العقوبات الدولية تصنع قيامات وطنية

حجم الخط
0

العقوبات الدولية تصنع قيامات وطنية

محمد صادق الحسينيالعقوبات الدولية تصنع قيامات وطنية لا أحد في ايران، نعم لا احد شعر باهمية القرار 1737 او ربما حتي انتبه اليه! فالمجتمع الايراني لديه اهتمامات مختلفة تماما عن اهتمامات واشنطن وحليفاتها الغربيات مع حكومة بلادهم.نعم قد يكون مثل هذا القرار قد احدث بعض الارتباك في علاقات بعض النخب التجارية والاقتصادية في القطاعين العام والخاص الايرانيين مع العالم الخارجي، لكنه بالتأكيد من النوع الذي تعودت عليه هذه النخب منذ ما يقارب الثلاثة عقود وهي تعيش في حالة شبه استثنائية من قواعد التعامل مع المجتمع الدولي بسبب الحصار الامريكي الذي تفرضه واشنطن علي ايران.لكن الغالبية من ابناء الشعب الايراني استطاعت ان تكيف نفسها مع اجواء وفضاءات حصار تفرضه وترعاه واشنطن ضد ايران ظنا منها ان ذلك سيلوي ذراع حكومة طهران او جماهيرها.فالنتائج كانت علي العكس تماما، فكلما كان يزداد الحصار كلما كان الايرانيون يستكشفون البدائل من جهة ويبدعون في اختراع الحلول الذاتية والمحلية.اما في الملف النووي فقد كان الامر اكثر اعجازا اذا جاز التعبير، فانسحاب المؤسسات الغربية من سوق العرض والطلب وتراجع بعض الدول عن تعهداتها ببناء منشآت بعينها (مثل بوشهر) وتخلي الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن واجباتها ونقضها لالتزاماتها تجاه الدول الموقعة علي معاهدة حظر انتشار الاسلحة النووية كلها كانت امور قد دفعت بطهران عمليا الي بذل المستحيل للوصول الي المصادر البديلة ليس فقط لبناء منشآت نووية متطورة بالتعاون مع الروس مرة ومع السوق السوداء مرات عديدة، بل للتوصل بجهد خاص الي ما بات يعرف بالتقنية النووية المحلية او الوطنية اي الذاتية التي تعتمد علي جهود ومساعي العلماء الايرانيين.هذا الشيء نفسه حصل في جانب التسلح حيث اتاحت حرب الثماني سنوات العراقية ـ الايرانية في ظل حصار دولي محكم للصناعات العسكرية الايرانية المحلية ان تصل الي درجات من التقدم والرقي ما كان لها ان تصل اليه علي مدي عقود طويلة لو كانت ظروف بناء الدولة والمجتمع الايرانيين قد حصلت في وضع طبيعي.الآن وقد قررت الولايات المتحدة الامريكية اعتماد وسيلة الحصار والمقاطعة مرة اخري ضد ايران معممة اياها عبر مظلة تفضل ان تسميها المجتمع الدولي وان كانت في الواقع ليست سوي توافقات مؤقتة بين مجموعة من الدول الكبري سرعان ما يتبدد اجماعها عند اول اختبار جديد مع طهران، فان الحكومة الايرانية ستبدو اكثر اصرارا علي الصمود بوجه هذه المقاطعة من جهة كما انها ستلقي من الدعم الشعبي والمادي والمعنوي ما لم تلقه في اية محطة سابقة من محطات المواجهة بينها وبين الخارج.لماذا؟اولا: لان الموضوع هذه المرة سلمي الطابع وليس حربيا، اي ان طبيعة المواجهة التي اختارت طهران هي الاصرار علي اللجوء الي طاولة الحوار والمفاوضات وليس المواجهة العسكرية!ثانيا: لان الموضوع المختلف عليه هو من نوع ضرورات التقدم العلمي والتكنولوجي للبلاد وهو تحصين عامة طبقات المجتمع وليس طبقات بعينها ترتبط مصالحها بالنظام الحاكم، فالمعركة ليست سياسية ولا ايديولوجية ولا مصالح اقليمية او دولية!ثالثا: لان الموضوع يتعلق هذه المرة بنوع من انواع الكرامة القومية والعزة والكبرياء الوطنيين وكأن الامر بات يشبه تحدي القدرات الايرانية بمجملها دولة ومجتمعا، جماعات وافرادا، علماء وجامعات، مجتمعا مدنيا واحزابا، ومجتمع اهليا وجمعيات بحيث ان الجميع بات يشعر بان القضية باتت وكأنها تخدش كرامته الشخصية فضلا عن الكرامة العامة للامة فيما لو تم التراجع عن الحقوق المكتسبة في هذا المجال.ولما كانت الطبقة السياسية الحاكمة قد اعدت العدة جيدا لكل البدائل وصارت تمتلك القدرات المحلية للمحافظة علي الحد الادني من هذه التقنية سلميا وبعيدة عن قدر التدمير او الضياع، فان معركة الحصار او المقاطعة لن تكون مجدية هذه المرة بالمطلق، بل ربما علي العكس تماما ستساهم بالاسراع في انجاز مراحل جديدة من المشروع القومي بعيدا عن عين الرقابة او النـظارة الصارمة.وبذلك تكون واشنطن قد بددت كل جهود الوكالة الدولية للطاقة الذرية وكذلك جهود ثلاث سنوات من عمل مضن للترويكا الاوروبية هذا ناهيك عن اتاحة مزيد من الفرص الاضافية التي كانت تتمناه كل من موسكو وبكين اللتين تتسابقان لعقد مزيد من الصفقات والاتفاقات مع طهران علي حساب اوروبا فضلا عن امريكا التي تزداد بعدا عن امتيازات السوق الايرانية.بالاضافة الي كل ما تقدم فان اقدام واشنطن علي مثل هذه الخطوة التصعيدية ضد طهران في وقت الاعلان عن توصيات لجنة بيكر ـ هاملتون التي تطالب الرئيس بوش وادارته بالتفاوض مع طهران ودمشق من اجل الخروج المشرف من مستنقع العراق، يعني بان ادارة بوش تضيع فرصة اخري كانت متاحة لها لقضاء عطلة استراحة المحارب التي هي بامس الحاجة اليها في المرحلة الانتقالية التي تعيشها مع تبلور كونغرس جديد، كما ان تقدم الاوضاع في كل من لبنان وفلسطين لغير مصلحتها يجعل من طهران رقما صعبا اضافيا يضاف الي ارقام المنطقة التي تتجمع ضد ارادة التصعيد والهيمنة وشهية النهم الامريكية المتزايدة. مرة جديدة تثبت واشنطن انها لا تفقه آليات التحول والتغيير التي تعيشها منطقتنا بفضل ممانعة الشعوب وحماقة الاحتلال!9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية