غير حقيقي، وفيلمه في النهاية هو عن حياة الغابة، تكتيكاتها وعنف الحياة فيها وصراع البقاء وهو ايضا عن تحلل الحضارات وانتهائها بفعل الدمار الداخلي والذاتي. قطعا لم يقرأ غيبسون تحليلات وقراءات المفكر الجزائري المعروف مالك بن نبي ونظريته عن القابلية للاستعمار لدي الشعوب الضعيفة ولكن العبارة التي يبدأ فيها الفيلم تشير الي هذا الوعي والتي يأخذها غيبسون من المؤرخ ويل ديورانت الذي يقول ان الحضارات العظيمة لا تنهار اذا انهارت بفعل العوامل الخارجية ولكن بعوامل داخلية، فالشيب والعجز والتدهور يبدأ في الحقيقة من الداخل. ولهذا فالمشاهد الذي يذهب لمشاهدة هذا الفيلم ويعتقد انه سيشاهد نسخة جديدة عن الفظائع التي ارتكبها الغزاة ضد حضارة الازتيك والمايا والهنود الحمر في امريكا اللاتينية، والدماء التي سفكها القائد الاسباني كورتيز، سيفاجأ عندما لا يعثر الا علي عنف الغابة والقرابين البشرية التي يقدمها شعب المايا لالهة الشمس التي لا تشبع الا من خلال الدم والقربان البشري. كثيرون خاصة المؤرخين قد لا يعجبون برواية غيبسون السينمائية وسيشيرون الي الكثير من الاخطاء التاريخية في هذه النسخة ولكن غيبسون غير معني بالتاريخ واصالته بقدر عنايته بتقديم العالم القديم بكل ما فيه من طراوة وكمادة خام لم تتعرض للتجميل او التعديل.وهو في المشهد الاول يدخلنا الي عالم الغابة وقرية وسكان نشاهدهم كثيرا في الدراسات الانثروبولوجية وافلام ناشيونال جيوغرافي عن الامريكية التي تصور استمرارية الحياة القديمة في بعض المجتمعات التي لم تغزها او استعصت علي الحداثة، السيارة والتلفزيون والكهرباء/ هنا يلاحق ابناء المستوطنة خنزيرا بريا ويقتلونه بطريقة جماعية ثم تأتي عملية تقسيم الصيد، حيث يتم توزيع اجزاء الخنزير التي نشاهد عملية تشريحه بدون قطع علي افراد فريق الصيد بحسب الحظوة او المركز ويقوم بالتوزيع جاغوار بو رودي يانغ بلاد – الذي يشبه في سحنته وشعره لاعب الكرة البرازيلي رونالدينو ويقوم في هذه الاثناء بالسخرية من احد افراد الفريق، بلانتيد (جوناثان بريوار) الذي يبدو عاجزا عن انجاب اولاد ويعطيه خصي الخنزير ليأكلها وهي نية بدون طبخ، وامام ضحكات الاخرين نري علامات التقزز علي وجهه وهو يشكو من انه يحصل دائما علي خصي الطريدة ايا كانت. بعد مشادات ونصيحة من والد جاكوار بو فلينت سكاي (بيرديلوهيد)، يعود الصيادون للقرية وهنا تبدأ حماة الرجل الذي كان مثار ضحك اصدقائه بالالحاح عليه لكي يدخل الخيمة وينجب اطفالا من ابنتها، وعندها يجرب اوراقا قدمها له قائد الصيادين وزعيم فرسان القرية ووالد جاكوار بو والتي يطلب منه ان يمسح بها علي اعضائه قبل الجماع ويتبين انها اوراق من الفلفل الحار، حيث يخرج راكضا ويجلس في اقرب حوض للماء وسط ابتهاج وضحك ابناء القرية. ينتهي اليوم الاول من حياة السكان بحلسة حول النار يقوم في اثنائها حكيم القرية بتقديم النصائح عن الخوف، ولكن جاكوار بو ينام ولا تغادره صورة جماعة من الناس كانت تعبر محيط قريتهم بعد ان طلبت الامان ونصائح والده الذي يحذره من الخوف، حيث يقول له الرعب هو المرض وعندما يتخلل المرض داخل الجسد الانساني يقتله، لم يكن يعرف جاكوار وسكان قريته ان فريقا من فرسان المايا كانوا في طريقهم لحصار القرية، حرقها، اغتصاب نسائها وسبي رجالها لكي يقدموا قربانا لالهة المايا الغاضبة. قبل ان تشرق الشمس، تكون القرية قد حوصرت وقتل معظم سكانها ومن بينهم سكاي بو والد جاكوار الذي يؤكد علي اهمية عدم الخوف قبل ان يذبح وتحز رقبته، جاكوار بو في اثناء المعركة ينزل ابنه وزوجته الحامل في بئر ويطلب منهما الانتظار الذي يطول، حيث يؤخذون في رحلة طويلة وهم مقيدون كالحيوانات في اعواد من القصب ويصلون الي عاصمة الماياـ مدينة واخيرا مذبح الالهة الذي يبدو كهرم يحاول الوصول للشمس. في الساحة الكبيرة يقوم الكهنة برمي الرؤوس التي تتدحرج وسط منافسات الحضور من اجل الامساك بها. يقاد فريق جاكوار بو بعد دهن اجسادهم بطلاء ازرق للمذبح، حيث تتم عملية القتل بفتح البطن واستخراج القلب ثم يحز الرأس ويرمي وبعدها بقية الجسد، وعندما جاء دور جاكوار بو يوضع علي المذبح، والمشاهد يعرف انه لن يقتل فهو بطل الفيلم، وهو الشخص الذي يحمل تقاليد ومفتاح الغابة بعد ان جعلها والده حكرا عليه ووضع عليها حرزا له ولاولاده، وفي مشهد يحبس فيه المشاهد الانفاس وفي اللحظة التي سيطعن فيها الخنجر قلب جاكوار يحصل كسوف في الشمس، حيث تعتم الدنيا وبعدها تنجلي الشمس في مشهد يظهر ان الالهة شبعت اليوم من القربان الدموي. عندها يطلب الكاهن الاكبر من فرسان المايا ان يتخلصوا من طريدتهم البشرية، وفي مشهد يذكر بمشاهد المصارعة الرومانية، يخرج الطرائد البشرية الي ملعب ويطلب منهم الركض حتي حدود الغابة وان نجوا نجوا وان لم ينجوا من السهام والحجارة والمنجنيق الذي يقذف عليهم، ومن الفارس الذي ينتظرهم عند خط النهاية لذبحهم، عادوا الي غابتهم المحروقة، والا فسيموتون في الميدان. في المرحلة الاولي يقتل اثنان من الرهائن. وعندما يأتي دور جاكوار بو، يكون تعلم كيفية التحايل علي السهام بالركض في اكثر من مسار حتي يؤثر علي تركيز رماة السهام، وضاربي المنجنيق والحجارة. وينجح جاكوار بو الذي يجرح في قتل ابن رئيس فرسان المايا، ويهرب في الغابة. وعند هذه النقطة تبدأ رحلة مطاردة رهيبة في الغابات الاستوائية التي تأخذ بمجامع القلوب وتتخللها استعادة لاساليب الصيادين والفرسان، والطرق البدائية للتخلص من الاعداء. وفي ظلال الرحلة المشوقة يقدم غيبسون جماليات حميمة عن الغابة وعن العالم الايكولوجي المهدد بالانقراض وعن الزمان القديم، الاكزوتيكي، ومن خلال مجموعة من الحيل والالعاب يستطيع غيبسون الذي لم يعد مهتما الان بالسرد والحوار، بل بالخيط الروائي، الذي يعرف المشاهد نهايته بمقتل العصابة التي تلاحق جاكوار بو، ولكن غيبسون الذي يريد ابهار المشاهد والامساك بتلابيبه حتي النهاية يمارس لعبة الغموض، فهو ينقل الكاميرا بين مطاردات فرسان المايا لجاكوار بو وبين محاولات زوجة الاخير الخروج من البئر، ويصل المشهد تألقه وذروته الدرامية عندما تمطر الدنيا، بل تجود السماء بشلالات من المياه تغمر الام سيفن ( داليا هيرنانديز)، والطفل اللذين يتعلقان بحبل الحياة، وفي دوامة الخروج من مأزق البئر تلد الام ويخرج الطفل الجديد من رحمها ومن رحم المطر، يتعلقون وينتظرون بصبر قدوم الاب المطارد. في ملاحقات الفريق، وفي بداية الهروب، يتعثر جاكوار بو، باجساد ملقاة علي الارض بالالاف، مقطوعة الرؤوس والاطراف يحوم عليها الذباب، ربما ليرينا الثمن الذي يدفعه البشر في قرابين العنف والعبودية، للشمس وكهنتها في المعبد الذي يناطح السماء. نعرف ان انتصار جاكوار الجريح الذي لا يمكن تفسير ركضه المتواصل في الليل والنهار الا من خلال القوة السحرية التي امتلكها ووزعتها الغابة فيه، فهو ينزف ويركض، ويقاتل ويقوم باختراع الحيل واساليب لعرقلة مسيرة الفرسان الذين لا يقلون قوة وسطوة عنه، ولكن الفرسان ليس لديهم ما يملكه جاكوار، حيث تطاردهم الاوراح الشريرة، وعندما يمرون علي فتاة مشردة امها قتلت قربانا للالهة، تتنبأ بان الظلام يلاحقهم، ويحاول احد افراد الفريق ايقاف رحلة الملاحقة المحمومة علي اعتبار ان مصيرهم بات محتوما وقتلهم بات قريبا، فاللعنة تلاحقهم ، يصر القائد الذي قتل ابنه علي الملاحقة لكي ينتقم من جاكوار. الطبيعة في الغابة تبدو في صف جاكوار، فالاسد الذي يلاحقه، ينقض علي احد اعضاء فريق المطاردة وينهشه، واخر تلدغه افعي كوبرا قاتلة، حيث يقول رفاقه بلغة ساخرة ايتا اوبو اتومبو (عبارة بذيئة) فالرفاق لديهم وقت للسخرية والضحك. جاكوار بو، قادر علي تخطي كل الصعاب كما في المغامرات القديمة والوصول في اللحظة المناسبة لانقاذ عائلته، ولكن قبل الوصول عليه اجتياز البحار السبعة، والانهار العظيمة، والجبال العالية، وعليه هزيمة وحش البر والبحر، وفي مشهد عالي الجمالية، يقف جاكوار موزعا بين مواجهة فرسان شرسين والقفز في امواج شلال كثيف وخطر، ويقرر القفز، وتقرر العصابة المحمومة القفز وملاحقة جاكوار، حيث يقف في بحيرة من الوحل الاسود، ويخرج البطل ملوثا بالدهان الاسود لا نعرف الا عينيه، ولكنه يكون قادرا علي تجميع خلية نحل هذه المرة ويطلقها في اللحظة المناسبة علي المطاردين، واخيرا في مشهد مواجهة مع قائد الفرسان ومساعده ميدل اي (جيرادو تيراكينو) يستطيع التخلص منهما اولا من خلال اعواد حادة غمسها بدم الضفدع السام والثاني من خلال منجنيق يخترق احشاء القائد. بقتل الاخير كنا نعتقد ان المطاردة انتهت ولكنها تستمر، حيث كنا نتشوق لمعرفة مصير الام التي غمرها الماء الي رأسها، ولكن المطاردة تستمر، وفجأة تتوقف، وكنا نعتقد ان جاكوار سينهي اخر اثنين من اعضاء فريق المطاردة وفي جلسة مثل الصلاة علي الرمال الناعمة، يتغير وتر ونغم الفيلم من الايقاع السريع، والحيوي والمثير الي هدوء مفاجئ مثل سائق اضطر لدوس كابح سيارته فجأة، ولكن لم يحدث هنا تحطم بل تغير بالمزاج. يفتح ميل غيبسون عين المشاهد علي حقيقة جديدة تواجه الغابة، فهنا لم يعد الباحثون عن قرابين الالهة الغاضبة المصدر الوحيد للتهديد، بل طلائع الدين المنظم، والغزاة والمبشرون الذين جاؤوا ليغيروا وجه الارض هنا وينهوا حضارة القرابين بقربان كبير يذبح هذه المرة علي مذبح الحداثة القاسية. من هنا يبدأ زمن المحاربين الاسبان وزمن كورتيز. في تحديد لزمنية الفيلم يدير غيبسون كاميراه علي احداث القرن السادس عشر، وهو الزمن الذي بدأت فيه تتغير معالم الطبيعة والجغرافيا في هذه المنطقة، التي صارت تعرف بامريكا اللاتينية. ونجح المصور دين سيملر، الذي صور ايضا مشاهد الفيلم المعروف الرقص مع الذئاب ، بالتقاط عذرية وشفافية ونظافة الحياة في الغابة والامساك بجمالياتها العالية. تماما كما اعاد ويرنر هيرتزوغ حياة الغابة كمكان مسكون بالارواح الشريرة والخيرة في ملحمته عن آلدورادو اغويري: غضب الرب (1972).في النهاية، هناك جرأة في الفيلم، ليس من ناحية الموضوع، ولكن من وجهة الجرأة علي التعامل مع الماضي وتقديمه وان برؤية مشوهة، وغيبسون معروف بمحاولاته اختراق حدود السرد المعروف والبحث عن سرد آخر، ولكن السؤال الذي يطرحه المشاهد، هو عن طبيعة الموضوع والقصة، فعندما بدأنا نشعر ان الفيلم بدأ يتحرك نحو اطار اخر، بعودة جاكوار الي الغابة وانقاذه عائلته، ينتهي الفيلم، وعندما تتساءل زوجة جاكوار بو ان كان من المناسب الذهاب للبحر واستقبال السفن التي تقترب شيئا فشيئا من الغابة، يختار جاكوار بو، غابته، وينتهي الفيلم. ميل غيبسون قال ان وحشية قادة المايا، يجب ان تذكرنا بوحشية بوش ورجاله في العراق . وهو عن فساد الحضارة والمدينة مقارنة مع عذرية الغابة وبساطتها، وانهيار الحضارات، القديمة والحديثة يبدأ بالمدينة والتضحية بالمدنيين، مثل تضحية بوش بالجنود الامريكيين علي مذبح العراق، وضمن هذا السياق، في الفيلم الكثير من الاحتفال بقيم الغابة، الرجولة والفروسية، والبساطة والتآلف مع الطبيعة والقناعة، وفوق كل هذا العلاقة بين الاب والابن وتوريث قيم الفروسية للابناء والعلاقات بين الرجل والمرأة. انها عن المتوحش النبيل مقارنة مع المدينة الشيطان. صورت معظم مشاهد الفيلم في ولاية فيراكروز المكسيكية، خاصة مدينتي كاتيماكو، وباسو دي اوفيجاس.عنوان الفيلم يوحي بالنهاية والقيامة ولكنها قيامة مؤجلة علي اعتبار ما سيفعله القادمون علي السفن الجديدة، ولكن قيامة الغزاة لم تكن لتحدث لولا القيامة التي قام بها سدنة القرابين وعباد الشمس. كلمة ابوكاليبتو، يونانية تعني انا اكشف ، ويستلهم الفيلم عنوانه ومحتوياته من بوبول فو الذي يعرف احيانا باسم انجيل المايا ومن وصف المبشرين لقرابين الذبح عن هذه الحضارة. ناقد من اسرة القدس العربي Apocalypto (2006)138 MinDirected by:Mel Gibsonwrien by: Farhad Safina & Mel Gibson0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية